سلايدرسياسة

ثورة ديسمبر ٢٠١٨ السودانية ونظريات الثورة في العالم (2)

بروفسير عبد الله التّوم

الثورة تأتي ولا تصنع:

تحدثنا في الجزء الأول في العدد الفائت عن ثورة ديسمبر وعددنا أسباب نجاحها وموقعها في النظريات التي اختصت بالثورات في العالم.  وكما وعدنا القارئ، فسوف نفرد هذا المقال لإمكانية إعادة التجربة في السودان أو الدول الأخرى التي تود تغيير أنظمتها الحاكمة.

حقاً لقد أذهلت ثورة ديسمبر قطاعات واسعة في العالم وقد كان ذلك واضحاً في الاهتمام الكبير الذي أولته قنوات الإعلام العالمي للثورة.  تجلى أعجاب العالم بنجاح الثورة السودانية في قول الرئيس الفرنسي ماكرون حينما التقى رئيس وزراء السودان حمدوك في شهر أكتوبر ٢٠١٩.  قال ماكرون في ذلك اللقاء أن “ثورة السودان تشكل مصدر إلهام لجميع العالم”.  ضرب هذا التعبير على وتر حساس في شعور السودانيين ومخيلتهم الزائفة بالتفوق على المجتمعات الأخرى في كل الفضائل مثل الكرم والسماحة والشجاعة والصدق والأمانة، وجل هذي الأوهام التي لا تستند على واقع.  أفضل مثال لمدح النفس هذا يظهر في المقولة المتداولة: “السودان معلم الشعوب”!  من حق السودان أن يفاخر بثورته الظافرة، لا أكثر ولا أقل.  لقد قبع السودان تحت نظام قهري لثلاثة قرون، تحت رئيس مطلوب عند الجنائية لإبادته وقتله لعشرات الالاف من شعبه ولذلك لا أرى ما يؤهل السودان لكي يصبح معلماً للشعوب، الهم إلا في مجال الخنوع للذل والظلم والهوان!

لا جدال في أن ثورة ديسمبر حقاً عظيمة نجحت في القضاء على دكتاتورية فجة جثمت على شعب السودان لسنوات عديدة وأنها فعلت ذلك بطرق سلمية بحتة.  بيد أن التساؤل الذي يطرح نفسه هو هل يمكن للسودانيين أن يعيدوا الكرة أن حاد ت الحكومة الحالية عن أهداف الثورة وما هي إمكانية تكرار تجربة السودان في الإقليم الجغرافي السياسي والذي ترزح فيه الملايين تحت القهر الدكتاتوري؟  دعني أعرج خارج السودان واستعرض بعض التجارب العالمية في هذا الشأن.   

في ديسمبر ١٩٨٩، دعا الرئيس الروماني نيكولاي ساوجسكو للقاء جماهيري في إحدى حدائق بوخارست، عاصمة بلاده.  كان القاء حاشداً ومرتبا بحصافة من قبل جهاز أمن الدكتاتور.  ضم اللقاء ٨٠٠٠٠ مستمع، يتخللهم آلاف من منتسبي جهاز الامن، والذين تحدد لهم أين يقفوا ومتى يصفقوا وكيف يهتفوا. جاء اللقاء بعد أيام قليلة من إحدى مجاذر النظام وكان الرئيس في حاجة لتأكيد سيطرته على مقاليد الأمور في البلاد.  بدأ الرئيس خطابه وفجأة تجرأ أحد الحاضرين وأطلق صيحة استهجان وتبعه آخر وآخر.  لم تمضي إلا ثواني حتى طغت آلاف صيحات الاستهجان على خطاب الرئيس.  عندها ارتبك قيصر رومانيا وكذلك حراسه وتبعهم أجهزة الأعلام التي كانت تقوم بالنقل الحي للخطاب المبتور.  لقد أنهت صيحة استهجان واحدة سلطة أقوي حاكم مستبد في شرق أوروبا فبعد أربعة أيام من الخطاب المبتور، صعد ساوجسكو وزوجته يلينا سلم المشنقة.

في السابع عشر من ديسمبر ٢٠١٠، خرج طارق بوعزيزي بطاولته المتحركة لبيع بعض السلع الصغيرة كعادته في مدينة تونس.   لم يستطع بوعزيزي الحصول على رخصة تجارية ولهذا فإن عمله كان منافياً للقانون.  ٍقامت الشرطة بمصادرة عربة بوعزيزي التجارية ومحتواها حسب قانون الدولة.  توسل بوعزيزي لاستعادة ممتلكاته عند الشرطية المسؤولة والتي قامت بإهانته وفي روية اخري صفعه.  أحس بوعزيزي بالإهانة وفي غضون دقائق، كان جسمه يحترق أمام مكتب الشرطة.  انتشرت صورة بوعزيزي وهو يتلاشى عبر شبكة اليوتيوب وعمت العالم واصبحت فيما بعد الشرارة التي فجرت الربيع العربي.  فقد بن على سلطته وهرب من تونس وربما قنع أن مصيره أفضل من رصفائه مثل القذافي وعبد الله صالح ومبارك. 

تطرقنا في الفقرات السابقة الى ثلاث حالات أدت الي الثورة: الصيحة الاستهجانية، الانتحار وتصاعد سعر وجبة الفلافل (الجزء الأول).  هذا هو ما يسمى في الادبيات بالشرارة التي تشعل الثورة.  لكن العلماء يجمعون أن هذه الشرارة لا تقود الى اندلاع الثورة قبل نضوج المناخ المناسب.  حينما يرجع البعض المناخ المناسب للحداثة، يشير البعض الى تضارب قوى الانتاج والصراع الطبقي.  على أي، فقد توفر المناخ المناسب في دول الثورات الثلاث التي أشرنا أليها.  هذا التفسير يشير الي أهمية الشرارة في اندلاع الثورة ولكنه لا يوضح لنا كيف نُحدِثها، أي نخلقها، وهذا هو ما التفت أليه الآن.

يقول الكاتب كوجيا أن هذه الشرارة تحدث نتيجة لعوامل شخصية وغير متكررة وأحينا بمحض الصدفة.  ويصير التحليل أكثر إحباطاً للذين يحلمون بالثورة أن الشرارة أيضاَ تعتمد على عوامل خارجية لا تستسلم لسيطرة ُموقِد الشرارة.  تحدثنا عن رومانيا وخطاب رئيسهم ساوجسكو.  ارتجل أحد الحضور صرخته ووجد ذلك تجاوباً عفوياً وعصفت الصيحات بهيبة الرئيس وقدسيته.  حدث هذا بمحض الصدفة وبلا تخطيط مسبق ولكنه أصبح شعلة انطلاق ثورة رومانيا.  إما في حالة بوعزيزي، فهنالك عدة عوامل تكالبت لتصنع البيئة المناسبة للانتحار ومن ثم الثورة التونسية: بطالة بوعزيزي وفقره؛ ظهور ويكيليكس الذي فضح فساد النظام؛ اكتشاف الهواتف المزودة بعدسات التصوير؛ اختراع يوتيوب وتطبيقاته؛ بزوغ التلفاز العالمي؛ الخ.  تقع جل هذه العوامل خارج سيطرة بوعزيزي ومهارته في تخطيطها أو خلقها. ويكننا ان ننظر الي حراك طلاب عطبرة بنفس المنظار.  قد سبقت حادثة عطبرة مظاهرات عدة في الأبيض وأمروابة ونيالا والقضارف ولكن ظلت الشرارة خامدة.  أما طلاب عطبرة فقد تحركوا بلا تخطيط لإحداث الشرارة، بل لكي يعبروا عن غضبهم وكراهيتهم للنظام فأصابوه في مقتل إذ أن دار الحزب الحالم يمثل رمزية النظام.  استفاد الطلاب من تقنية التواصل الاجتماعي الحديثة والتي نقلت حرق مكتب النظام حياً إلى جميع أنحاء السودان. فالحدث عفوي وتزامن مع تقاطعات المناخ المناسب، بعوامله التي تقبع خارج رغبة وتخطيط الطلاب.

من هذا نخلص الى ان شرارة الثورة ومن ثم اندلاعها لا يخضع للتخطيط ويعتمد على عوامل تتحدي السيطرة عليها.  يقف التاريخ ايضاً معنا في هذا التحليل. في عام ١٨٤٨، عمت الثورات دول أوروبا وقوضت ممالكها.  طال انتظار أوروبا لأكثر من ١٥٠ سنة لكي يعيدوا الكرة ولكن لم يفلحوا في خلق ثورات جديدة حتى عام ١٩٩٠.  هذا بالرغم من محاولات الغرب الرأسمالي إشعال الثورات في أوروبا الشرقية، وقد لعب معهد شارب دوراً فعالاً في هذه المحاولات. وطال انتظار السودان للثورات أيضاً عبر تاريخه الحديث المظلم.   فبالرغم من تعدد النظم الخربة في السودان، لم نفلح إلا في اندلاع ثلاث ثورات متباعدة في السنوات. 

لنا عبرة في محاولات بعض دول الجوار في استنساخ ثورة ديسمبر السودانية في بلادهم.  لقد الهمت ثورة السودان بعض المواطنين في دولة جنوب السودان فخططوا وحددوا موقع اندلاعها ولكن خاب ظنهم.  تجمع نفر محدود ورددوا نفس هتاف ثورة السودان “تسقط بس”، ثم عززوه بلغة جوبا العربية “تقا بس”، ولكن فشلوا في إشعال الثورة.  تكرر هذا الفشل أيضاً في الجارة، تشاد حيث تظاهر عدد من الشباب وكانوا محدودي العضوية.  ردد المتظاهرون هتاف السودان “تسقط بس”، ثم هتفوه باللغة الفرنسية ولغة أخرى محلية لم أستطع تسميتها ولم يفضي جهدهم إلى شيء.  أما دولة أريتريا، فقد كان ثوارها أقل جرأة وأكثر تواضعا، فلم يتخطى حراكهم رسم بعض الجداريات الثورية على حيط العاصمة. 

من هنا نخلص إن الثورة لا يمكن تخطيطها وخلق شرارتها، وارفع قبعتي للكاتبة سكوبول والتي قالت “أن الثورات تأتي ولا تصنع”.  أختم المقال بنصيحتي للشعب السوداني أن يعضوا بالنواجذ على ثورتهم، فإن ذهبت فسوف يطول انتظارهم، ربما لجيل أو أكثر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق