
حسناء الفايكنج
كوبنهاغن
د. محمد بدوي مصطفى
قبل عدّة أعوام دُعيت لتقديم محاضرة في واشنطن دي سي بعنوان: “لماذا أحبّ الشاعر الألماني جوته التراث العربيّ!” وقلت في نفسي لابد أن أستعيد ذكرى أيام الدراسة بمدينة ليون بفرنسا وأزور مجددا مدينة كوبنهاغن، وكان كذلك، لكني لم أنم الليلة بها وفضلت أن أعبر البحر وأستقل الفرصة إلى الصباح موعد طائرتي وأقضي الليلة في مدينة مالو السويديّة المطلّة عليها من الجانب الآخر من بحر الشمال. عدت الصبح مجددا إلى مدينة كوبنهاجن واندهشت بطلب شركة الطيران لفيزا الإستا الجديدة التي لم أكن أعلم بها بما أنني أحمل جوازا أوروبيّا. على كل حال ضاعت سفرتي إلى أمريكا فرجعت أدراجي إلى مدينة زيورخ وقضيت الليلة مع صديقي المحامي طارق عبوش وأعدت الكرّة بسفرية جديدة وسدد الله الخطى وطرت إلى بلاد (الفرص اللامحدودة) كما يسميها الألمان. وانطبعت في دخيلتي ذاكرة المدينة بحادثتين الأولى عندما أتيت من فرنسا وأنا في طريقي إلى النرويج والمرّة الثانية مع قصة السفرة التي لم تكتمل.
عادوت الكرّة في عام ٢٠١٦ مع أسرتي لأقضي بالدنمارك إجازتي. وهنا بدأت رحلتي مع المدينة كما ينبغي.
كوبنهاغن عاصمة الدنمارك وأكثر مدنها المكتظة بالسّكان وتعتبر مركزا اقتصاديا، سياسيا وثقافيا هاما. يبلغ عدد السّكان في هذه العاصمة حوالي نصف مليون نسمة وعندما نقارنها بالمدن العربية مثل القاهرة أو الخرطوم نستطيع تصور المشهد. تأسست المدينة على أيدي الفايكنغ في غضون القرن العاشر وكانت وقتئذ قرية صغيرة تُعنى بصيد الأسماك وبعد خمسة قرون صارت عاصمة الدنمارك. سحرها كعفراء خجلة مطلة على البحر وامتدادها بين جزيرتين متقاربتين يضفي عليها سحرا وتميزا لا يوصف. فيقع شطرها الغربيّ وهو الأكبر مساحة على الساحل الشرقيّ لجزيرة زيلاند، أما الشطر الأصغر من هذه العاصمة يشرئب مقابلا جزيرة أماغر. تمتاز العاصمة الدنماركية ببنائها الأثريّ الجميل وتنبثق من جنباتها البيوت التي تشهد لها بإرث تليد وعراقة وتمدّن.
يرجع اسم المدينة “كوبنهاغن” إلى وحدة معجميّة ألمانيّة مركبة من كلمتين: “كوبن”، “كاوفمان ” تعني تجّار؛ و “هافن” وتعني مرفأ، فهي كما كانت قديما مرفأ لأهل التجارة والتسوّق.
لم تلعب هذه القرية الصغيرة عند نشأتها ولغاية القرن الثاني الميلادي دورا هاما في الحياة التجارية داخل أوروبا وبدأت أهميتها تزداد رويدا رويدا عندما أُنشِأ بها ميناء ذلك في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي. وبدأت منذ هذه الحقبة في التوسع والازدهار بسبب ازدهار التجارة وبلغت أوج ألقها وثروتها في عام منتصف القرن الخامس عشر (١٤٤٣) عندما توّجت عاصمة للبلد.
شهدت المدينة صراعات عديدة وحروب ضروس امتدت بين منتصف القرن الثالث (١٢٥٠) عشر ولغاية بدايات القرن التاسع عشر (١٨١٠). جاءت هذه الحروب على الأخضر واليابس ودمّرت المدينة أشنع دمار لكن كوبنهاغن بصمودها القويم وعزيمة أهلها الصلدة تجاوزت هذه الحقبة العصيبة وبدأت تنتعش مجددا في أواخر القرن التاسع عشر عندما تحوّلت “قرنئذ” إلى مركز تجاري، اقتصادي وسياسي يشار إليه بالبنان. وحتم ذاك التطور المضطرد ودعا إلى تحديث الميناء في عام ١٨٧٤ليواكب حركة التجارة الغنيّة بالبلد.
كوبنهاغن تحوي عددا هائلا من القِبل السياحيّة الجديرة بالزيارة، منها المرفأ والكورنيش الداخلي لبعض الأنهر وحديقة تيڤولي التي تقدم العديد من المواد الترفيهيّة مثل عروض الباليه وركوب الخيل والحفلات الموسيقية الكلاسيكية وكونسرتات الروك والموسيقى المعاصرة كما نجد فيها معلم بارز آخر، ألا وهو تمثال حوريّة البحر الصغيرة المشهور في كل أنحاء العالم. من أجمل الأشياء التي لفتت نظري في هذا الجمال المتناسق والإبداع الخلّاق هي المخابز الدنماركية ومحال بيع الحلويات التي تزدان بألقها الشوارع والطرق. فيعرف عن الدنمارك خاصة وبلاد الشمال عامة حبهم للخبز الأسود التي تتجلى في زخم أنواعه واشكالها وخامتها المختلفة والمتباينة صنفا وحجما. فالشعوب الأوروبيّة عموما تفضل الخبز الأسود لأسباب غذائية وصحيّة كثيرة ويعزفون عن تناول الخبز الأبيض المحبب في الوطن العربي عموما.
هذه المدينة الساحرة بأهلها وآثارها جديرة بالزيارة. كوبنهاغن، مدينة الفايكنج تمثل أمام كل زائر كحسناء في أجمل حلّة.


