ثقافة وفن

أرسطو والمواطنة 1/2

خديجة منصور

إن الفلسفة هي ثمار الفكر الناضج في المجتمع الإنساني، لذا فدارس الفلسفة لابد أن يقف على بعض المفاهيم والنظريات، والحقائق التاريخية التي تمكنه من الإبحار في عالمها فهي تبحث في الأسس الأولى التي تتحكم في سلوك الإنسان من حيث هو إنسان وفي علاقة الفكر بالواقع.

فالإنسان حسب تصور أرسطو وفلاسفة العقد الاجتماعي، كائن اجتماعي بطبعه، إنه مجموعة تجارب، يعيش وسط محيطه، ينتج، يحلل ويفكر أي يمارس عملية التفكير، وله قوة Force مكونة من مجموع القوى (الماء، الهواء، التراب، النار) إنه يحمل فكرا يعينه على الانخراط في المجتمع، بأعرافه وتقاليده وثقافته ليتقاسم العيش مع الآخرين من أجل هدف واحد هي الروح الجماعية بمعنى أن يصبح مواطنا. ومن هنا كان لليونان السبق في طرح عدة إشكاليات بدء من الوجود إلى الدولة …

فكل حضارة هي عمل تراكمي قديم قائم بذاته يحاول مضاهاة الحضارات الأخرى، وخير هذه الانجازات التاريخية النموذج الحضاري المميز الذي أحدثته الفلسفة اليونانية في تطور الفكر البشري، ومن هنا فنحن معنيون بإبراز مظاهر الحضارة والفلسفة في بلاد الإغريق، والكشف عن تميز الفكر اليوناني، وما خلفه هذا الفكر من مفاهيم ونظريات فلسفية وسياسية. إن ما يهمنا ليس الجانب التاريخي بقدر ما يهمنا قراءة جزء من التراث السياسي الإغريقي، وخاصة فلسفة أرسطو السياسية.

          استحدث أرسطو منهجا جديدا في الحقل السياسي يقوم على ربط العلاقة بين الكل والجزء، وهو المنهج الاستقرائي، المنهج الذي طبقه أرسطو على المدينة

“بما أننا نشاهد أن كل دولة مجتمع، وأن كل مجتمع يتألف ابتغاء مصلحة –إذ الجميع يجدون في كل شيء إلى ما يبدو لهم – خيرا – من الواضح أن كل المجتمعات ترمي إلى خير، وأن أخطرها شأن والحاوي كل ما دونه يسعى إلى أفضل الخيرات: وهذا هو المسمى دولة أو مجتمع مدنيا.” (أرسطو السياسيات ص5)

يرى أرسطو أن “المدينة” تشبه العائلة والقرية التي لا تستطيع العيش بشكل معزول، هذا يعني أنها تشكل وحدة يمكن أن تعيش بشكل مستقل عن الآخرين، والتي لديها منطقها الخاص، “فمن هنا “مدينة” أرسطو تشبه الدولة ولكن لا يمكنها أن تختلط معها إذا يوجد اختلاف في الطبيعة بينهما، بين المدينة والدولة، بحيث يعتبر أن الدولة تنشأ طبيعية، فهي تمثل نموا طبيعيا للعائلة والقرية والذي أطلق عليها المستعمرة الطبيعية للعائلة”.”السياسيات93 ص”.

فأرسطو يعتبر أن الدولة هي من خلق الطبيعة تتحقق بواسطتها قيم المواطنة، فغايتها في نهاية المطاف هي الحياة الفاضلة، وأن الأسرة هي أول خلية اجتماعية، وهي أول اجتماع “فالبيت إذا هو أول ما ينشأ عن ذلك الائتلافين ائتلاف المرأة والرجل وائتلاف العبد والمولى”، وحسب أرسطو ضرورة اتحاد الرجل والمرأة للتناسل من أجل تكوين أسرة، فمن اجتماع الأسرة تنشأ القرية، ومن اجتماع عدة قرى تتكون المدينة “الدولة”.

“فسعادة الدولة هي غاية الغايات بالنسبة للأفراد، لكن سعادة الدولة تتضمن إسعاد أعضائها جميعا. يظهر أن أرسطو وكأنه فيلسوفا غير فردي individualiste الإنسان الذي لا يستطيع العيش إلا في جماعة أو الذي لا يحتاج إليها نهائيا لأنه يكتفي بنفسه لا يشكل جزءا من المدينة، إذا إما هو وحش أو إله”.

يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق