
نحو استراتيجية مدروسة لتطوير الإعلام السوداني (2)
تطرقتُ في الجزء السابق من هذه المقالة إلى بعض مواطن الخلل في الناحية الإدارية للمؤسسات الإعلامية في حالتها الراهنة، وأكملُ بقية العناصر هنا.
على الصعيد الاجتماعي: النظرة الشعبية السالبة إلى وسائل الإعلام باعتبارها كانت أبواق للنظام المخلوع؛ وأصابع الاتهام الموجهة إلى الإعلاميين وغيرهم من المهنيين العاملين في الحقل الإعلامي بأنهم كانوا مطبلين للنظام البائد؛ وكذلك النظرة السائدة بأن وسائل الإعلام تهمل قضايا الأطراف، ولا تعبر عن مشكلات واهتمامات مواطنيها، ولا تعبّر عن لغاتهم أو ثقافاتهم.. إلخ؛ وعدم اضطلاع وسائل الإعلام بدور تثقيفي وتوعوي للجماهير، واتصافها بالجمود وعدم الابتكار أو المبادأة، بل يعتقد الجمهور بأن مستوى البرامج تقليدي ومتكرر وممل، مما جعل وسائل الإعلام طاردة للجمهور، وبالتالي تتناقص أعداد مشاهديها بشكل مضطرد؛ والحاجة إلى إجراء دراسات متعمقة للديموغرافية السكانية، وفهم الطبيعة الحقيقية للمكونات المختلفة للشعب السوداني عبر بحوث أنثروبولوجية اجتماعية، والاستفادة من النتائج في وضع السياسات الإعلامية التي تدعم المسيرة التنموية الشاملة للبلاد.
على الصعيد القانوني: ضرورة مراجعة ومعالجة العلاقة الشائكة والمغلوطة بين هيئة الإذاعة والتلفزيون ووزارة الثقافة والإعلام وغيرهما من الجهات ذات الصلة، وذلك في إطار الخطة الاستراتيجية لتنظيم العمل الإعلامي؛ وضرورة إجراء مراجعة جذرية لكافة القوانين واللوائح ذات الصلة بالمهن الإعلامية، ويشمل ذلك تنظيم دور وعمل النقابات والاتحادات المهنية.. إلخ. علاوة على تضمين روح تلك المراجعات، وبالشكل اللائق قانونيا، في الدستور الدائم للبلاد، مع الحرص على وضع معايير وضوابط صارمة تحول دون العبث أو التلاعب أو تعرّض تلك المواد الدستورية للتعديل حسب الأهواء السياسية لأي نظام حاكم، إضافة إلى مراعاة أن تتسق تلك المواد الدستورية ذات الصلة، وكافة القوانين واللوائح المتفرعة عنها مع العهود والمواثيق والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وبصفة خاصة ما يتصل بالحريات ومكافحة العنصرية وحماية الحقوق اللغوية والثقافية للشعوب الأصيلة؛ وضرورة التواضع على عهد أخلاقي مهني يحظى باعتراف ومصادقة كل الجهات الإعلامية؛ ومراجعة قوانين البراءات والملكية الفكرية وحماية المستهلك والإعلام الإلكتروني وحماية البيانات.. إلخ وتحديثها بما يتواكب مع التطورات القانونية المذكورة أعلاه؛ وتفعيل وتحديث قوانين إنشاء ومراقبة ومحاسبة الجهات الإعلامية الخاصة.
أما العامل الثاني في وضع الاستراتيجية الإعلامية لهذه المرحلة، فيستند إلى تبويب المشكلات إلى آنية ومتوسطة وطويلة الأجل، بغرض تحديد أولويات المعالجات، وخاصة في ظل الوضع الاقتصادي الحرج الذي تشهده البلاد حاليا، ولذا فإن نظرة عقلانية إلى الموارد المالية والبشرية والتقنية اللازمة لتحقيق النجاح ستجعل بالإمكان المفاضلة بين الخيارات، وتحديد الأولويات، ومن ثم تخصيص الموارد المطلوبة باقتصادية فاعلة، ودون الوقوع في هدر الموارد أو التقتير حيث لا ينفع.
أما العامل الثالث والأخير في وضع الاستراتيجية الإعلامية فهو بطبيعة الحال وضع الخطط التنفيذية وتحديد الجداول الزمنية للإنجاز، وإصدار الضوابط والأوامر التنفيذية ذات الصلة، مع الحرص على المتابعة الصارمة والتدقيق في كل المراحل لتحقيق الجودة، وتلافي الهفوات أثناء التنفيذ، علاوة على تصحيح المسار إذا تطلب الأمر، وحتى يكتمل النجاح الذي ينشده تطور هذا الوطن ورفعة مواطنيه.
فكرة مطروحة أتمنى أن تلقى قبولا!




