سياسة

الحكمة ضالة السودان

وليد دبلوك

والمشهد الحالي عصي على التحليل الصحيح الواقعي لما يشوبه من تعقيدات يصعب فك عقدها لتستبين الرؤية الصحيحة لواقع الحال السياسي.   تشعبت المكونات السياسية واختلطت الاختصاصات، تعددت الأجهزة وصار لكل جهاز وكل جهة سلطة وقوة خاصة بها.

تداخل الاختصاصات والصلاحيات فيما بين الكتل والمكونات السياسية خلق نوع من التنازع السياسي في ظل غياب الرقابة الدستورية في اعلى درجاتها وهي المحكمة الدستورية، وعدم وجود منظم الاداء والمايسترو الذي يضبط الاداء العام لكل المكونات ومقرر التشريعات والقوانين، وهو المجلس التشريعي. غياب هاتين الجهتين المؤثرتين (المحكمة الدستورية والمجلس التشريعي) بلا شك سيجعل الامر اشبه بمباراة كرة قدم بلا حكم، ولكم ان تتخيلوا كيف سيكون الحال.   كل مكون يسعى جاهدا لتثبيت وجوده ويتمدد افقيا ويسعى للتمدد راسيا لرفع سقف سلطاته وصلاحياته.

مجلس السيادة في النظرة العامة هو صاحب المركز الاقوى في الخارطة السياسية بما يحوزه من ادوات قوة عسكرية هي الاعلى والاقوى باعتبار ان الجيش هو جيش السودان وحامي حماه، وهو امر طبيعي ان يكون هو المكون الاكثر قوة، بالإضافة للقوة العسكرية يحوز المجلس السيادي على قوة اقتصادية لا يستهان بها ممثلة في مؤسسات وشركات اقتصادية استثمارية لها اثرها الكبير على كل الاصعدة … والمعني بالثقل السياسي الكبير هو الشق العسكري في مجلس السيادة إذ ان مدنيي السيادي لا نفوذ لهم ولا سلطات فعلية، ووجودهم اشبه بالوجود الشرفي فحسب.

  مجلس الوزراء وعلى قمته الدكتور حمدوك هم الواجهة السياسية الفعلية للسودان خارجيا وداخليا، وله سلطات يحوزها وفق ما اقرته الوثيقة الدستورية، وتتشابك وتتداخل احيانا المهام والاختصاصات بينه وبين مجلس السيادة ولا جهة تفصل في الامر، ويعاني الجهاز التنفيذي من تبعات تركة ثقيلة خلفها النظام البائد يحمل عبء الخلاص منها وحده دون معاونة حقيقية فاعلة من بقية المكونات السياسية إن لم تكن هي الاخرى من عوامل الاخفاق بشكل او بآخر.

الجبهة الثورية بتوقيع اتفاق السلام اسكتت اصوات بنادق عدة، وذلك امر طيب ومحمود … وقد قدمت قيادات الجبهة الثورية الى الخرطوم للانخراط في العمل السياسي باحثين عن موطئ قدم لهم بين كافة المكونات السياسية واضعين في اعتبارهم انهم اصحاب ثقل عسكري وسياسي له تقديره.

تشكل ما يعرف بمجلس شركاء الانتقالية حيث ضم في تكوينه الحركات المسلحة او الجبهة الثورية، والمجلس السيادي ومجلس الوزراء والكيانات الاخرى التي دخلت الساحة السياسية من بوابة جوبا او غيرها وبعض الشخصيات السياسية الاخرى.

تشكل هذا المجلس (قيصريا) نسبة لعدم وجود مجلس تشريعي يملك الحق الاصيل في شأن تكوينه (وضوعا) طبيعيا، وهو – اي المجلس التشريعي – المختص في شأن تحديد المهام وحدود الصلاحيات لكل المكونات السياسية.

وقوى إعلان الحرية والتغيير التي تعد هي الحاضنة السياسية للحكومة المدنية، ولهم في ذلك استناد الى شرعية ثورية تنضوي تحت مسماها العديد من التيارات السياسية المتباينة الرؤى والفكر، وتلك الحاضنة السياسية في اسوأ حالاتها الان لما يشوبها من صراعات واختلافات داخلية وعدم توافق في الرؤى وأصبح جل همها هو الحصول على النصيب الاكبر في كيكة السلطة..

  ثم هنالك كيان آخر له وجوده وثقله الكبير والمؤثر تأثيرا كبيرا على مجريات الاحداث وهو كيان الدعم السريع، ذلك الكيان الذي يملك القوة المادية عسكريا واقتصاديا، له ايضا قوته السياسية المتمثلة في وجود قائد ذلك الكيان في ارفع مناصب الدولة وهو نائب رئيس مجلس السيادة وبعض المناصب الاخرى الهامة.. وهو كيان سيظهر تأثيره الحقيقي كمعضلة عصية على الحل في نهاية الفترة الانتقالية، وهو امر سنعود لتبيان أثره ومستقبله لاحقا.

  كل ما تناولناه من مكونات سياسية كان الامل المنوط بها عقب نجاح الثورة ان تلبي غايات الثورة وتطلعات الشعب الثائر، وان تعمل كل هذه المكونات في انسجام وتناغم وتوافق لأجل هذه الغاية العظيمة وهي خلق سودان ما بعد الثورة، سودان بوجه جديد يطل به على العالم وهو يبتسم بعد عقود من العزلة والعقوبات حتى صار من المنبوذين بين الدول، سودان ناهض بقوة ليحتل موقعه الريادي والطبيعي في القارة، سودان نضر اخضر يمنح العالم خيرات لاحد ولا حصر لها، ولكن بدلا من الانسجام والتناغم بين مكوناتنا السياسية، تنافرت تلك المكونات فيما بينها بل وفي داخل ذاتها في بعض منها، وانزلق الجميع الى هاوية المصالح الذاتية، متجاوزين مصلحة الوطن، لم يفطنوا الى انهم لو تساموا فوق اطماعهم وذواتهم وأعلوا من شأن الوطن لعلى شانهم ايضا، ولدخلوا التاريخ من اوسع ابواب المجد والخلود المسطورة في دفاتره، ولكن النظرة الضيقة والنفس المريضة هي الحاضرة في المشهد، فيتحالف هذا مع هذا للكيد على ذاك. ومن هنا نستبين ان آفة الوطن في بنيه الذين آثروا أنفسهم عليه.

  ان احوج ما يحتاجه السودان الان هو الحكمة، الحكمة التي يتسم بها رجال ينظرون الى مصلحة الوطن بعين الاعتبار، ويبصرون الساسة بما يجب ومالا يجب.  الحكمة مفقودة في عقلية من بيدهم مقاليد الامور، وهي التي بها وعبرها نستطيع الخروج من نفق الانتقالية المظلم.  الحكمة التي تحلى بها مهاتير وبها عبر بدولته من القاع الى القمة في زمن وجيز.   الحكمة التي تشع من وجه مانديلا لتشرق على بلاده نورا أضاء ارجاء جنوب افريقيا فصارت الدولة القوية اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا على مستوى القارة.

الحكمة التي بها استطاع بول كاغامي ان يدفن القبلية الى الابد ويوحد الكل تحت هدف واحد هو خلق رواندا القوية فكان لهم ما ارادوا لدرجة اذهلت الجميع في سرعة النهوض بدولة مزقتها الحروب العرقية والابادة الجماعية، لتتحول الى أسرع دولة في النهضة الاقتصادية على مستوى القارة فحازت على لقب سنغافورة افريقيا، والامثلة كثيرة على الحكمة التي اتسم بها زعماء ورجال استطاعوا ان يحدثوا تغيرا ويقودوا دولهم الى آفاق التنمية والتطور والازدهار..

   والحكمة من خصال الشجعان لأنهم يؤثرون الوطن على أنفسهم، يعملون بصدق ونية صافية، وقلب سليم، بحثا عن الافضل للوطن ومستقبل الأجيال.

الى كل مكونات المجتمع السياسي السوداني، الى الممسكون بزمام الامور او الذين يعارضونهم، اليس فيكم رجل رشيد، رجل حكيم ينبئكم ان ما أنتم عليه الان لن يربح فيه أحد والخاسر هو الوطن..

نحن حقا بحاجة الى قيادة تتسم بالحكمة لتعبر بالوطن الى شواطئ الامان، قيادة تخلد نفسها في ذكرى الامة ونحفظ لها الاجيال فضلها، لان التجرد ونكران الذات في خدمة الاوطان مدعاة الى ولوج صفحات التاريخ … لن يذكر التاريخ رجالا أخلصوا لذاتهم، ولكنه يذكر من أخلصوا للوطن.

تحلوا بالحكمة وبعد النظر ودعوا القصور وحصر النظر في المصالح الخاصة، وانظروا الى وطنكم الممتلئ خيرات ليس لها حد تستطيعون بها ان تنقلوا وطنكم من الحضيض الى القمة..  حقا إن الحكمة ضالة السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق