خارج الحدود

ثلاث دول تصنع مستقبلنا … إيران وتركيا وإسرائيل

حلمي الأسمر

تكتظ المنطقة العربية بكياناتٍ تحمل كل منها تجاوزاً وصف “دولة”، غير أن هناك ثلاثة كيانات يحقّ لها أن تحمل “اللقب” بجدارة، وهي تركيا وإيران، إضافة إلى كيان العدوان “إسرائيل”. وليست المقالة بصدد الانتقاص من قيمة أي كيان خارج هذا الثالوث، غير أن “تعسّف” الكاتب بهذا التقسيم له علاقة بمدى تأثير الثالوث وتأثره وحجمهما في المنطقة، وقدرته على صياغة حاضرها ومستقبلها. في المعيار المطلق، هناك كياناتٌ لديها القابلية لأن تكون تابعة لقوة ما، ولا تقوم لها قائمةٌ إلا إذا اتكأت على غيرها، وهناك كياناتٌ لديها من الإمكانات كي تقوم بذاتها، بل تؤثر في غيرها، وتتدخل في رسم “أقدار” هذا الغير، مع فارقٍ في قدرات كلٍّ منها، لهذا يباح لنا أن نركب هذا المركب الصعب في “التصنيف” لغاياتٍ ستتضح في ثنايا هذه السطور.

المحطة الأولى مع “إسرائيل”، كياناً له نفوذ يفوق حجمه بكثير، فهو وإن كان يعتمد في قوته على منظومة دولية معقدة وعريضة تجعله قادراً على التأثير الكبير في مجمل الإقليم، إلا أنه يتوفر على قوةٍ ذاتيةٍ حقيقيةٍ مكّنته من تسجيل أرقام لافتة في التفوق التقني والعسكري والسياسي، فضلاً عن “ميزة” كبرى، حيازته على “مستودع” هائل من الشر الذي لا يقتصر على كونه رابضاً على صدر الشعب الفلسطيني منذ ما يقرب من القرن، بل لكونه أيضاً مركزاً لتفريخ المافيا وعصابات القتل وتصدير المرتزقة، والعبث باقتصادات كثيرين من سكان الكرة الأرضية، عبر أذرع أخطبوطية قليل منها ظاهر وكثير مختفٍ في سلسلة نشاطات دولية سرّية، يعلمها كل من له علاقة بالتاريخ غير الظاهر وغير المرئي للبشر، خلال القرن الأخير، فهو مركز لصناعة الموت، ما ظهر منه وما بطن. ويجد في هذا دعماً غير محدود من قوى دولية، باعتباره وكيلاً عنها لإنهاك الشرق وإفساد حياة سكانه، وتمييع كياناته، ودعم كل من يبطش بشعبه من منظومة الحكّام، ومدّهم بكل وسائل التقنية الحديثة للسيطرة على مقدّرات البلاد والعباد، وربطهم بأسلاك شائكة من المصالح “المشتركة” تجعل من الصعب على أي “زعيم” من خارج الثالوث إياه، التفكير أو التصرّف خارج “صندوق” الكيان!

الوقفة الثانية مع تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو). هذه الدولة التي كانت قبل نحو عقدين على هامش الحدث الرئيس في المنطقة، غارقة في سلسلة من مغامرات العسكر وتحكّمهم المطلق في مصير الشعب ومقدّراته، عبر سلسلة من الانقلابات العسكرية والطغيان المقونن، مع ما رافق هذا من انهيار اقتصادي وسياسي واجتماعي، وربط “الدولة” بماكينة القوى العظمى المتنفذة، ما أخرج البلاد من دائرة التأثير إلى التأثر. قبل عقدين، كانت البلاد محض “كيان”، شأن الكيانات خارج الثالوث إياه. ولم يكن ذلك الكيان حينذاك على “قائمة الاستهداف” الدولي، والمناكفة الممنهجة، لأنه باختصار كان جزءاً من “منظومتهم”، ولا تأثير لها حقيقياً في صناعة أقدار المنطقة، فما الذي تغير؟ ولم تحوّلت تركيا من كيان داجن مطيع إلى دولةٍ شبه “مارقة”، أو قل متمرّدة على مشيئة صنّاع القرار الدولي؟

السر في هذا هو ما قام به رجلٌ خارقٌ غرّد خارج سرب التبعية، وأحدث ثورة بالمعنى الحقيقي، وتمرّد على ما كتب عليه وعلى أعضاء نادي الرئاسة في منطقتنا، فحجز مقعداً في مقاعد “الثالوث” إياه. وبتحديد أكثر، ليس ما فعله أردوغان من “منكرات” تستدعي “المساءلة” خاصاً فقط بما حققه من نهضةٍ اقتصاديةٍ وعسكريةٍ فقط، بل لأنه، بحسب تعبير أحدهم، أسقط الجمهورية الأتاتوركية تماماً، من غير أن يُحطّم تماثيل أتاتورك، أو يُعلن صراحةً الخروج على مبادئ جمهوريته، لكنه منع عنها الهواء والماء، حتى ماتت، بعد أن جرَّدها شيئاً فشيئاً من كل مضامينها، فتحوّلت من نهج مستبد، أحادي الرؤية، حاكم للواقع، ومتحكّم فيه، إلى مجرّد حقبة تاريخية، وماضٍ يتغنّى به الأتراك. استبدل أردوغان العلمانية الأتاتوركية المعادية للدين بالعلمانية المحايدة، لتقف قوانين الدولة على مسافةٍ واحدةٍ من الأديان، فهو لم يتبنّ منهج الأصولية الإسلامية في الحكم. ولكنه أوقف الكثير من أشكال الاضطهاد والإقصاء التي عانى منها الإسلام تحت وطأة العلمانية الأتاتوركية المناهضة للدين بكل تجلياته، بدءاً من العقيدة، وانتهاءً بالمظاهر السلوكية، مروراً بالشعائر التعبّدية.

أدرك أردوغان أن الإسلام لا يحتاج حكومة تتبنّاه، وقوانين تفرضه، بقدر ما يحتاج نظام حكم عادل، لا يمارس التمييز أو الإقصاء ضده، فألغى تباعاً، وبحذر بالغ، القوانين التي تفرض القيود على الإسلام. لم يغلق بيوت الدعارة، ولكنه سمح بإنشاء المدارس الدينية. لم يُجَرِّم الإلحاد، ولكنه سمح بتحفيظ القرآن، وفتح الباب واسعاً لشتى العلوم والمعارف. لم يفرض الحجاب، ولكن سمح للمحجّبات بدخول المدارس والجامعات.

لقد أطلق أردوغان سراح الدين، ولم يعتقل العلمانية، تاركاً القيم والمبادئ والمعتقدات والأفكار تتفاعل مع المجتمع، حتى عادت روح الإسلام وقيمه ومبادئه تسري في الجسد التركي، وهذا هو جوهر التغيير الثوري، ولكن من دون سفك قطرة دم. وهنا تحديداً تكمن “خطيئة” الرجل، فهو أخرج بلاده من مدار المهيمن عليهم إلى مدار المهيمنين على من سواهم، وهو دور متسامَح معه، بل مطلوبٌ ومحبّبٌ لكيان كإسرائيل، مع كل صلفها الديني وجنونها اليميني، أما حين يتعلق الأمر بدولة “مسلمة” وسنّية أيضاً، فتلك “خطيئة” تستحق العقاب!

أما إيران، فقد كان كاتب هذه السطور من أشدّ المعجبين بثورتها، وشدّ الرحال إليها ثماني مرّات، والتقى عدداً كبيراً من نخبها وبعض قادتها، وظل على هذا النحو إلى أن سهّلت للغزو الأميركي احتلال بغداد، وتغيير معالم الدولة العراقية (فضلاً عن لبنان، واليمن وسورية أيضاً)، وصولاً إلى حل الجيش العراقي، وقد كان أحد أقوى الجيوش العربية، وكان حلّه خسارة فادحة للأمة. وتطوّر الأمر إلى حكاية “تصدير الثورة” وإشعال نعرة المذهبية، وإشاعة الفتن بين المذاهب الإسلامية، وكان هذا الدور محبباً للقوى العظمى. ثم حين اشتد عود إيران، وأضحت قوة إقليمية لا يُستهان بها، وتجاوزت الخط المرسوم، بدأت عملية إخراجها إلى دائرة الدول المارقة، لأنه غير مسموح لدولة فيها إسلام، ولو كان وفق اشتراطاتٍ مذهبية، أن تكون بمثل هذه القوة والاستقلال، تلك قصة تشبه قصة تركيا مع اختلاف في بعض التفاصيل. لم يقف سدنة المشروع الإيراني عند الحد الذي خُطّط له، فتجاوزوه إلى ما هو أخطر من هذا، سعياً إلى إعادة مجد الإمبراطورية الفارسية كما يبدو، فوجب وضع حدّ لهم، كما هو شأن الحصان التركي الجامح!

هذه الدول الحقيقية الثلاث في المنطقة تتنازع فيما بينها، وتتصارع، وما سواها محض ملعبٍ لها، وضحايا، بل بلغ الأمر ببعض هؤلاء أن يجلسوا في مقاعد المتفرّجين، فيما تتقاذف الأقدام رؤوسهم في ملعب يكاد يغرق في الدماء.

ماذا تحمل الأيام القادمة من أقدار؟ ما يرسم بعض خطوط المستقبل متعلقٌ، إلى حد كبير، بمآلات هذا الثالوث، وسيكون لزاماً على من يجلس خارجه أن يختار مع من يكون، وكيف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق