الفن التشكيليّثقافة وفن

لحن الحريّة وصوت الابداع

التشكيليّة منى قاسم

إن سألنا الابداع أين يسكن، سيقول في فؤاد المنى، وإذا سألنا الفن أين يقطن يقول بأنامل هذه السيّدة الأيقونة بأرض المنى، وإن حاورنا الألوان أين تهيم ستقول حتما بروح المنى وفي صفحات ألف ليلة وليلة. منذ أول وهلة وأنا أتحدث مع هذه التشكيليّة أحسست أنها متفردة، ثائرة، فخورة وحليمة في العديد من الصفات. ينم عن صوتها هدوء الصوفية الحالم، واستقامة اختيارها للعبارات والتأنّي، تستمع بإنصات في تؤدة وتجلّي وتجيب باقتضاب وحكمة ومرّات بعفوية الطفل الحالم الذي يقبع قلب طاهر في دخيلته، معبّرة أن خير الحديث ما قلّ ودلّ. عرّفني بها البروف مجدي رشيد وجمعنا سويا في بوتقة جمعية أطلقت على نفسها في الأيام الأخيرة اسم الجمعية الألمانيّة السودانيّة للتنميّة والتعاون التي تنطوى على أعلام في شتى الفنون والعلوم. لم يخب ظني عندما حدثني عنها البروف مجدي بأنها رحيمة وكريمة ويمكن أن تساعدنا في لمّ شمل مجموعة من التشكيليين بغرض إعادة بناء مدارس العميدة عزة الريح العيدورس للبنات. وكان كذلك فانبرت لا تلوي على شيء إلا وتنظم، تفكر وتدبر لورشة عمل من أجل تحقيق هذا الهدف النبيل.

ولدت هذه الفنانة حيث يعانق أزرق النيلين أبيضه في محبة وألق وسلام، يحملان خيرات أرضنا الخصيبة وتاريخ الأمم إلى بلاد النوبة العريقة العالقة على شموخ أهرامات مروي، تحملها إلى أرض الحضارة التي خلقت لوحة تسمى المنى بثقافاتها، ومن ثمّة يسيل نهرا واحدا باسم منى النيل الخالد، كما أغنية محمد عبد الوهاب، خالد لأنه مصدر الحياة ومنشأ الابداع والحضارة منذ أن فتحّت الدنيا عينيها على الخليقة بعد نزول آدم من قبب السماء.

علمها التاريخ النوبي الأصيل، الذي ذكره الشيخ حميدو عالم الآثار السنغالي ومن قبله هيرودوت الإغريقي، سمات جليلة، خيّرة ومستنيرة، كالمحبة، الصراحة، الوضوح، الطاعة والاستكانة لقضاء الله وأقداره بإيمان راسخ وعزيمة فولاذية دون انكسار أو دونما خنوع وتذلّل، فهي كالمنى تظل تستمد قوتها من أعلام الحضارة النوبيّة العريقة وتستسقي افتخار وسمو كنداكاتها العوالي، كواحدة منهنّ دون أدنى شكّ:  متمرّدة، ثائرة وضروس ضد الظلم والاضطهاد ذلك منذ نعومة أظافرها لكن بحكمة الأمنيات ووعي الأمسيات وتريث الحكّامات وكأنها خلقت تشكيلية ثائرة منذ أن قال الله لها كوني فكانت!

  تترجم المنى الأحاسيس الدفنية والحدس والمشاعر والأفكار الكثيرة إلى إبداع ملموس تحس فيه كل جرّة ريشة وكل خلطة لون وكل دفقة مداد ذلك دون تكلّف أو “أستذة”. تغطي بأنوثتها البريئة وحلم صباها كل هذا الابداع وتزملّه رويدا رويدا كطفل رضيع ينمو وينشأ مترجما في صورة لوحات تصويريّة نمتطيها حينئذ بصهوة ريشتها الهصور لنطوف أرجاء المعمورة في كل لمحة ونفس، كما الصوفيون في حالات انكشاف الستار. المنى فنانة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان فسوف يأتي يوم ويستمع النيل لصوتها ويحلم ويهدأ ويغضب فيلطم موجه بعضه بعضا ليذكرنا بأننا على قيد الحياة وفوق أرض الحضارات الشامخة منذ ألاف السنين. فيا للمنى أننا ولدنا في هذه الأرض الطاهرة: أرض المنى!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق