
رئيس الوزراء المغربيّ السابق
وانطفأت شمعة الإنسانيّة والنّضال .. معالي عبد الرحمان اليوسفي الراحل المقيم
د. عبد العالي الطاهري
بوفاة المجاهد الكبير والمناضل الوطني الصادق الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، يفقد المغرب والإنسانية جمعاء رجلا من معدن الشرفاء وأهل النبل والعطاء الذين قدموا للمغرب والمغاربة وللشعوب الحرة عطاءً نضالياً لا يقدر بثمن.
وقد عرفت جنازة الوزير الأول الأسبق عبد الرحمان اليوسفي، الجمعة 29 ماي، حضورا أمنيا مكثفا، وذلك تطبيقا لتدابير حالة الطوارئ التي يفرضها المغرب توقياً لانتشار فيروس كورونا.
وُوري جثمان الراحل الكبير عبد الرحمان اليوسفي، والذي وافته المنية صباح يوم الجمعة 29 ماي 2020 عن عمر ناهز 96 سنة، الثرى، ظهر نفس اليوم، بمقبرة الشهداء بالدار البيضاء.
وعبر رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني، عن تعازيه ومواساته لأسرة الراحل عبد الرحمان اليوسفي، الوزير الأول الأسبق، الذي وافته المنية اليوم الجمعة 29 ماي، واصفا الفقيد بالقائد السياسي والوطني.
وقال العثماني في منشور له على حسابه في تويتر، «الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي الذي فقدناه اليوم عن عمر 96 عاما، رجل دولة كبير، يحظى بالاحترام والتقدير، خدم بلاده من مواقع مختلفة وأسهم بشكل كبير في مختلف مراحل التطور السياسي المغربي المعاصر، رحمه الله وغفر له وإنا لله وإنا إليه راجعون».
وقد توافد عدد كبير من السياسيين والحقوقيين إلى المستشفى الذي توفي فيه الزعيم الاتحادي والوزير الأول الأسبق عبد الرحمان اليوسفي، من أجل الترحم عليه.
وكان من بين هذه الشخصيات إدريس جطو رئيس المجلس الأعلى للحسابات، والمثقف الكبير والناشط الحقوقي صلاح الوديع الذي قال «اليوم يفقد المغرب رجلا سياسيا كبيرا، أعطى للمغرب من حياته الخاصة والعامة الشيء الكثير».
فَقَدَ الوطن اليوم برحيل عبد الرحمن اليوسفي رجلا عظيماً مدافعاً عن الدّيمقراطية وتماسكِ المغرب، وجزءا مهمّا من ذاكرته السياسية الحديثة والمعاصرة.
وطيلة حياة مديدة في جبهات النّضال داخل المغرب وخارجه، هي قرن إلاَّ ربعٌ، ارتبط اسم عبد الرحمن اليوسفي بالوزارة الأولى في عهدَي الملكين الحسن الثاني ومحمّد السّادس، ثم بصدعه بـ”لا” في خطاب الخروج عن المنهجية الديمقراطية ببروكسيل، بعدما كان من رموز المعارضة، الذين سبق أن صدر في حقّهم حكم بالإعدام.
ولم يرتبط اسم عبد الرحمن اليوسفي فقط بحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي كان من مؤسسيه، ثمّ بعد ذلك الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بل كان محاميا، ونقيبا للمحامين، ورئيسا لتحرير الجريدة الممنوعة من الصّدور “التحرير”، وتاجر سلاح أسهم في تزويد المقاومة المغربية والجزائرية بما يمكن به مجابهة الاستعمار.
وكان اليوسفي مؤمنا بالاتحاد بين الدّول المغاربية، وتأسّف، في إحدى خرجاته المعدودة في السنوات الأخيرة، من استمرار تخييم الجمود على العلاقات المغاربية، وغلق الحدود مع الجارة الجزائر، مع ما لذلك من عواقب سلبية جدا على تنمية البلدَين.
ورغم اعتزاله السياسة سنوات قليلة بعد مطلع الألفية الثالثة، ظلّ اليوسفي عند جلّ المتابعين وجها مشرقا للعمل السياسي، قال “نعم” عندما رأى أنّ ذلك في مصلحة الوطن، وقال “لا” حين قدَّر أنّ مصلحة الوطن تقتضي قولَها.
وارتبط وصفَا “الأستاذ” و”المجاهد” باسم اليوسفي في كلّ حديث عنه، أو تذكّر له، حتى مِمّن خالفوه الرّأي والتقدير في دخول “تجربة التناوب” منذ بدايتها، أو في تسيير “سفينة الاتحاد”، أو في استئثاره بالصّمت عندما تطلّع العديدون إلى الإنصات لصوت النّضال الذي صقلته التجربة والزّمن.
وظلّت أيقونة التاريخ الحديث للمغرب، التي كانَها الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي، حاضرة في كلّ تناولٍ لتجارب الصِّدام مع الملك الحسن الثاني، وتجربة التّناوب، وفخاخ “جيوب مقاومة التغيير”، وآمال الانتقال. كما سُلِّطَت عليه الأضواء كلّما شارك في لقاء، أو حضره، أو كان موضوعه.
ولم يُوقِّع الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي سيرته الذاتية، ليكشف للمغاربة أسرار “التجربة والآمال المُجهَضة”، ودوافع الصّمت الاختياري، وآماله بعدما خبر المغرب وشعبه وحاكميه؛ بل أفضى ببعض الذّكريات التي وجدت طريقها لمنشورات تحكي نزرا يسيرا عن “ألمٍ مضى وأملٍ بقي حياً وسيبقى ولو بعد رحيل فقيد المغرب والإنسانية الكبير”.
ويرافق الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي الصّمت، الذي اختاره رفيقا، إلى مثواه الأخير، وطوارئُ تدبير الجائحة لا تزال معلنة، ليوارى الثرى رمزٌ من رموز البلاد والأمة المغربية بل والبشرية جمعاء، وسياسيّ شريف ونزيه ونبيل، ومغربيّ ناضل من أجل مغرب أفضل وأوضاع اجتماعية واقتصادية أحسن، تحفظ كرامة المغاربة وهيبة وقيمة المغرب بين الأوطان.
لك الرحمة والمغفرة وجنان الرضوان أبو النضال الوطني وسيدُ التعفُّف ورمزُ النبل الإنساني في أبهى معانيه، خالص العزاء لجلالة الملك محمد السادس وللشعب المغربي ولعائلة فقيد الأمة المغربية والإنسانية جمعاء.




