
بروفسير عبد الله التّوم
يهدف هذا المقال الى وضع ثورة ديسمبر ٢٠١٨ السودانية تحت مجهر نظريات الثورة في العالم. بهذا المنحى أنبه القارئ أن هذا المقال لا يٌعني بتاريخ الثورة إذ لم ليحن الوقت لذلك بعد، فالثورة “عملية” تتخمّر وتنفجر ثم تتواصل لفترة طويلة وليست “حدثا” ينتهي بتنصيب نظام الجديد.
لم تكن ثورة ٢٠١٨ هي الأولى من نوعها في تاريخ ما بعد استقلال السودان فقد سبقتها ثورة أكتوبر ١٩٦٤، ثم ثورة أبريل ١٩٨٥، ومن نافلة الحديث نقول ان ما سميت بثورة مايو ما هي إلا انقلاب عسكري بحت. لقد كانت ثورتي أكتوبر وأبريل حضريتين إن لم نقل محصورتين في عاصمة البلاد وكانتا أيضاً ثورتين صفوتين لم تعنيا كثيراً بمشاركة عامة الشعب. جاءت ثورة ديسمبر في حقبة تاريخية مميزة مكنتها من الاستفادة من عوامل داخلية وخارجية لم يكن لها وجود في عامي ١٩٦٤ و١٩٨٥. بيد أن بزوغ العوامل التاريخية الجديدة لم تمنع الثورات الثلاث من الالتقاء في استراتيجية موحدة هامة وهي خيار المنهج السلمي الثورة.
نظريات الثورة العالمية:
تعرف معظم نـظريات الثورة أنه الحراك الشعبي المفاجئ الذي يقود الى تغيير جذري في جميع أوجه المجتمع وقد يجنح الثوار الى النهج السلمي أو الدموي لتقيق أهدافهم. تختلف الثورة هنا عن مثيلاتها في طرق التغيير كحركات الإصلاح والانقلابات العسكرية أو انقلابات داخل القصر الحاكم إذ أن الحالات الثلاثة الأخيرة لا تأتي بتغيير جذري في بنية الدولة ومجتمعها. بعد هذا التعريف المقتضب، دعونا نعرج إلى موقع ثورة ديسمبر في نظريات الثورات العالمية.
تعج كتب العلوم الاجتماعية بعشرات النظريات التي تحاول تفسير الثورات العديدة التي صاحبت تاريخ البشرية، الحديث منه الغابر. يمكننا تقسيم هذه النظريات الي كومتين أم كومين في لهجة أهلي في دافور ولا أنكر تمرد بعض النظريات التي تحرص أن يكون لها رِجلٌ (كراع) في كلا المعسكرين. أولاً هناك كوم نظريات المعسكر العُنفي، وهو الأقدم تاريخياً، والذي يرى أن الثورة لا تتم إلا باستصحاب العنف وسفك الدماء، قليلة كانت أم كثيرة.
إما الكوم الثاني فهو يحوي النظريات “اللا-عُنفية” للثورة، وسوف أستنجد أيضاً بلغة أهل السودان السلسة وأشير إليها “بالثورات السلمية”. تقبع أهمية هذه الكوم في تمثيله نهجاً لثورة ٢٠١٨ السودان ويمكنني أن أصرح بمليء فوهي أن الثورة السودانية قد طورت هذا النمط من الثورات ولابد لنا في المجتمع الأكاديمي أن نستصحب معنا مخرجاتها في المستقبل.
دعوني أتفادي المغالطات الدينية التي تدرج الرسل، موسي وعيسى ومحمداً في عداد الثوار، وأقفز الي العالم الحديث، آخذا مارتن لوثر كنز ومن بعده المهاتما غاندي بانهما البطلان اللذان وضعا اللبنات الأولي للثورات السلمية الحديثة. تطور هذا النمط من الثورات واحدثت قفزة عالمية بمجهود البروفسير جين شارب، الأستاذ بمعهد آينشتاين في الولايات المتحدة الامريكية. نشر شارب عددا من الكتب ولكن تصعد أحد إصداراته ليصبح في مصاب الكتاب المقدس والهادي لجميع ثوار العالم بما فيهم ثوار الربيع العربي وثورة ديسمبر السودانية. ذلك هو الإصدار: “من الدكتاتورية الي الديموقراطية: الإطار المفاهيمي للتحرير”. تصمم هذا الإصدار في عام ١٩٩٣ لدولة تايلند، ميانمار الآن، وترجم لاحقاً الي أكثر من ٣٠ لغة، بما فيها العربية. الغريب أن هذا الكتاب الثوري فشل في إحداث التحول الي الديموقراطية في ميانمار الي اليوم، بالرغم أن الكتاب قد حظي بمباركة الدول الغربية والتي انتزعت حريتها بالدماء وليس بالسلم.
تقول نظرية شارب إن قوة النظام الدكتاتوري ليست متأصلة فيها وإنما تنبع من الطاعة التي يمنحها الشعب للنظام. هذا يعني أن تقويض الدكتاتورية يكمن في سحب الطاعة والتعاون معها. يدعو شارب أن يتم سحب التعاون من النظام القاهر بالنضال السلمي، دون الجنوح الى العنف. يقترح شارب قرابة المئة طريقة للمناهضة السلمية مثل الإضرابات، والمسيرات والعمل البطيء والأغاني والشعر والجداريات وغيرها. وينتهز شارب الفرصة لكي يعلل المسلك السلمي ويضرب به المعسكر العنفي في نفس الوقت. يقول ان الذين يجنحوا لاستعمال العنف كوسيلة التغيير، يرتكبون خطأً مهاجمة الدكتاتورية في المجال الذي تتفوق فيه على الثوار. فللنظام الدكتاتوري جيش قوي ومنظومة شرطية بالإضافة الى أجهزة قمع كثيرة لا تحصي. لهذا يوصي شارب بالتركيز على موضع ضعف النظام وليس مكمن قوته.
ما زال الهتاف “حرية، سلام وعدالة” يرن في أذن كل سوداني وسودانية ويصلح لكلا المعسكرين، السلمي والعنفي. ولكن الشعار “سلمية، سلمية، ضد الحرامية”، والذي ردده الثوار في مختلف بقاع السودان، هو الذي يرسخ موقع ثورة السودان في قلب نظرية شارب. إن تكرار لفظ “سلمية” قد يكون ضرورة للإيقاع اللغوي، ولكنه يعزز نبذ العنف الذي أصبح ديدن المتظاهرين في وجه نظام شرس لن يتورع في قتل شعبه. لقد ظهر جلياً أن البشير وأعوانه لم يحسنوا قراءة تاريخ الثورات في العالم ولم يتعرفوا على تحذير هاليدي، والذي تخصص في دراسات الثورات العالمية. قال هاليدي “لا تغزو الثورة”، وكان يعني أن مقابلة الثورة بالعنف تأجج نارها وتزيد من جذوتها. وهذا هو ما حدث تماماً في ثورة ديسمبر، فكلما أشتد عنف النظام ضد المتظاهرين السلميين، كلما امتلأت بهم الشوارع.
لا تعني الفقرة أعلاه أن ثوار ديسمبر قذ اتبعوا مشروع شارب بحذافيره. نعم لقد تكونت لجان مقاومة شعبية في مختلف بقاع السودان والتزمت كلها بعدم التفاوض مع النظام وهذا يتماشى مع روشتة شارب “ناهض ولا تفاوض”. ظل الفقيد المحامي علي حسنين يركز على عدم التفاوض حتى مماته المفاجئ. يقول شارب أن النظام يفوق الثوار في مجال التفاوض نسبة لخبرته الطويل فيه ولتفوقه في امتلاك الخبراء والاعلام والمستلزمات اللوجستية المتعلقة بالتفاوض. لقد التزم الثوار بوصفة عدم التفاوض بجدية متناهية ويتضح هذا جلياً من الشعار: “كدا بالواضح وما بالدس والليلة تسقط بس”. هذا الشعار يجسد عدم التفاوض والبعد عن قبول أي شرط يريد النظام أن يمليه في مقابل التنازل عن السلطة. ولكن إصرار الثوار على عدم التفاوض لم يصمد أمام تقاطعات الثورة. فعندما تم اعتقال الدكتاتور ونزع سلطته، أصاب الذعر قادة الثروة وانحازوا عن استراتيجية عدم التفاوض. لقد تخوف قادة الثوار من احداث فراغ سياسي وأمني وتكرار التجربة الليبية أو الصومالية في البلاد. ربما يكون هذا أكبر خطأ من قبل قادة الثورة فقد قزمت الثورة وكادت ان تؤدها في مهدها. ظهر هذا ذلك جلياً في تكوين الحكومة والتي تألفت من مجلس سيادي يهمن عليه طاقم ممن كانوا حتى الأمس حماة النظام السابق ومجلس وزراء مدني لا يستطيع الحراك دون مباركة المجلس الأول. كيف لا وقد انتزعت القوات النظامية مقعدين مفصلين في مجلس الوزراء أيضاً وهما وزارتا الدفاع والداخلية. هذه هي حصيلة عدم الانتباه لتحذير شارب وزميله علي حسنين.
لقد أذهلت ثورة سبتمبر العالم بتفادي العنف والتزام الجميع بالشعار “سلمية، سلمية، ضد الحرامية”. ربما ذهل البشير نفسه لسلمية الثورة حيث تفادى هو وأسرته مصير رصفاءه المخلوعين أمثال ساوجسكو والقذافي وعلي عبد الله صالح. ونزيد هنا أن سلمية ثورة سبتمبر تشكل معضلة للمتخصصين في علم الثورات، فكثيرون منهم يعتبرون العنف الثوري جزء لا يتجزأ من التعريف الأكاديمي للثور ة. ونضيف هنا كتاباً أعلاماً آخرين ذهبوا في هذا المنحى مثل كارل ماركس وبرنتون وسامويل هنتنقتن. أما عن السياسيين، فيكفينا قولة ماو سي تونغ الشهيرة: “الثورة ليست حفلة شاي ومن العبث أن تتوقع تقادمها دون عنف”.
مسببات الثورات:
يمثل الربط بين الفقر والثورات اعتقاداً سائداً ولكنه خاطئ. مفهوم أن الفقر يؤدي الى الثورة بالغ في القدم حيث غرد به أرستوتل وبليتو في عهد الحضارات البالية. ذهب قادة السودان أيضا في هذا الطريق فقد هدد الصادق المهدي وتلاه عراب النظام الترابي “بثورة الجياع” في السودان. ذعرت هذه القراءة البشير فهرع لتفادي ثورة الجياع وعرض قراراته الجديدة في فبراير ٢٠١٩ والتي شملت التخلي عن قيادة حزبه الحاكم والوقوف بمسافة واحدة من كل التوجهات السياسية. لم يدر البشير وقتها أنه بذلك قد سبح ضد تيار الثورة، فكما قال ميكافيلي ومن بعده محقق الثورات العالمية، قلادستون: “لا تبادر في الإصلاح وانت في ضعف فهذا يرفع سقوف المطالب في وجهك”، وهذا هو ما اكتشفه فرعون السودان في الأيام التي تلت.
لقد وقع الاعلام السوداني أيضاً في شرك نظرية علاقة الفقر السببية بالثورة. يتضح ذلك من تحليل الاعلام لشرارة الثورة التي انفقعت في مدين عطبرة. وصل طلاب المدارس لشراء وجبة “الغداء” وأصابهم الفزع عندما وجدوا أن سعر الخبز والفلافل، أو الطعمية، قد فاق مقدرتهم الشرائية وقد أدي تظلمهم الى حرق مكاتب الحزب الحاكم. حينها تحدث اعلام السودان عن الجوع وكيف تسبب في اندلاع الثورة وكادوا أن يصنفوا بالحراك على أنه ثورة فلافل. تنبه الثوار على الفور، رافضين نظرية ثورة الجياع فمطلبهم أكثر من ذلك وأسدلوا الستار على نظرية ثورة الجياع بشعارهم الجديد: “لو خليت العيش بلاش، ما عايزنك يا رقاص”. أستنفر ذاكرة القارئ هنا أيضاً للشعار السابق: “حرية، سلام وعدالة”، فالقضية أكبر من الاكل والشراب. لقد أزالت نظريات الثورة الحديثة العلاقة المفترضة بين الفقر واندلاع الثورات. يؤكد الكاتبان أينور وتود انه لو كان الفقر يؤدي الى اشتعال الثورات، لأصبحت الثورة سمة تاريخ البشرية كلها وهذا ما لم تؤكده دراسات الماضي. فالمجتمعات التقليدية تعاني من الفقر المدقع ولكنها لا تثور، بل تبذل قصارى جهدها للحفاظ على تقاليدها، بما فيها النمط الاقتصادي والذي أدي لفقرها.
إن إبعاد الفقر كعامل مهم لإشعال الثورة يفسح المجال لنظرية أخرى وهي توقف التقدم الاقتصادي. بمعنى آخر، إنما يقود الى الثورة ليس الفقر وانما معوقات الثراء الذي تعترض الفرد وتمنع تسلقه سلم الرخاء ولا يحدث هذا إلا بعد بروز شيء من التقدم المادي في المجتمع. وهكذا قال فينفر وبين “إن الرغبة في الثراء هي التي تقود الى الثورة”، ويعضض تود وشايم هذه الرؤية قائلان ان “الثورة تندلع في الحقبة التي تستمتع بتحسن في الوضع الاقتصادي وليس في المجتمعات التي تعيش التردي المضطرد في حياتها المادية. نبع هذا الاستنتاج من حقيقة الثورة الفرنسية (١٧٨٨-١٧٨٩)، والانجليزية (١٦٨٨)، والروسية (١٩١٧)، فجميعها جاءت مسبوقة بفترة الرخاء الذي توقف لسبب ما. يكننا تطبيق هذه النظرية على السودان فقد تحسن الحال بظهور النفط في السودان وسجل الاقتصاد معدلات عالية من النمو. رفع النمو الاقتصادي توقعات السودانيين بمستقبل أكثر رخاءً ولكن تبدل الحال بانفصال الجنوب وذهاب ٧٥٪ من موارد النفط. تبعاً للكاتب ديفز، فيمكن أن نقول ان ثورة ديسمبر نتاج الفجوة التي أحدثها انفصال الجنوب بين توقعات الرخاء من جانب، والواقع الفعلي من جانب آخر.
يؤكد بعض الدارسين دوراً كبيرا للعولمة في اندلاع الثورات لأنها ترفع سقف التوقعات. لقد كانت المجتمعات ولاسيما التقليدية منها معزولة قبل بزوغ العولمة. سَهّلت العولمة الإلمام بإنجازات مختلف دول العالم وأصبح في استطاعة السودانيين مقارنة بلدهم بالبلاد الأخري مثل ماليزيا وكوريا الجنوبية والتي كانت في مستوي تطور السودان قبل حفنة عقود. نضيف الي ذلك أن العولمة قد نبهت الشعب الى حقوقه المهضومة وفضحت النظام بتعرية فساده وسوء إدارته للبلاد. صاحبت العولمة ايضاً ظهور مؤسسات عالمية مثل حقوق الأنسان، المحكمة الجنائية وحقوق الأقليات ومناهضة الفساد. لقد مكنت العولة الاستفادة القصوى من سوداني المهجر، مادياً ومعنوياً بالإضافة الى الاعلام الخارجي المساند للثورة.
تشكل ثورة ديسمبر تحدياً كبيراً لنظريات الثورة في الفكر الماركسي. تشير الافتراضات الماركسية إن الثورة هي نتاج عراك بين الطبقات العمالية والفلاحية ضد الطبقة البرجوازية الحاكمة. أما نجاح الثورة، فهو يقلب المجمع رأساً على عقب حيث تتسلم الطبقات الدنيا قيادة الدولة مع تجريد الطبقات العليا من هيمنتها. وذهب ماركس ولينين أكثر في افتراضهم بذبول الدولة نفسها (تانتر ومدلارسكي). عصفت ثورة ديسمبر بكل هذه الافتراضات حيث جمعت ثورة ديسمبر كل طبقات السودان في بوتقة ثورية واحدة. يمكن هنا أن نقول ان انقسام طرفي ثورة ديسمبر كان رأسياً وليس أفقياً فكلا الطرفين يضمان طبقات عدة، دنيا وعليا. وعنما نجحت الثورة، بقي الحكم في يد الطبقة البرجوازية التي قادت الثورة نفسها. أما الدولة، فلم تنمحي وانما أعيد استنساخها تحت كنف الثورة.
لم تتطرق نظريات الثورة لدور الهتافات، ربما لأنها لم تلعب دوراً هاماً في الثورات العالمية كما الحل في السودان. حقاً لقد صمم ثوار ديسمبر هتافاتهم بحصافة نادرة والمام قوي بالثقافة السودانية. جاءت الهتافات بلغة مبسطة وباللهجة القومية متفادية الكلمات التي نبعت من اللغات الأجنبية مثل الديموقراطية، العلمانية، واللبرالية وغيرها والتي تتطلب قدراً عالياً من التعليم. ولعل هذا هو سبب التكالب على هذه الهتافات في مختلف أنحاء والسوان وبغض النظر عن الفوارق الطبقية والسكنية. ومما زاد في تعميم الهتافات أنها صممت بجرس موسيقي يصلح للإنشاد وإذكاء روح الحماس.
لقد غابت المرأة عن معظم نظريات الثورة لأسباب كثيرة، أهمها أن السياسة ما زالت ذكورية في معظم الدول التي اندلعت فيها ثورات الماضي. أما ثورة السودان، فقد شاركت فيها المرأة كتفا لكتف مع الرجل. معظم مظاهرات مدن السودان تبدأ بزغرودة المرأة والتي أثبتت حضورها أيضاً في نظم الشعر الثوري، في أغاني الحماسة، وفي رسم الجداريات وإطعام المعتصمين. اتمني أن يلتفت الكتاب والمنظرون إلى دور المرأة السودانية في حراك ونجاح ثورة سبتمبر.
سوف أواصل النقاش في الجزء الثاني والأخير في العدد القادم. يختص القال القادم بفرص تكرار التجربة في السودان – ان دعا الحال – بالإضافة الي استنساخه في الدول الأخرى.
( يتبع)




