ثقافة وفن

الدكتور أحمد العبادي من حقوق الإنسان إلى حقوق الإنسانية

بتصرف: خديجة منصور

قبل التطرق لهذا الموضوع لابد أن نمهد بخمس ممهدات، التمهيد الأول عبارة عن استذكار واستحضار أن بعد الحق متجذر في الإنسان منذ أن كان، فكل التشريعات وكل التنظيمات، والتمكينات وكل التعيينات والآليات وكل الإجراءات التي تؤثت عيشنا المشترك إنما هي منبثقة من مفهوم الحق لحفظ هذه الحقوق لتنظيم هذه الحقوق لجعل هذه الحقوق بالتساوي وبالإنصاف وبالعدل بين أفراد مجموعة معينة لا بد لها من التشريع ومن التنظيم لكي تكون هذه الحقوق محفوظة .

فكل التشريعات التي عرفتها البشرية من وجودنا  في هذا الكويكب الصغير إنما هي لحفظ هذه الحقوق، حتى لا يحيف بعضنا على بعض. الممهد الثاني هي عبارة عن استذكار أن مفردات التشريعات ومفردات الحقوق كثيرة وهي تنوؤ بالعصبة وللقوة فضلا عن الفرد الواحد، فإذا لم تنظم هذه الأبعاد جميعها في إطار مشروع تكون له جاذبية فإن هذه الحقوق ستنتثر وسوف يصـــبح فيها كما قـــــــال العلامة شمس الدين بن قيمـاز الدهري المتوفى سنة 48 للهجرة 700 م، حين كتب كتابا عن زغل العلم أي الأمور التي تطفح وتضفى والتي تزيد عن الحاجة الآنية وتتجاوز هذا الانتباه الذي يتمكن من استيعاب المفردات في حوصلة واحدة ويكون قادر على مفهمتها، وبالتبع لا بد أن ندرك أن هذه الحقوق لا يمكن أن تنتظم إلا إذا كان تمة مشروعا ناظما، أو بعبارة الملهمين أن يكون هناك حلم جاذب يتيح هذه المغنطة هذه الجاذبية التي تمكن من نظم هذه المتناثرات في سلك واحد يكون له معنى وتكون له جاذبية، الممهد الثالث هو عبارة عن استذكار أن هذه الحقوق تتواشج فيها الواجبات لا يمكن أن ينطبق علينا قول من قال حين دعاه بعضهم إلى صناعة حلواء قال له “منك الدقيق بإيجاز ومني النار أقده ومنك السمن والعسل”، بإيجاز الذي سوف أخذه سوف يكون أكثر بكثير من هذا الذي سوف أقدمه، إذا لم يكن تمة هذا البعد الذي هو الواجب وبالتساوي بين الحقوق والواجبات، فإن الإنسان باعتباره “كائنا طلعه لا يملأ جوف ابن أدم  إلا التراب ولو كان لابن ادم وادين من ذهب”  كما صح عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلام لابتغى إليهما ثالثا، لن يمل الإنسان من المطالبة بالحقوق وإنما يفسأ صارة هذه المطالبة و هذا التطلع الذي لا نهاية له الوشج بالواجبات وهذه هي فحوة الجيل الثالث من الحقوق، والذي هو جيل الحقوق التضامنية والتي فيها هذا الربط بين الحقوق والواجبات لا يمكن للمرء أن يطالب ببيئة سليمة إذا كان هو يلوث هذه البيئة، لا يمكن للمرء أن يطالب بالتنمية المستدامة إذا لم يكن يقوم بحضه وبالتزاماته من هذه التنمية المستدامة، لا يمكن أن يطالب بالسلم وهو يسير بين ظهراني الناس بالفتنة مشاءا دعاءا للفتنة وبعد ذلك يطالب بالسلم. هناك جيل رابع هو أحدث جيل من حقوق الإنسان هذا الجيل الذي يأخذ بعين الاعتبار المصفوفة الراهنة أي كون الإنسان له حقوق خصوصية، ولا سيما بعد اندلاع وانفجار هذا الفوضى العارمة L’astroturfing والتي أيضا واكبها انفجار قضية cambridge compagniy التي قد تبين أنها تمتلك عن الناس الذين يتحركون في هذا الفضاء الأزرق وفي هذا الإطار الرقمي ما لا يقل عن 500 ألف بصمة الكترونية بمعنى أن هذه الشركات العملاقة العابرة للقارات والتي أصبحت قادرة على التأثير حتى في مسار الانتخابات في أعظم الدول ولعل قضية impeachment الآن السارية في الولايات المتحدة هي من أذيال هذه المسألة والتي هي مسألة الخصوصية، أيضا قضية أخرى من هذا الجيل الرابع والأخير من الحقوق هي قضية  Génome، وقضية التعديلات الوراثية واتصال ذلك بالبعد القيمي وبالبعد المتصل بالمنظومات الأخلاقية في عالمنا، إلى أي حد يمكن أن نسير في هذه التعديلات الجينتيكية وهل سوف يغير هذا من طبيعة البشرية؟ أم لن يغير هذه كلها إشكالات لم تكن مطروحة  حتى قبل عقد من الزمن الآن بهذا الوضوح الذي نراه عليه اليوم، أيضا من ضمن هذا الجيل الأزمات الكبرى التي تندلع بالوقوف على كل ما تنفقه البشرية من الأموال من أجل أن تحمي نفسها من نفسها وأن نحمي بعضنا من بعضنا بسبب سريان هذا السم الزعاف الذي يسم الخوف من بعضنا البعض نحن في زمن وكما انتبه إليه السيد أنطونيو غوتيريش António Guterres الأمين العام للأمم المتحدة في زمن اختلال الثقة ببعضنا البعض إلى درجة أن منتدياتنا في هذه المنظمة العتيدة الكبرى منظمة الأمم المتحدة التعاطي في هذه المنظمة إنما يكون تعاطيا للوصول إلى مكونات أجنداتنا الخاصة ولكن بمحاولة التحريك ومحاولة الضغط lobbying من أجل أن أنظم تحالفات معينة توصلني من خلال win win situation مع أعضاء وأفراد دوليين آخرين لنتائج معينة، وهذا الحراك يجعلنا نفقد القبلة التي ذكرنا في الممهد الأولى أنها ضرورية وهي قبلة الخيط الناظم أو الحلم الجاذب الذي يجعلنا بالفعل نتحرك لكي نضمن حقوقنا جميعا في إطار قيامنا جميعا بواجباتنا حتى لا نصل إلى مدى لا يمكن بعده التراجع ولا رتق الفتق الذي سوف يكبر على الراتقين إذ لم نعطي للقضية حقها ونقاربها بالجدية اللازمة إذا هذا الممهد الرابع هو استحضار أننا اليوم في ظل أزمات ضاربة منها أزمة الماء وأزمة التسلح وأزمة الخوف، تحدي هذا التطارح هو في فرش الإشكال واستيعابه تأصيلا في نظم لمفرداته بكل متفهم ولكن طرق المستلزمات المعرفية والمقتضيات التي تؤثت سياقنا عبر تمثل آليات التعاطي مع هذه الأمور جميعها، لن أتكلم عن أجيال الحقوق وقد بينا فيها بعض القول لن أتكلم عن تاريخ هذه الحقوق والذي بدأ منذ وقت أبكر بكثير.

جانب من المحاضرة التي ألقها السيد الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء وعضو المجلس المغربي لحقوق الإنسان سابقا، “ملتقى الايسيسكو الثقافي الثاني الذي انعقد يوم الثلاثاء 10دجنبر 2019 بمقر المنظمة بالرباط “.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق