
هذه الضفاف تعرفني
لفضيلي جماع
إكرام بركية
عندما تقرا رواية لفضيلي جماع، حتما سيكون للاسم بعض التشويش في شفافية العقل الباطن، الذي عرف فضيلي كشاعر مرهف، وكاتب مناضل وثائر حمل عبء نضاله الى المنافي البعيدة، على يد النظام الاسلاموي الغاشم، لكن ربما تصيب هذه الأتكاءة، على سمعة خلقتها الثقافة العالية، والشخصية المتفردة التي عرف، بها لتكون الرواية على قدر هامة الاستاذ وارهاصا بعمق ما سطره.
“هذه الضفاف تعرفني”: العنوان حنين وجاذب ربما يختصر كل ما في القلب من شوق وحب للوطن يزيد اوار هذا الشوق، نار الغربة والاقصاء القسري الذي طال الكثير من نخب الشعب السوداني الابي والكاتب أحدهم.
بالفعل تعرفك تلك الضفاف. حتى جاء هذا الوصف الحميم الشاعري لطبيعة المكان، حتى ان القارئ الذي لا يعرف ان الكاتب شاعر سوف يحس بهذا عندما يقرأ مثل هذه الفقرة.
(ما زالت ضفة النهر قبالة عتمور الفارس أجمل لوحات الطبيعة شجر الدليب يشرئب بأعناقه حتى يكاد يلامس السحب العابرة، نوار الستيب بألوانه الخلابة يتسلل خلف الطحالب، والطرور يغطي قلب النهر، الطائر الرزين (جكة ود الميرم) يقف محدقا في الافق) كأنه ينتظر مثل كاتبنا الجسور حلم وطن بعيد في الانعتاق من ليل ظلم مقيت وطلوع فجر الديمقراطية ودولة المواطنة بدون امراض الأثنية والعنصرية والجهوية0
فالكاتب مسكون بالمكان. يصف اشجاره التي يعرفها وتسلقها في طفولته.
(نبات البردي وام صوفة والطلح الهجليج والخروب، ويعرف طيورها من الحبار ودجاج الوادي وطير الرهو، وحيواناتها من اب عرف والتيتل والغزلان، ويكاد يتغزل بكل كائن شاركه الحياة في تلك الطبيعة الساحرة، تلك الطبيعة التي لا تشبه الصراعات التي اشعلت في سهولها، ولا تلك النزاعات التي اختلقتها حاميات زرعت في غير مكانها،ولهدف بعيد عن قوانين واعراف الجيوش الحرة الابية .
يبدأ الكاتب بوصف المكان ويعرف طبيعة سكانه من العرب الرحل والدينكا نجوك ( ثم يربط بين الراوي من قبيلة العرب البدو ربما هي (المسيرية ) بصبي من الدينكا لتكون هذه الصداقة والعلاقة نموذج مصغر, لحالة القبائل المتشاركة في المكان من اجل المرعى والحياة حيث تجود يد الرب بالمرعى الخصيب والكلأ الوفير والود وحسن الجوار بين زعماء العشائر وسلاطينها، وتمتد الاواصر احيان رغم مطرقة النظام وميليشياته وضباطه المتاجرون بالحروب، ثم يأخذ هذه العلاقة بعيدا عن مضارب القبيلة الى العاصمة وبين اسوار جامعة الخرطوم الرمز .لتكون حاضنة لشخوص من خلفيات مختلفة تنشأ بين ابطالها علاقات صداقة وحب تبدو مستحيلة وفق صراع الهوية وقيود أعراف لم ترتقي أو تعرف شعلة الوعي ولا نبض القلب الذي لا يفرق بين لون وجنس .
(مجاك الجنوبي المسيحي وسناء المسلمة بنت الشمال).
(لم نكن وحدنا نسكن المكان، اذ يجاور مصيف العرب الرحل ثلاث دكادك لعشيرة الدينكا بل ان ابقارنا وابقارهم تعلف من ذات المرعى)
بمثل هذا التصالح بين قبيلة من العرب وقبيلة الدينكا، رغم تلك الفروق في السمات والشكل والثقافة، تنشأ علاقة موازية بين الراوي وبين مجاك صبي الدينكا وابن سلطانها. تواصل تلك العلاقة لتحكي عبرها مصائر شخوصها والتغيرات التي تطال الانسان والمكان،عبر سياسات توافق هوى الأنظمة، رغم تأثيراتها السلبية من خلق وافتعال (عنف مؤسس ) تغذيها باستمرار بالبندقية وبجريرة فرق تسد التي تتكي عليها ذهنية الطغاة في كل زمان ومكان ..
(ما دام المراحيل معروفة من زمن الجدود تاني الغلاط في شنو)
ربما حملت شخصية الراوي وشخصية مجاك عبئا يتجاوز قلوبهم النقية التي ربطت بينها براءة الطفولة، عبء الهوية والصراع الموجود او المفتعل او المزعوم لتعقيد التعايش الحياتي النبيل، فبرغم كل الظروف المتاحة لتحقيق وجوده على ارض الواقع او اعادة ما كان موجودا الى المشهد مرة اخرى، بل تتعقد أكثر بوضع جدار شائك في الارواح والنفوس وتطفو احيانا حتى بين الاصحاب.
يقول فارس (كرهنا نظرتكم المليانة بالشكوك،هل نسيت انو اكثر من ميتين سنة في السهول الجينا منها انا وانت كافية تخلينا نبقى افارقة زيكم )، فيرد مجاك (دة مشكلتنا معاكم يا رجل ادعاءكم انكم امتداد لقبيلة قريش في السهول الجينا منها انا وانت)، من يحرك هذا الساكن؟ ومن يستطيع ان يستثمره لحد ان يكره أحدهم الاخر الذي تعايش معه؟! الا إذا كان هذا الصراع يخدم سلطة ما ليدوم لها البقاء مهما تكلف هذا الصراع من ارواح وحريق.
استطاع الكاتب ان يتجسد في روح الراوي حتى نشعر ان تلك مفكرته وان هذه سيرته الشخصية، واستطاع ان يأخذنا معه الى تلك الاماكن البعيدة القريبة، رويانة تشبه الكثير من الامكنة في الوطن، التي تحمل تلك الخصائص الرائعة في انسانها وبيئتها وطبيعتها البكر التي لا يعكر صفوها الا تلك الشركات وحاميات الجيش التي تزعم انها تحمي الانسان المواطن الذي يعيش في ارض ورثها من اجداده وتجاور فيها الرعاة الاخرين عبر قرون فكان سؤال رضوان بديهيا وشرعيا عندما قال:
يا ترى يحمونا من شنو؟
ايقاع الحكي عن الحرب والاعتداء على الرحل ودكادك الدينكا النجوك، جاءت هادئة دون زخم في الحكي, وكأنه لم تخلف فظائع من القتل والنهب والتشريد حتى تلك التلميحات عن بيوت الاشباح وتعذيب الراوي، لم تشعرنا بعنف الحدث، وتجاوز مسميات الاماكن المدن والشخوص، احياناً كان الكاتب شحيحاً في الوصف والسرد او غلبت السمة التقريرية في الحكي، رغم ان هناك مساحات كثيرة كان من الممكن لها ان تتمدد مثل ان يخلق الكاتب بعض الفعاليات التي تعكس وتحكي لنا عن ثقافة تلك المنطقة الثرية والزاخرة بالتراث والاساطير والغرائبية ..غير تلك اللوحات المختصرة لعرس الدقم مرات قليلة تلك التي أفلح فيها كاتب في استخدام اللغة المحلية، كما فعل الطيب صالح في عرس الزين.
فلم تكن أي لغة فصيحة لتحل محلها في اضفاء تلك الحميمية الضافية على السرد في هذه الرواية. ثم استخدام بعض الاغنيات المحلية المعبرة كان لها ايضا مفعول محببب.
الزمن الذي تتحدث عنه الرواية قبل الانفصال المر للجنوب وارهاصاته التي القت بظلها على تلك المناطق الحدودية المتداخلة، ذات الخصوصية البشرية والاقتصادية.
في الحرب لا يوجد منتصر يموت مجاك ليعادل موت تيراب دون ان يكون هناك جريرة سوى اصوات التار التي تعلو على المنطق وحكمة السلاطين التي غابت حين وأدتها معسكرات الجيش المؤدلج .
جاء الفصل الاخير كأجمل ما يكون حتى ان كل نبض غاب في بعض الفصول ظهر في هذا الفصل وكأنه ادخر كل المشاعر والاحاسيس لتأتي حية وبها روح الشخوص والأحداث، مقتل مجاك وهروب سناء حبيبته من بيت والدها الى حيث امها في تشاد لتلتقي بها بعد ان عاشت كل حياتها وهي محرومة منها، لتنتهي بهذا تلك العلاقة المعقدة التي كانت تحلم بكسر كل تلك القيود المجحفة في حق الانسان في الحب والحياة كما يشتهيه هو وليس كما تفرضها الاعراف والعقد المجتمعية.
كان الراوي فارس باردا في تصوير مشاعره تجاه أمل، وكانت حروف الكاتب ايضا باردة، في اضفاء ولو القليل من الرومانسية، وتجاوز عمدا وكأنه يخشى أن يخوض في تابو الجنس المثير للجدل. لكان الحكي قد اكتسب الكثير من التشويق الذي يستهوي القارئ.
اعجبتني حكاية الدقم وفطين العسل، تلك البدوية وشخصيتها القوية المثيرة في تلك النواحي التي تحرم على الانثى ان تحتفي بالحياة، لكن كيف استطاعت فطين ان تحتفظ بثمرة الخطيئة دون ان يتصدى لها اخوانها واقاربها؟
كان الأمر غريبا لعدم اشارة الكاتب، لأي تحديات خاضتها فطين في سبيل الاحتفاظ بثمرة حبيبها الدقم، سوى أحاديث وغمزات الناس من حولها! او انه اراد ان يبشر بالتغيير؟
جاءت الرواية شاملة كاملة، لم تترك قضية من قضايا الوطن الا وخاضت فيه. الحرب، والفقر، التهميش وأذرع السلطة المتمددة كالسرطان في جسد الوطن، صراع الهوية، وظلال العنصرية الثقيلة على روح انسان الوطن النضال، وتحدي المستحيل، واخيرا نفاج الامل والفرح الذي تركه الكاتب الشاعر موارباً وكأنه يبشر بالثورة.




