
مايسترو … ومدرسة في الفنّ
د. محمد بدوي مصطفى
المايسترو العتيبي من مواليد مدينة الدويم، خُلق نجمه في عام ١٩٤٨ بتلك البقعة الطاهرة التي عرفت بالكرم الحاتميّ وسخاء أهلها الوافر وحبهم للفنون والأدب. خرجت قامات سامقة في سماء السودان نَعُدُّ من بينهم مايسترو العتيبي. لقد درس هذا المبدع علوم الفنون التشكليّة ونظريات الفنّ العالميّة بصحن كلية الفنون الجميلة بالخرطوم وتتلمذ على أيدي كبار الأساتيذ، ومن ثمّة عمل في خلال حياته الحرفيّة بنفس الكلية فيما بعد كأستاذ مساعد، يلقن الطلاب فنون الرسم وحرفيّة التجسيم وعلوم الخلق والابداع حيث فتح لهم قلبه وبيبان المعرفة على يديّه الخلاقتين على مصراعيها. كنت أتحدث إلى أحد الفنانين الرائعين من الأصدقاء، كنت بصدد التحضير لمقال عنه، فذكرت له فيما ذكرت أنني كتبت في بعض مقالاتي قبل حين بعيد عن الأستاذ كذا وكذا ومنهم محمد العتيبي، فبادرني برده المفعم بالإجلال والتقدير: يا أخي أنت وضعتني مع العمالقة ديل، بارك الله فيك. لذا فعندما يتحدث محترف وبجدارة عن هذه القامة ويصفها بالعملاقة فلابد أن نقف حينئذ إلى هذه الشخصية الفريدة والحرفيّة المتميزة. لقد طرق هذا العتيبي الهمام كل أبواب الفن التشكيليّ من أوسع حدقاتها ودخل إلى أعماقها جلّها، واحترف صنعة الألوان متنقلا بين كل الخامات والأصناف والأنواع. شارك في عشرات الورش الفنيّة ومئات المعارض الوطنية والعالميّة وأراه يفتخر بأن لوحاته استطاعت أن تنافس في غاليريات العالم الغربي أعمال كبار الرسامين من بني الخواجات وغيرهم من المبدعين ولا يزال بعضها يزدان في ألق في أروقة تلك المتاحف والمعارض.

تمرحل في حياته الفنيّة انطلاقا من الموروث السودانيّ الأصيل الذي نشأ عليه، أحبه وأفني شبابه في خدمته واتجه إلى آفاق عالمية جديدة وفريدة في نوعها. فعندما نتمعن أعمال المايسترو العتيبي نجد بها لمسته الخاصة إذ تتبدّى متميزة في اللون، دقيقة المقادير والمساحات، هادئة رقيقة في أشكالها الهندسية وخارقة للعادة في اختيار الأصناف المختلفة من بشر وحيوان وجماد وفي تجسيدها جُلّها بحرفية فائقة وبتفرّد ينعدم عند غيره. إن سيرة هذا المايسترو العتيبي مدهشة حقا، بديعة، صارخة، تعبّر في دفئ وتجلي عن وجدان عميق ينبثق عن إيمان راسخ وتصوف واقعيّ، ألفه وعاشه في طفولته وريعان صباه وعكسه بلحنه المموسق عبر لوحاته الخالدة حقيقة. فهو دون أدنى شك من مجدديّ الفنّ التشكيلي العالميّ بالسودان، فنان عالميّ فطحل بكل المقاييس والمقادير. فهو مايسترو ومدرسة قائمة بذاتها للفن التشكيليّ المعاصر ببلاد النيل وفي أفريقيا على وجه العموم.




