سلايدرسياسة

مجدداً … سقط الفكر الإنساني في مستنقع السؤال

الحاجة ماسة لقراءة جديدة تكشف القوى المسيطرة على حركية التاريخ

مصطفى يوسف

عندما سقط الاتحاد السوفيتي في 26 ديسمبر1991م، وُوجِه العالم بالسؤال الصادم الأهم، هل سقطت النظرية الشيوعية ام تفككت القوميات؟ ويبدو أن السؤال، الذي تنسحب مكونات نتاجه لتسم حركة الفكر الإنساني في القرن العشرين، ولاتزال، يكتسب مشروعية وجوده حتى الآن، في ظل تمسك كوريا الشمالية، كوبا والصين بذات النظرية!! هذا هو التحدي الذي لم يجد من يتصدى للإجابة عليه حتى الآن.

أسس هذا السقوط المخطط له بعناية وبجهود مرسومة مقصودة لبروز النظام الأحادي الدولي، الذي سيطر على مجريات السياسة الدولية واخضع الحياة الاقتصادية، العسكرية والعلمية في العالم لتوجهات معروفة، وقادها نحو غاياته، لكن المراقب عن كثب لمجريات هذه السياسة يدرك بروز جهود نجحت في التأسيس للثنائية القطبية، أو تعددية الأطراف، الأمر الذي يمكن ان يعيد التوازن ولو بعد حين لهذا النظام، ويعمل على استعدال صورته الشائهة. 

ربما احتمى الكثيرون، من فلاسفة ومفكرين ومنظرين، ومعنيين بالتصدي لوضع نقاط الوضوح باستمرار على كل كلمات الإبهام وحل المعضلات التي تواجه البشرية، بهيكيلة ماصاغه وكتبه الفيلسوف الأمريكي ميشيل فوكوياما في مؤلفه (نهاية التاريخ والإنسان الأخير)، الصادر في 1989م، والذي اعتبر أن مبادئ الديمقراطية الليبرالية هي القمة التي تُشَكل مرحلة نهاية التطور الأيديولوجي التي وصل إليها الإنسان في حركته الدؤوبة لتنظيم شؤون حياته، ومن ثم فهي الأنسب بقيمها عن الحرية، الفردية، المساواة، السيادة الشعبية، ومبادئ الليبرالية الاقتصادية، كصيغة نهائية للحكومة البشرية. لكن فوكوياما ما لبث ان عاد ليتنصل عن بعض او كل ما ذهب إليه، او يعيد تصحيحه، على نحو يتوافق والمعطيات الجدلية الدولية التي أفرزها واقع الحال، على صعيد الممارسة السياسية، الأمر الذي اعاد وضع عربة الفكر الإنساني مجدداً امام التحدي ذاته!!

ما الذي يدعونني لتقرير هذه الحقيقة والتي تكشف اهم الملامح التي باتت تصبغ حركة الفكر الإنساني وتسمه بالعجز عن سبر أغوار ظواهر واستجلاء غموض أحداث بعينها، بتجميده في قوالب تخدم توجهات ذاتية ضيقة، لا تخدم الهموم بقدر اتساقها مع الخصوص، وهو ما يتبدى من نتاج الصراع الدائر على أكثر من محور، وبآليات متداخلة حد التمويه، يصعب التفريق بينها.

المعروف ان الفكر الانساني ظل محكوما بإفرازات مدرستين في تفسيره النشاط البشري عامة، إحداهما المدرسة النفسية التي تعزو هذا النشاط عامة إلى الدوافع الجنسية، والمدرسة الاقتصادية، التي ترهنه إلى الدوافع الاقتصادية.

منذ أن غزت العالم جائحة كورونا (كوفيد 19)، انتظمت المشهد الدولي نظريات تفسير وتنظير، سياسية/علمية، شابها الانحياز إلى أطر ضيقة والنظر للظاهرة من زوايا المصلحة دون الانحياز للفكر الحر، ومن ثم انحشرت مخرجاتها في دائرة أكثر ضيقاً، وانصبت في غالبها في بوتقة البنى الاستخباراتية، وتدهلزت في ممرات الصيغ الاقتصادية ومؤسسات التمويل الدولية، وكلها باتت توجه وللأسف بوصلة الحياة في هذا الوقت، بصورة لم تشهدها البشرية، ومن ثم لم تفلح حتى الآن في تقديم (رؤية) حيادية مقنعة تمنطق الجائحة وتضعها ضمن حيثيات يقبلها العقل، وتنفك بها عن هذه السياقات التي أُريد لها ان تجد نفسها فيها، ودون ان يقع  الإنسان فريسة لمحمولاتها المسممة بإبر التخدير والارغام على الانقياد عنوة، مع سبق الاصرار والترصد صوب وجهة محددة، والشاهد هذه الاتهامات المتبادلة التي لا تزال تندلع في جدلية مميتة بين قطبي القوة في النظام الدولي الجديد، قيد التشكل، والراغبة في الامساك بزمام العالم.

غابت او غيبت عن عمد – لخدمة أجندة معينة- مؤسسات التفكير المعروفة وانزوت رموزها بعيدا، تراقب فقط ولا تقول شيئاً، وتقدمت بعض دوائر البحث العلمي باجتهادات، تضاربت وسقطت في اختبار المصداقية ولم تصمد كثيراً امام الأسئلة المتصاعدة والمتكررة واللاهثة وراء الإجابة، ليتدثر المشهد بذات رداء القرن العشرين، حينما فشلت أنماط وأوجه التفكير الفلسفي عن تفسير والتعاطي مع مسائل اعترضت سبيل الواقع، بتمظهرات مختلفة، ما تسبب في حالة من التوهان في السابق والراهن.

ما من شك ان للجائحة ما بعدها، من صياغات هي الآن قيد البحث والنظر والتشكل، لدى قوى ودوائر تتحكم في مؤشر دينامية الأحداث، وتمسك بخفية قرون العالم ، لتوجهه أنى ارادت، وترسم خارطته بما يروق لها، وليس الهدف هنا التماس مع او رصد المتغيرات التي ستلقي بظلاها على حركتي الاقتصاد والسياسة والتشبيك المتوقع على نحو مغاير للعلاقات بين الأسرة الدولية، ورسمها على نقيض الحالي، إنما الإشارة إلى أننا نجد أنفسنا مجدداً أمام استمرار حالة عدم قدح زناد الفكر بشكل جدي فعّال، والتي باتت تسم الحياة الإنسانية، وتتركها نهبا لافتراضات يا” تصيب، ياتخيب”، دون ان يتنبه أحد لذلك.

نحن محتاجون لقراءة جديدة للتاريخ من منظور يخالف المقولب والجاهز ويتعاطى بحرية، خارج التراكات المعهودة، مع الراهن ليفسره بمنطقية، نلتمس من خلالها معالم الطريق للتعرف إلى القوى الفعلية المتحكمة في حركية التاريخ، تمنحنا وتملكنا الأسس السليمة لفهم ما حولنا.       

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق