ثقافة وفن

في الهدف

الأديب الطيب السراجي مفتاح المعرفة (1)

أبوبكر عابدين

شكري وتقديري لصديقي ورفيقي واستاذي د. خالد محمد الحسن الحسين شاع الدين الذي احب العربية وروج لهذه المادة عن اديب السودان نادر المثال الطيب السراجي وهو جدي لوالدتي ، وجاءت المادة اعلاها في كتاب سطره ابنه الراحل د. حديد السراج ، واجد نفسي مقصرا في تدوين ما سمعته عنه من والدتي فاطمة الطيب السراج(رحمها الله وغفر لها) عن حياته والاساطير التي تروى عنه الصحيح منها وغير الصحيح وعن حياته الخاصة بالمنزل ووسط العائلة السراجية وعن اصل علاقته بال المهدي عموما والامام الصادق المهدي واسرته الصغيرة  خصوصا ، وكذا علاقاته  وذكرياته في مجمع اللغة العربية بمصر اواخر اربعينيات القرن الماضي ، ثم علاقته بالأديب محمد عبدالقادر كرف وطرفة نادي المريخ ثم المفاجأة عن علاقة الشيخ الطيب السراج بخالد عبدالله اول رئيس لنادي المريخ وكذا برئيس رؤساء المربخ بشير حسن بشير تلكم العلاقة الاسرية التي لم يطلع عليها احد ، وكذا قصص وروايات مقتله الغامض واعاهدكم بالكتابة في كل ذلك قريبا بإذن الله.

الشيخ الطيب السراج (1893م- 1963م)

هو الطيب (الملقب بزكي) بن عبد المجيد (الشهير برفعت) بن محمد السراج بن مصطفى بن حسن السراج، ينتسب إلى محمد السراج من أشراف مكة وكان يتعهد بإنارة الحرم المكي أثناء الحج بالأسرجة.

ولد بأم درمان ودخل للخلوة ثم المدرسة الأولية ثم المدرسة الوسطى (مدرسة أم درمان الأميرية الابتدائية) التي تخرج منها في 1910م، وواصل تثقيفه الذاتي، وبعد تخرجه من المدرسة الوسطى التحق بخدمة الحكومة كاتبا بالإنجليزية بمصلحة الأشغال، ثم التحق بالجيش البريطاني مترجما، ثم انتقل إلى إدارة السكة حديد في قسم المحاسبين بمدينة عطبرة مقر رئاسة السكة حديد، ثم انتقل إلى مصلحة الوابورات بالخرطوم بحري وظل فيها إلى استقالته في 1946م إثر خلاف حاد مع الإداريين البريطانيين إبان اشتداد أوار الحركة الوطنية في السودان.

ظهر الشيخ الطيب السراج لأول مرة على مسرح الحياة الأدبية في السودان خلال النصف الأول من عشرينات القرن الماضي ـ العشرين ـ في مدينة عطبرة حيث كان يعمل بحسابات مصلحة السكة الحديد وكان وقتئذٍ شابا في العشرينات من عمره.

قدمه على مسرح النادي المصري بعطبرة (اللواء) محمد فاضل (باشا) قائد كتيبة السكة الحديد وكان إذ ذاك شاعر الجيش المصري بعد حافظ إبراهيم.

وكان محمد فاضل يزدلف إليه الشعراء الشباب يعرضون عليه نتاجهم الشعري بقصد تقويمه وإبداء الرأي فيه.

هكذا اجتذب الشاعر الشاب الطيب السراج إليه الأنظار شاعرا مجيدا متمكنا من العربية وعلومها نحوا وصرفا وبلاغة ولغة يغوص في أعماقها ومنقّبا عن دررها الغوالي وأساليبها البديعة فهي لغة القرآن وهي لغة أهل الجنة.

ال عن نفسه: “هكذا خُلقتُ لا أستطيع أن أغير إهابي”.

١) عن اللغة القرآنية التي أحبها شيخنا “الطيب عبد المجيد السراجِّي” كتب أبو سليمان الخطابي (حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب- 388هـ) وهو يتحدث عن لغة القرآن:

“إن أجناس الكلام مختلفة، ومراتبها في نسبة التبيان متفاوتة، ودرجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية، فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز المطلق الرسل، وهذه أقسام الكلام الفاضل، فالقسم الأول أعلى طبقة الكلام وأرفعه، والقسم الثاني أوسطه وأقصده، والقسم الثالث أدناه وأقربه، فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة، وأخذت من كل نوع من أنواعها شُعبة، فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة، وهما على انفراد في نعوتهما كالمتضادين، لأن العذوبة نتاج السهولة، والجزالة والمتانة في الكلام تعالجان نوعا من الوعورة فكأن اجتماع الأمرين في نظمه ـ مع نبو كل واحد منهما على الآخر ـ فضيلة خُص بها القرآن”.

٢) ولد في أواخر القرن التاسع عشر (1893م أو 1888م) ورحل عام (1963م)، ونستدل من تاريخ ميلاده الذي ثبّته الشاعر “محمد المهدي المجذوب” في رثائه له بالبيت الشِعري:

خمسٌ وسبعون لم تفرَحْ بمُبتَهِجٍ * بما فعلتَ ولمْ تَظفَرْ بِمُعتَصِمِ

درس الخلوة ثم الأولية فالابتدائية، وعمل كاتبا ومُترجما للبريطانيين الذين حكموا السودان وانكَبَّ على قراءة تُراث شكسبير. استقال من العمل عام 1946م وعمل محاسبا بسكك حديد السودان وعمل أيضا في مصلحة الوابورات.

هاجر إلى مكة المكرمة وعمل مدرسا بمدرسة الفلاح الثانوية.  وهب حياته للنهل من تراث اللغة العربية وآدابها وأشعارها، بل اختار حياة الفروسية العربية نهج حياة وصارت مسلكه اليومي طبعا وتطبعا. يرتدي اللباس العربي بقبائه الفضفاض، ويعتمر العمامة الخضراء ويركب فرسه متجولا في طرقات أم درمان القديمة. نحن في أمسّ الحاجة للوفاء للشيخ “الطيب عبد المجيد السراجِّي”، سادن اللغة القرآنية وعاشقها الولهان. كان متفردا في محبته العربية لغة وأشعار.

تلك اللغة التي تأثرت بها العديد من اللغات كالتركية والفارسية والأمازيغية والكردية والأُردية والماليزية والإندونيسية والألبانية وبعض اللغات الإفريقية الأخرى مثل الهاوسا والسواحيلية. أحب “” كلاسيكيات الشعر والآداب العربية، وقد شغفته حبا، فتعلمها كدحا بلا مُعلم، وصعد من القريب السهل إلى المُطلق الرسل وعرّج سماوات الرصين الجزل.

وهنا كان كهفه الذي يتعبد في مغاراته.

دلف للحياة العربية القديمة وتجول في باديتها، واكتسب ثقافتها مسلكاً ولغةً.

اكتنز محبة عميقة للثقافة العربية في قلبه ووهب حياته لتلك الثقافة، آدابها وأشعارها.

أحب حياة البادية العربية الطلقة في سالف عصرها وتقمصها في مسلكه، وفي معاشه، بل أقام جسورا عبرت منها لغته المتداولة إلى العربية الفصحى.

كان محبا للحياة العربية في زمانها القديم، سليقتها وصفاءها ورونق جرسها من سلاسة، وبساطة ورقة وجزالة وغرابة ووعورة واستحياش. هاجر مثل كل المحبين من اللغة التقريرية المباشرة في سنوات الدراسة الأولى إلى سباحة أعماق بحورها في مُقبِل أيامه، فكان من الناهلين من ذاك النبع، قرآني المرجع، بهي اللغة، رصين الشعر، فصيح اللسان، اغتسل من تصحيف لكنة الأعاجم، فنطق الحرف فصيحا قرشيا مُستطابا. زامل أبا شرف “محمد عمر إدريس”، “خليفة عباس”، “محمد عثمان عبد الرحيم”، “حسن مدثر. راسل علماء اللغة وقد اعترف له “انستاس الكرملي”، كما راسل “عبد القادر المغربي”، و”النشاشيبي” و”الشنقيطي”.  قال عنه “عباس محمود العقاد”: (إن الطيب بحرٌ متلاطم الأمواج).

كان فريدا مختلفا عن أبناء جيله، فقد درس ووهب حياته للنهل من العلوم والحديث عنها.

غلبته الثقافة الشفهية فكانت هي حياته، تماما كالبُداة في التاريخ القديم، مثلما كانت حياة اللاحقين من سدنة العربية من أمثال الأستاذ “عبد القادر كرف” أو الأستاذ “الجعيلي” أو البروفيسور “عبد الله الطيب”، حتى أن الأخير كادت ثقافته الشفهية أن تذهب بالكثير من كنوزه الثقافية لولا البرامج الإذاعية والتلفزيونية المُسجلة.

لم تكن للشيخ “الطيب السراجي” كتب مدونة إلا بعض أشعار باللغة الإنجليزية وكتابات متفرقة، فهنالك دون شك مخطوطات خطها الشيخ، وحفظتها مكتبته ومكتبة خلصاء أبنائه، فقد امتشق حسامه ابنه الراحل “فرّاج الطيب” وسلك مسلكه، السهمُ مكان السهم حتى تكسرت النصال على النصال.

أحب مثل والده العربية لغة وشعرا، وسجلت له الإذاعة السودانية برنامجا شهيرا هو “لسان العرب” الذي ابتناه على الأثر، وحاول فيه تصحيح الأخطاء الشائعة في اللغة العربية المتداولة بالتحوير وبالتبديل وبالتصحيف.

وصحح الكثير من الأغلاط والأخطاء، وهي طبيعية لازمتْ تنقل اللغة العربية عبر الدول والقارات والشعوب والثقافات وتلونت بألوان البيئة، لو لا مناهج اللغة الفصيحة التي قاومت، إلى أن صارت لغة الدرس ومرجعية القواعد والنحو والصرف، ومضابط الشعر.

سافر الشيخ لمصر في أوائل العام 1948م، وبقي هناك حتَّى عام 1950م، وكان لديه أمل في الانتماء لعضوية مجمع اللغة العربية في القاهرة، ولم يوفق إذ ليس لديه كتب منشورة، وجلس إلى بعض أدباء مصر واستاء كثيرا من حب بعضهم الإطراء، وساءتهم صراحته، وساءه منهم أنهم سألوه: أمِن “الكويت” هو أم مِن “البحرين”!، وتعجب سيدنا كيف لا تستقيم معرفة العربية بأن يكون المتفقه فيها “سودانيا”!، فرجع إلى وطنه.

قال عنه الأستاذ “محجوب عمر باشري”: (لم ينظر “الطيب” للشعر بمنظار اللغة والفصاحة كما اعتقد الكثيرون، بل نظر إليه بمنظار الخيال والرؤى والصور والإيقاع والكلمة المناسبة).

عرض عليه الصاغ “صلاح سالم” أن يكون مديرا لإذاعة “صوت العرب” في القاهرة عام 1954م، فلم يقبل العرض.

كان الشيخ شديد الاعتداد بفصاحته وعمق دراسته اللغة العربية، حتى أنه جاهر بأن لا أحد يتفوق عليه في معرفتها.

٣) كتب عنه صديقه الأستاذ “خضر حمد” في مذكراته:

عرفنا الأستاذ “الطيب السراج” منذ عهد الدراسة، فقد كنا نزوره أحيانا ونحن في السنة النهائية من كلية “غردون” واستمرت العلاقة بيننا تقوى حينا وتفتر حينا، خصوصا وأن بعضنا قد أبعدتهم ظروف العمل عن العاصمة ولكن عندما تجود الظروف باجتماعنا في أم درمان لا تكاد تنقطع عن داره أو ينقطع عن دورنا وكانت مجالسه مجالس أدب وعلم وفضل لا يعرف العبث ولا يريد أن يضيع لحظة من لحظات الحياة في غير علم أو تعلم.

وأكثر وقت قضيناه معا كان في سني الحرب فالثورة على الإنجليز والشماتة فيهم وتتبع أخبار الحرب والوقوف إلى جانب النازية وقلة وجود المذياع إلا عند أفراد.

كل هذه كانت من الأسباب التي وثقت من أواصر الصلة.

والطيب السراجي لا يعيش إلا في الأدب القديم والتاريخ القديم والشعر القديم ولا يتأثر إلا بكل ما هو قديم فأحببنا العربية وذهبنا في تتبع أخبار العرب ومسيرهم وتاريخهم وشعرهم.

ومجالس الشيخ الطيب كانت مجالس علم بحق فهو لا يترك شاردة ولا واردة وإذا تحدث تدفق وانحدر كالسيل فهو لا يعرف أين يقف، بل لا يريد أن يقف ويقول ما دام هناك علم وما دام هناك طريق إلى هذا العلم ورغبة في الحصول عليه فلماذا لا نسترسل فيه والحديث ذو شجون؟

لا شك في أننا أفدنا كثيرا وما من لحظة تمر إلا انتفعنا منها سواء في التاريخ أو اللغة أو السيرة، وقطعنا الشهور العديدة ونحن لا نقرأ إلا القديم ولا يلذ لنا إلا العويص من اللغة حتى حاولنا أن نحفظ أراجيز العرب ونتغنى بأراجيز رؤية العجاج، ثم سرنا نحاول قراءة “المفضّليات” التي يقول الأستاذ أنها ما زالت بكرا وأن عالما لم يجرؤ على محاولة تفسيرها وأن ما فعله الأستاذ هارون وزميله إنما كان خداعا فقد قاما بشرح السهل المعروف وتجاوزا الصعب.

وذهبت إلى مصر ثم جاء الأستاذ “السراجي” وحاولنا أن نقدمه إلى رجال المجمع اللغوي وأن ندخله عضوا يمثل السودان وكتبت مذكرة ضافية عن الأستاذ وقدمتها للمجمع وباسم النادي السوداني، وذهبت يوما ومعي الأستاذ الكبير “توفيق أحمد البكري” لنقابل الأستاذ “أحمد أمين” وكان مديرا للإدارة الثقافية بالمجمع وتحدثنا معه في شأن الشيخ الطيب وكم أدهشنا وسرنا قول الأستاذ “أحمد أمين” لقد قال أنه رجل نادر لو لم أره ما كنت أصدق ما عرفته عنه أنه من النوع الذي يحمل علمه بين ثنايا ضلوعه لا يرجع إلى مرجع ولا يستشير موسوعة، ثم أخذ يطنب في مدحه والثناء عليه وتقويم علمه ولكنه أظهر أسفه لأنه لا مجال لقبول الأستاذ عضوا في المجمع لأن العضو تقدمه للمجمع مؤلفاته فهو لا يسأل ولا يمتحن وكما علمت فإنه ليس للأستاذ مؤلف أو مؤلفات تقدمه للأعضاء، ولكن يجب الانتفاع بهذا الرجل النادر المثال.

والتمسنا رابطة الشعراء أو الأدباء التي كان يرأسها الأستاذ “الدسوقي أباظه” وهيأ له الأستاذ “كامل كيلاني” اجتماعا مع “دسوقي باشا” وتلامذته ولكن الأستاذ صُدم منهم من أول لحظة لأنهم سألوه هل هو من “الكويت” أو “البحرين” فلم يعجبه السؤال واستنكر عليهم أن ينسبوه إلى بلد غير السودان ثم انصرف عنهم إلى الحديث مع “كامل كيلاني”.

يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق