
كلمة معهد جنيف لحقوق الإنسان
بمناسبة اليوم العالمي لحرّيةالصحافة
تتصاعد أصوات الأمة الإنسانية في اليوم الثالث من أيار/ مايو من كل عام في احتفاء عنوانه “السلطة الرابعة حرّة ويجب أن تكون كذلك”، إمعاناً في ترسيخ مبدأ الشفافية وتحرّي الصدق في نقل المعلومات للكلّ دون خوف أو تأثير خارجيّ؛ سياسي أو مادّي. ودعماً لهذه القيمة وأهميتها أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم العالمي لحرّية الصحافة في كانون الأول/ ديسمبر 1993، بناء على توصية من المؤتمر العام لليونسكو، ومنذ ذلك الحين ظلّ الاحتفال بهذه الذكرى يتجدّد سنوياً في جميع أنحاء العالم في 3 أيار/مايو باعتباره اليوم العالمي لحرّية الصحافة، وذلك بمثابة تذكير للحكومات بضرورة احترام التزامها بحرّية الصحافة، كما أنه يوم للتأمل بين الإعلاميين حول قضايا حرّية الصحافة وأخلاقيات المهنة التي ينبغي أن تكون مجرّدة من الأغراض. وجاء احتفال هذا العام في ظروف تستوجب أن يطلق العنان للصّحافة وكل وسائل الإعلام عبر منصّاتها المختلفة، لتؤدي دورها الريادي في تمليك المعلومات كاملة غير منقوصة للجمهور عن مخاطر جائحة كورونا وتهديدها للبشرية لأنّ إخفاء أيّ معلومة، ربما يؤدي إلى المزيد من الضرر الذي يدفع ثمنه المواطن بسبب استقائه معلومات خاطئة من خلال هذه الوسيلة الإعلامية المهمّة التي تؤدي الدور التوعوي والإرشادي للمواطنين حتى يتجاوزوا تلك المحنة الإنسانية. وهذا لا يتأتى إلا في ظل الحكومات المدنيّة الديمقراطية لما لها من علاقة تكاملية مع أفراد شعبها بمختلف فئاتهم وتخصّصاتهم دون تمييز، لأنها تعمل في وضح النهار وتخضع للمحاسبة ترسيخاً لمبدأ سيادة حكم القانون؛ عكس الأنظمة الشمولية الديكتاتورية التي تتحكّم في مصير شعوبها بإرادتها ولا تمنحهم حق النّقد أو التّقويم أو حتى إبداء ملاحظة، ولذلك تتعمّد تغييبهم من تمليك الحقائق كما هي.
إن الاحتفال باليوم العالمي لحرّية الصحافة يحمل معاني إنسانية عظيمة مبتغاها عدم التدخّل في الإرادة الفردية لمجتمع الصحفيين، وحماية الفكر والرأي من التّقييد الذي ما فتئت تمارسه الأنظمة المتسلّطة بحكم الفرد أو التنظيم الأحادي على شعوبها، كما هو الحال في بعض الدول التي وظّفت حكوماتها وسائل الإعلام المختلفة بما فيها الصحافة لتحقيق أغراضها وتزيين باطلها، واستخدمت في ذلك وسائل القمع وتكميم الأفواه، ومارست أسلوب الرّقابة القبلية والبعدية التي تحمّل المؤسسات الإعلامية خسائر فادحة ممّا أجبر الكثير إدارات التحرير الصحفي أن تتناول المواضيع بحذر شديد تفادياً للوقوع في المحظور الذي يقود إلى الخسارة ممّا جعل الصحافة الموجهة بأمر السلطات القهرية أبواقاً لا طعم لها ولا رائحة لابتعادها عن أداء رسالتها ودورها المنوط بها. وهنالك شواهد كثيرة للمعاناة التي يتعرّض لها الصحفيون أصحاب الأقلام الجريئة والشجاعة بعضها أدى إلى الموت أو التّهديد ثمناً لذلك، وبعضها نهايته الطّرد والنفي أو الفرار من ذلك الواقع المؤلم. فالصحافة تعدّ المرآة العاكسة لواقع الحياة بمختلف ضروبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفنّية والأدبية والرياضية وعليها مواكبة الأحداث خطوة بخطوة دون قيد أو شرط حتى لا تكون معزولة أو عازلة لجمهورها من سرعة التقدّم والتطوّر العالمي المستمرّ، ولا تحقّق رسالتها إلا إذا توفّرت لها أسباب الدعم والتطور وفي مقدمتها عدم تدخل أيّ سلطة في توجيهها، بل منحها الحرية كاملة وحينئذٍ تؤتي ثمارها شهيّة وشيّقة.
معهد جنيف لحقوق الإنسان بحكم رسالته الحامية لحقوق الإنسان وحرّيته بشتى صورها، من أكثر المؤسّسات التي لاكت المرّ من تقييد الصحافة وتكميم أفواه الصحفيين، بل ظلّ في متابعة دائمة لما يحدث للصحفيين من إجراءات تعسّفية في بلدانهم ولم يبخل لهم بمدّ يد العون دفاعاً وحماية حتى لا تنقطع رسالتهم الإنسانية.
يحث معهد جنيف لحقوق الإنسان كل الدول على تحقيق المبادئ الأساسية لحرّية الصحافة، والدفاع عن وسائل الإعلام من الاعتداءات على استقلالها، ويشدّد معهد جنيف لحقوق الإنسان أن يُمارَس العمل الصحفيّ والإعلامي بأخلاقيات المهنة خاصّة في الظروف الحالية التي يمرّ بها العالم، وضرورة إيقاف التضليل الإعلامي في أوقات الإصابة بفيروس كورونا عند البعض، لأنّ الإعلام بمختلف وسائله يساهم في تنمية الإنسان، فإذا كانت الصحافة حرّة ومعافاة من الأغراض محدودة الفائدة، فعندئذٍ يتوفّر ضمان التنمية المستدامة للإنسان التي ينشدها معهد جنيف لحقوق الإنسان.
جنيف 3 مايو 2020م




