ثقافة وفن

الدوس هُكْسْلي: ديستوبيا العالم الجديد (2)

طلالْ الناير

في روايةِ (Brave New World) يدونَ هُكْسْلي كلَ مخاوفهِ وهواجسهِ منْ الدولةِ الشموليةِ التي لا تتحكمُ في المواطنينَ وتوجهاتهمْ الفكريةِ فحسبَ؛ بلْ يتعدى الأمرُ إلى أنْ تصبحَ الدولةُ (إلهاً) فتخلقَ البشرُ في مصانعَ ضخمةٍ منْ خلالِ آلاتٍ تشبهُ الفقاساتْ. سجلَ هُكْسْلي  ذعرهُ منْ تصاعدِ نفوذِ العلمِ في الحياةِ للدرجةِ التي تجعلهُ إلها يعبدُ . لقدْ كانَ أحدُ المصابينَ بالـ(تكنوفوبيا) ، فكانَ متوجساً منْ التكنولوجيا التي قالَ عنها (أندرو هيلرْ) إنها «مثلٌ السمكةِ، كلما طالَ بقائها على الرفِ كلما قلتْ الرغبةُ فيها».

مسرحُ الروايةِ كانَ مدينةً ديستوبياوية، وتهكما منْ هُكْسْلي أطلقَ عليها اسمُ يوتوبيا. إنها في الواقعِ مدينةَ لندن في العامِ 2495 بالتقويمِ الغريغوريِ الميلاديِ، أوْ العامِ 632 بالتقويمِ الفورديِ؛ و (فوردْ) المقصودِ هنا هوَ رائدُ صناعةِ السياراتِ الأمريكيِ (هنري فوردْ) الذي أضحى إلها مقدسا في ذلكَ العهدِ، فأصبحَ رباً معبوداً ورمزاً منْ رموزِ الإبداعِ والأيقونةِ الأعلى للقيمِ والمبادئِ. في تلكَ المدينةِ الفاضلةِ كانَ البشرُ تخلقهمْ الدولةُ الشموليةُ وتزرعُ الأفكارُ في أدمغتهمْ، الأفكارُ التي تشاءُ، فهذا كانَ أفضلَ تطبيقٍ للبرنامجِ السياسيِ للدولةِ العالميةِ التي كانَ شعارها مُلَخَصَاً في ثلاثِ كلماتٍ هيَ: (المجتمعُ، التماثلُ، الاستقرارُ).

ومعَ وضعٍ كهذا لمْ يكنْ هناكَ أيُ نزاعٍ عرقيٍ أوْ صراعٍ طبقيٍ أوْ تضادٍ ثقافيٍ يمكنُ حدوثهُ في ذلكَ النظامِ، فالجميعُ هناكَ سواسيةٌ، ولكنَ هذهِ المساواةِ مشروطةً بوجودِ المواطنِ في الطبقةِ التي خلقَ منْ أجلها، وذلكَ المواطنُ لنْ يجدَ السعادةَ إلا معَ الذينَ خلقوا معهُ في نفسِ الطبقةِ، ومنْ خلالِ تدريبِ الأجنةِ يتمُ زرعَ برنامجٍ تدريبيٍ صارمٍ في الدماغِ يسمى (الوعيُ الطبقيُ)! في تلكَ اليوتوبيا قُسِمَ المجتمعَ إلى خمسِ طبقاتٍ هىَ: ألفا وبيتا وجاما ودلتا وإبسيلونْ، ومعيارَ هذا التقسيمِ لا يستندُ إلى خلفياتٍ عرقيةٍ أوْ وضعٍ اقتصاديٍ أوْ تميزٍ ثقافيٍ بقدرِ ما هوَ (تصنيفٌ جينيٌ)؛ فكلُ طبقةٍ يكونُ أعضاؤها مستنسخينَ منْ بويضةٍ واحدةٍ، وهوَ الشيءُ الذي يجعلهمْ متشابهينِ في أشكالهمْ، وتلكَ البويضاتُ يعالجها العلماءُ بحيثُ يكونُ الجنينُ مبرمجا على نوعيةِ التعليمِ الذي يفترضُ أنْ يتلقاهُ! وهذا الحالُ يطابقُ مقولةً هُكْسْلي عنْ الخبرةِ التي قالَ فيها: «الخبرةُ ليستْ ما يحدثُ لكَ، بلْ هىَ الشيءُ الذي تفعلهُ عندما يحصلُ لكَ شيءٌ، إنها تدريسُ ما هوَ قابلٌ للتدريسِ».

شعارُ الدولةِ العالميةِ (المجتمعُ، التماثلُ، الاستقرارُ) منتشرٌ فوقَ كلِ أركانِ المدينةِ الفاضلةِ وذلكَ لتذكيرِ المواطنينَ بأنَ (المجتمعُ) ما هوَ إلا تآلفُ الناسِ وتوافقهمْ لخدمةِ الدولةِ فقطْ، أما (التماثلُ) فيعني أنَ كلَ فردٍ يجبُ أنْ يكونَ مشابها لجميعِ أفرادِ طبقتهِ وألا يحاولَ أنْ يكونَ مختلفا، ولكنْ فعليا فإنَ مواطنَ اليوتوبيا – بعدُ خضوعهِ للتدريبِ والمعالجةِ داخل (الفقاساتْ) – لنْ يكونَ بإمكانهِ القدرةُ على التمايزِ والمغايرةِ، وهوَ ما يقودُ بصورةٍ أتوماتيكيةٍ إلى (الاستقرارُ) الذي هوَ عدمُ محاولةِ تغييرِ بنيةِ الدولةِ التي تعرفُ جيدا ما هوَ الأفضلُ لكلِ مواطنٍ في مجتمعٍ لا يسمحُ بالفردانيةِ. فهناكَ ما يهمُ هوَ السعادةُ وليسَ المعرفةَ، إنها سعادةٌ بدونِ وعيٍ، سعادةٌ بدونِ إرادةٍ، ولمَ الإرادةُ؟ إنهُ عالمٌ ينالُ فيهِ الجميعُ كلُ ما يريدونهُ بدونِ عناءٍ، والدولةُ تقدمَ لمواطنيها عقارٍ (سوما) الذي يجعلهمْ سعداءَ وأسهل انخراطاً في النظامِ الاجتماعيِ الذي يحفزهمْ على احتقارِ كلِ الفنونِ والآدابِ، وفي ذلكَ العهدِ تصبحُ قراءةُ نصوصِ شكسبيرْ منْ المحظوراتِ!

الأجنةِ في الفقاساتِ منْ طبقاتٍ (دلتا وإبسيلونْ) يجري تعليمها على كراهيةِ الزهورِ التي ترتبطُ عندهمْ بتلكَ الصدماتِ الكهربائيةِ القاسيةِ والضجيجِ العالي. ففي الروايةِ يحكي هُكْسْلي عنْ مجموعةٍ منْ طلابِ طبقتيْ (ألفا وبيتا) في زيارةٍ تدريبيةٍ لمصنعِ التبريدِ والتكييفِ؛ حيثُ يصنعُ البشرَ، يستفسرُ أحدُ الطلابِ عنْ سببِ تكييفِ أجنةٍ (دلتا وإبسيلونْ) على كراهيةِ الزهورِ، فيقومُ (السيدُ فوسترْ)، مديرُ المفاقسْ والإعدادُ بشرحِ الأمرِ منْ جانبهِ الاقتصاديِ : «حبُ الزهورِ سيقودهمْ لزياراتٍ متكررةٍ للريفِ والطبيعةِ البكرُ عموما ، وهوَ ما سيقودُ لاستهلاكِ الكثيرِ منْ الوقودِ والمواصلاتِ ، ولكنْ خلالَ زيارتهمْ للريفِ فإنهمْ لنْ يستهلكوا أيُ شيءِ آخرٍ ، حبُ الطبيعةِ لا يحافظُ على استمرارِ عجلةِ الإنتاجِ ودورانِ المصانعِ».

الاستقرار: كلمةُ السرِ في ذلكَ المجتمعِ، وهوَ ما يمكننا ملاحظتهُ منْ خطابٍ للحاكمِ الفورديِ لليوتوبيا (مصطفى موندْ) الذي يقولُ فيهِ: «لا يمكنُ أنْ تكونَ هناكَ حضارةٌ بدونِ استقرارٍ اجتماعيٍ ، ولا يمكنُ للمجتمعِ أنْ يكونَ مستقرا إذا كانَ الناسُ قلقينَ . يجبَ أنْ يدربَ الناسُ على أنْ يكونوا راضينَ بالأمورِ كما هىَ». فالمصانعُ ما هىَإلا رمزيةٌ للماكينةِ الاجتماعيةِ التي يجبُ أنْ تدورَ بواسطةِ أناسٍ مستقرينَ ومطيعين، تروسْ ميكانيكيةً تشدُ بعضها بطريقةٍ لا تسمحُ لمشاعرِ الكراهيةِ أوْ حتى الحبِ أنَ توقفها، وحتى هذهِ المشاعرِ لا يمكنُ وجودها فعلياً بحضورَ المخدرِ المثاليِ (سوما) القادرِ على إزالةِ كلِ ما يمكنُ أنْ يؤثرَ في عجلةِ الإنتاجِ واستقرارِ المجتمعِ؛ فهوَ مخدرٌ لا أعراض جانبيةً لهُ كالكحولِ والمورفين والهيروين والكوكايين أوْ الحشيشِ، مخدرٌ قادرٌ على إزالةِ أعراضِ الاكتئابِ والتعاسةِ، إنهُ أقوى سلاحٍ للدولةِ العالميةِ التي اكتملَ نصرها بالانتصارِ على الشيخوخةِ، دولةٌ حققتْ الفوزَ الساحقَ والنهائيَ على الموتِ نفسهُ!

الروايةَ قدْ تبدو مربكةً للبعضِ، فـ(Brave New World) ليستْ قصةً بالمعنى المألوفِ، فـ هُكْسْلي  يجمعَ فيها المتناقضاتُ في أسطرٍ قليلةٍ مما يجعلُ كتابتها شيئا منْ الغموضِ، الشيءُ الذي جعلهُ محلُ انتقادِ البعضِ خصوصاً منْ بعضِ الذينَ عابوا عليهِ أفكارهُ التي لا تقدمُ بديلاً واضحا لما يقومُ بهدمهِ منْ خلالِ كتاباتهِ بشكلِ مجملٍ، فهوَ لا يرى في السياسةِ إلا فسادا مقززاً، ولا يرى في رجالِ الدينِ إلا مجموعةً منْ المحتالينَ، حتى الروحانيةِ التي اقتربَ منها منْ خلالِ الهندوسيةِ لمْ يجدْ فيها إلا مجردُ تخاطر (Telepathy)، والحيوانويِّة أثارتْ غثيانهُ وتقززهُ، وهوَ بكتاباتهِ قدْ دكَ حصونَ فكرةِ المدينةِ الفاضلةِ القائمةِ على العلمِ والتكنولوجيا، إذنُ ماذا يريدُ هذا الرجلِ؟

لفكِ بعضِ غموضِ رؤيتهِ قامَ أَلْدُوسْ هُكْسْلي بكتابةِ روايةٍ مفسرةٍ أسماها (Brave New World Revisited) في العامِ 1952م وفيها تراجعَ عنْ بعضِ رؤاهُ السوداويةِ وأصبحَ أكثرُ ميلاً إلى روحِ التفاؤلِ. هذهِ الروايةِ كانتْ اعترافا ضمنيا منهُ بخطأِ توقعاتهِ السابقةِ، فالعالمُ الذي نعيشهُ اليومَ أصبحَ أقربُ منْ العالمِ الافتراضيِ الذي تخيلهُ. وعبقريةٌ هُكْسْلي  تظهرَ في أنَ تخيلاتهِ وحدسهُ في ثلاثينياتِ القرنِ العشرينَ قدْ تحققتْ بالفعلِ بعدَ ثمانينَ عاماً؛ وأعني هنا (الاستنساخُ)، وهوَ ما يظهرُ تكاملاً ما بينَ العملِ الروائيِ في مجالِ الخيالِ العلميِ والاكتشافاتِ العلميةِ الحديثةِ المستجدةِ، وعليهِ أصبحَ الخيالُ العلميُ عنصراً مساعداً أساسياً في علمِ المستقبلِ بالرغمِ منْ الاختلافِ البائنِ بينهما في أسلوبِ المعالجةِ والمنهجِ والهدفِ .

لمْ يقدمْ هُكْسْلي نفسهُ مصلحاً اجتماعياً، ولمْ يقدمْ نموذجاً سياسياً أوْ فلسفياً للاقتداءِ بهِ ، فهوَ ينادي بالعودةِ إلى البساطةِ وروحِ الإنسانِ القديمِ الذي لمْ يتشوهْ بواسطةِ الأيديولوجيا والتلوثِ الصناعيِ وجشعِ الرأسمالِ، وهوَ الشيءُ الذي ظهرَ بشكلٍ واضحٍ في آخرٍ روايةٍ كتبها قبلَ وفاتهِ وهىَ (Island) والتي أظهرتْ بعض منْ نهجهِ المتشائلْ، أي الجمع بين التشائم والتفاؤل.

في الفصلِ الأخيرِ منْ روايةٍ (BNWR) يقترحَ هُكْسْلي إجراءاتٍ لأجلِ منعِ تحولِ الديموقراطيةِ لما يشابهُ العالمُ الشموليُ الكابوسيُ الذي تخيلهُ . لمْ يكنْ هُكْسْلي مجنوناً أوْ حالماً، كما إنهُ لمْ يكنْ مصابا بالبارانويا؛ فالمصابُ بجنونِ الارتيابِ، كما يقولُ (وليامْ بورزْ): «هوَ الشخصُ الذي يعلمُ القليلُ عما يجري حولهُ». أَلْدُوسْ هُكْسْلي كانَ يحملُ في أسفارهِ موسوعةَ المعارفِ البريطانيةِ فأدركَ الكثيرَ منْ الماضي، وفي الحاضرِ تنبأَ بكابوسِ المستقبلِ الذي شاهدهُ منْ بعدِ كزرقاء اليمامة حينما رأتْ شجرا يسيرُ .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق