سياسة

كلمة معهد جنيف لحقوق الإنسان

بمناسبة اليوم العالمي للأسر

الأسرة هي الملاذ الآمن الذي يأوي إليه الإنسان ويجد فيه الأمن والسكينة، وتعتبر الأسرة  المكوّن الأول لمجتمع الإنسانية الذي تتآلف من خلاله، إيذاناً بخلق مجتمع مؤسس يفضي إلى حياة مستقرّة نواتها الأولى الوالدان بعد تواثقهما بعلاقة قانونية تثمر لبني البشر عناصر جديدة من البنات والبنين تسهم في إعمار الكون الرحب شعوباً وقبائل. لذلك لابد أن تكون البداية التكوينية سليمة مزدانة بالمودّة والرحمة لضمان أسرة اجتماعية متآلفة تتعذّر الحياة من غيرها، والضامن الأوحد لهذا الاستقرار هو ما بين الوالدين من توافق وتعاون، فإن فقد هذا الشرط يكون مصير الأسرة التفكك والتشرّد وعليه لابد من مراعاة عوامل الاستقرار بخلق البيئة الصالحة من قبل الوالدين لغرس أسرة صالحة، وتظل الأسرة في مركز القلب من الحياة الاجتماعية لضمان رفاه أفرادها وتعليم الأطفال منهم والشباب وتزويدهم بالمهارات الاجتماعية اللازمة، فضلاً عن رعاية الصغار والمسنّين.

ولأهمية دور الأسرة في الحياة الإنسانية خصّصت الأمم المتحدة يوماً عالميا للأسر‏ تقيمه سنوياً في الخامس عشر من أيار/ مايو وقد أعلنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1993 مع القرار A / RES /  47/237  ممّا يعكس الأهمية التي يوليها المجتمع الدولي للأسر تحقيقاً لزيادة الوعي بالدور الذي تضطلع به السياسات المعنية بالأسرة في تعزيز الصحة النفسية والعامة والمعرفة بالعمليات الاجتماعية والاقتصادية المؤثرة فيها بما يضمن مستقبلاً مستداماً.

وبمقدور الوالدين تحسين صحة الأطفال من خلال توفير الدعم المعنوي وضمان حصولهم على الرعاية الصحية الوقائية، بما في ذلك التطعيم في الوقت المناسب والحصول على العلاجات اللازمة والمناسبة في أوقات المرض. وقد صادف احتفال هذا العام أن تكون معظم الأسر باقية في مقارّها تجنباً للإصابة بفيروس كورونا المستجد الذي اجتاح معظم دول العالم ممّا ضاعف المسؤولية على الأسر، فهي تأوي أفرادها وتحميهم من الأذى، وترعى الأطفال في وقت إغلاقها، كما أنها في نفس الوقت تواصل أداء مسؤوليات العمل وكسب العيش.

ففي الاحتفال بهذه المناسبة لابد من ضرورة النظرة العادلة للأسر في مختلف بقاع الأرض إذ منها الضعيفة ومنها الفقيرة ومنها من تفتقد لمن يكفلها ويوفر لها سبل العيش والسكن المناسب، وبعدئذٍ يعمل الجميع في تعاون تام ويأخذ الناجي منّا بيد أخيه وفي ذلك استنهاض للهمم من أجل خلق أسرة إنسانية مستقرّة، مع ضرورة التوازن في أسباب العيش بين الناس بما يوفر الحد الأدنى للاستقرار من مسكن وعمل يحقق عائداً يضمن توفير الضروريات اللازمة اليومية التي تحتاجها الأسرة، فضلاً عن مراعاة المساواة بين النساء والرجال في الحقوق والواجبات وفق المعايير الدولية لحقوق الإنسان دون أن يهيمن طرف على الآخر، وكذلك لابد من نزع فتيل كل ما من شأنه زعزعة الاستقرار الأسري من فقر أو جهل أو خلاف ذلك من نزاعات أو صراعات يكون ثمنها زعزعة الاستقرار وحرمان الأطفال من حقهم في التعليم والصحة، وخلق بدائل تضمن حياة آمنة لهؤلاء الأسر يعمل الكل من أجل توفيرها حتى تواصل الأسر في رسالتها الإنسانية تجاه أفرادها.

معهد جنيف لحقوق الإنسان وتحقيقاً لرسالته التي تثمّن كل دعوة غايتها أن يعيش الإنسان في أي شبر من بقاع الكون في أمن وسلام، يتطلّع من خلال احتفاله بمناسبة اليوم العالمي للأسر أن تتوفر كافة المقومات التي تجعل الأسر الإنسانية في استقرار وسعادة، تضمن حياة طيبة لمخلوق اصطفاه خالقه وميزه على سائر مخلوقاته، ولا يُخفي المعهد مطالبه بتقنين أيّ ممارسة إنسانية لا سيما العلاقة الزوجية التي تمثّل اللبنة الأولى لتكوين الأسرة، ففي قانونيتها ضمان لخلق أسرة مستقرّة قوامها المودة والرحمة . ومن خلال هذه المنصة يرفع المعهد صوته منادياً بأن يعمل الجميع من أجل المحافظة على الأسر متماسكة تؤدي رسالتها في تعزيز وحماية حقوق الإنسان لجميع أفرادها، ويناشد معهد جنيف لحقوق الإنسان الدول التي تعاني فيها بعض الأسر من الحرمان الاجتماعي سواء من التشرّد أو أسباب الزعزعة من حروبات أو نزاعات ضحيتها الأطفال أو الشباب أن تنظر للمستقبل الذي يمثله شباب وأطفال اليوم ولا تتسبّب في إخراج نفسها من نصيبها فيه. ويدعو  معهد جنيف لحقوق الإنسان الدول والامم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى الأخذ في الاعتبار دور الأسرة في الجهود الرامية لتنفيذ أهداف التنمية المستدامة 2030، كما يشدّد معهد جنيف لحقوق الإنسان على ضرورة التعامل العلمي مع جائحة كورونا عبر الإرشادات الأسرية وفق متطلبات الصحة العالمية، حتى نضمن لأفراد الأسر الصحة والعافية بما يحقق الأمن والاستقرار للمجتمع بأسره وفي ذلك تأمين للإنسان الذي تتوقف على أمنه وسلامته التنمية المستدامة. 

جنيف 15 مايو 2020م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق