سلايدرسياسة

السودان: لقد آن الأوان لكي تحط القافلة لرحالها!

د. حسن حميدة – ألمانيا

المحاصصة:

ولنذكر هنا فقط: يجب على الحكومة الانتقالية الابتعاد عن المحاصصات النفعية “ألا تكشف حالها بنفسها”. المحاصصات التي تتجاهل الإنسان المؤهل، وتفضل عليه الإنسان الغير مؤهل. وقتها يتبوأ الإنسان الغير كفؤ مرتبة لا تليق به، بل لا يستحقها أساسا، من بعدها يأتي ويتنبر على هذا الشعب الأبي، بأنه كان متمرد عليه بسلاحه، والآن يحكمه بشطارته، في عصر انتهى فيه حكم الشعوب بقوة السلاح، وانتهت فيه الشطارة على من يحكم في بلد على المحكومين. يجب أن تفضل الحكومة الانتقالية في عملها أي كان نوعه الإنسان المؤهل عن غيره، وحتى ولو لم يكن للشخص المؤهل تاريخ سياسي يذكر. يعتبر تفضيل المحصصين على غيرهم من الأكفاء شيء يخجل له الإنسان النزيه أيما خجل، وهذا لقبولهم بنفوس رخيصة ودنيئة، لمرافق إدارية لا يستحقونها أصلا. ولو كان الشخص النزيه في مكانهم وبنفس مقوماتهم التأهيلية، لرفض هذه العروض الجوفاء برضاء نفس وكرامة إنسان. وهذا من أجل مصلحة مواطن، ومن أجل مصلحة وطن – في ظل وجود الإنسان الأكثر كفاءة ونزاهة.

الاقتصاد:

موضوع الاقتصاد موضوع صعب، وإحداث طفرات اقتصادية من العدم فيه في هذه الظروف التي تمر بها الدولة هو الأصعب، ولكن: لا بد للحكومة الانتقالية من قفل الأنبوب المسرب والمسبب للمشاكل الاقتصادية في البلاد. سبب من أسباب فشل البرنامج المؤسس من عندها للخروج بالبلاد من مآذقها يتمثل في الآتي: وضع حد حاسم للعمل التجاري الربوي، الذي يبني سواعده على عاتق الضعفاء من المزارعين والرعاة، ويقوم على أكتاف المنهكين من العمال والموظفين. نحن بلد زراعي ورعوي في المقام الأول، مع شيء من الثروات المعدنية الغير مستخدمة بعد. لا بد هنا من وضع حد حاسم لتسلط تجار النظام البائد على الاقتصاد الداخلي والخارجي، الذي يبني على مواردنا الزراعية، ومنتجات ثروتنا الحيوانية. هؤلاء التجار والمصدرين، الذين يؤسسون عملهم الربحي على الرشوة والمحسوبية، واستغلال الفئة المنتجة في البلاد، بهدف تحويلها بمرور الأيام إلى فئة فقيرة هم سبب الأسباب. وبه يتهيأ للمضاربين الجو المناسب، لتهريب ثروات السودان، كقطر غني ومنتج، إلى خزائن سوداء، تأوي المال الفاحش بمساعدة جهات، ما زالت تعوس في أرضنا فسادا، وتتحكم في أسواقنا ومنتجاتنا داخليا وخارجيا.

الفساد:

هنا وعلى هذا الصعيد: لا بد لهيئة إزالة التمكين المفوضة من قبل الحكومة الانتقالية من مباشرة عملها أكثر وأكثر، وبكل حياد ومسؤولية، بل لها أن تعطى من قبل الحكومة الانتقالية أكثر حريات وصلاحيات، لتنفيذ عملها بدون قيود مكبلة، ولوضع حد حاسم للموقف الذي صار مذري ومعيب عدليا وتنفيذيا – الثورة لها الآن عام من العمر، ولو كانت طفل، لشاء له أن يحبو. فهي حتى الآن لم تزل تتلكأ في بداية المحاكمة، لمجرمين لا يختلفون نوعا وفعلا عن بعضهم البعض – الإجحاف في حقوق شعب بأكمله، وكأنه لا ينتمي للسلالة البشرية بصلة. محاكمات تؤجل أو تلغى من حين لآخر ومن غير أسباب – وفي آخر تطور، التأجيل الأبدي: تأجل محاكمة أبوهم الذي علمهم السحر لأجل غير مسمى – كل هذا التلكؤ يأتي من قبل هيئة الدفاع للمتهمين في قفص الاتهام. الشيء الذي يلبس هذه الهيئة اتهام مطابق للمتهمين، في تجاهلهم للمصلحة العامة للوطن وللمواطن. هنا لا بد من وضع الهيئة الدفاعية للمعتقلين في قفص الاتهام أيضا. فهم لا يمثلون، وحسب شهادة الشعب إلا أنفسهم لمنفعة يبتغونها. وكلهم جزء لا يتجزأ من النظام البائد “هم منه وإليه”، ولا بد من تسليمهم جميعا للمحكمة الدولية في لاهاي، كمتهمين متلبسين في هيئة دفاع، وكل الدلائل موجودة.

المحاكمة:

لا بد أيضا من تسمية ومحاكمة كل من شرع في أمر المجزرة البشرية، وما خص فض اعتصام القيادة العامة، وأدى لمقتل مئات من المعتصمين الأبرياء بيده. المعتصمين من الشباب المسالمين، الذين خرجوا من أجل المناداة بحقوقهم الاجتماعية والإنسانية. أريق دمهم بكل برود، وكان ذنبهم الوحيد، أنهم كانوا يرددون كلمة ” سلمية، سلمية”. هذه المحاسبة إذا لم يتم تنفيذها بحياد وعدل من قبل الحكومة الانتقالية والجهات المسؤولة، سوف تشعر المواطن بأنه مخادع من جهات تقوم على أمره، ولا تنصف له حقوقه عدليا، وسوف لن يكن هناك حاجز يقف في طريق ذوي الدم، والشباب، للخروج للشارع مرات ومرات، للمطالبة بالعدالة المنصفة للحقوق. الشيء الذي يمكن أن يستغله جانب الآخر “العدو اللدود”، والشيء الذي يمكن أن يمهد للانزلاق في رصيف الدولة الغير آمنة والدولة الفاشلة، ويكون الثمن باهظ على الجميع، بأن ينأى الحكم الديمقراطي، ويصير الحلم به بعيد المنال.

التريث:

هنا نقول لأنفسنا كشعب واعي – ترجيا دون تشفي: علينا أن نعطي حكومتنا الانتقالية بعض من الوقت للبث في الأمر والفصل فيه. ونقول لحكومتنا الانتقالية: عليها أن تتعجل بتنفيذ الموعود على أرض الواقع، وليراه هذا الشعب الصابر على شيء أحر من الجمر، في معاقبة المجرمين بعدل. كما لا بد للحكومة الانتقالية أن تنظر في أداء طواقمها المتولية لزمام الأمور من الوزير الكبير إلى الموظف الصغير. يجب مراقبة الثراء الحرام لكل الطواقم العاملة في الحكومة، وزراء، سفراء، ولاة، وموظفين. وهذا لا يعني فقط الثراء عبر المال العام، بل أيضا الثراء عبر التوظيف والمنح الخارجية والتمكين عبر التفضيل. من يتلقى أرفع الوظائف الحكومية، من يبعث بمنحة لخارج البلاد، ومن يمكن ذويه في وظيفة من الوظائف؟ هنا لا بد من أن يكون المؤهل العلمي هو الحد الفاصل في الإقرار والتنفيذ الإداري.

يجب ألا يكون الهم الأول والأخير للمسؤول أو المفوض في الدولة، هو شراء الذهب لزوجته أو لزوجاته، أو تملك الأراضي المميزة له ولأسرته، أو شراء الشقق والبيوت المفروشة له في خارج البلاد، ومن حر مال الشعب. من هنا يبدأ الفساد، الإداري، عندما يتجاهل الإنسان قيمة بلده كإنسان مسؤول أو مفوض، ويكون همه الأول والأخير، مغادرة هذا البلد المعطاة إلى بلد آخر للعيش فيه إذا جاءت ذات يوم الطامة الكبرى. بيد أنه هذا البلد هو الذي يوفر له رزقه كل يوم، ويعني له في قرارة نفسه اللا شيء في وقت الشدة.

الارتزاق:

كما يجب على البلاد شعبا وحكومة أن تفرق بين من هو الارتزاقي، ومن هو المصلح. لقد اكتظت البلاد في الآونة الأخيرة بالمعارضين وحملة السلاح والرباطين وقطاع الطرق. وكثير منهم فئة من الخونة والفاشلين، الذين نعرف بكل حق وحقيقة من أين أتوا، وهذا مع بعدنا كل البعد عن السياسة ومسارحها. أناس تلقوا ملاذهم في دول مجاورة أو دول مهيمنة، تحرضهم على بلادهم الأم عرقيا ودينيا واجتماعيا. كل هذا يبدأ بتقديم طلب للجوء السياسي، الذي ينظر في أمره سريعا مع القبول المؤمن، ثم يتلوه شراءهم لهؤلاء “مستعبدي أنفسهم لأنفسهم بأنفسهم” بأبخس الأثمان – وفي غالب الأمر يكون السعر المجزي للشراء، هو عبارة عن حذاء جديد من ماركة أديداس، أو فانلة جديدة من ماركة لاكوست. وبه يبدأ الترنم بالأغنية الحبيبة للنفس، والتي لا تعرف الانقطاع أو الانتهاء ” الاضطهاد والاستعباد لنا في بلادنا ومن أهلنا وذوينا – نحن المساكين بينهم ونحن المغلوبين على أمرنا – وهم الأسياد وتجار الرقيق” – الاستعباد على الطريقة السودانية في القرن الحادي والعشرين.

حقيقة ليس هناك رجاء من أمثال هؤلاء الخونة والفاشلين، سواء كان رجاء من أنفسهم لأنفسهم أو لأهلهم أو لبلادهم. للكل أن يعرف جيدا، مضطهد أم غير مضطهد، أننا كلنا في البلاد التي نحن غريبين على أهلها، والبلاد التي هي غريبة علينا “بلاد غير بلادنا”: نحن كلنا في الهواء سواء، ولا نحسب سوى أفارقة “زنوج”. وهذا إذا أتينا من حلفا، أو من نملي، إذا أتينا من القلابات أو من الجنينة. كلنا في عيون الغير “نيقرز” لا غير، وليس هناك فرق بين زنجي فاتح، متوسط أو غامق اللون. فلما كل هذا العناء، ولما كل هذا الغباء؟ فنسمي الأشياء بأسمائها أولا، وإذا لم نتقبل أنفسنا بأنفسنا، فكيف للغير أن يتقبلنا؟ – وثانيا: لا داع للاصطياد في الماء العكر، الذي يكون ضحيته أولا وأخيرا، مواطن هذا البلد الصابر على حرها وبردها. والذي لم يبارحها أبدا، مهما جبرته قساوة الزمن – راضي بغناها أو مرتضي بفقرها – آو لمكانه، معزز ومكرم.

الحركات:

ولحديث الساعة من نبأ: لا بد للحركات “التي كانت مسلحة” المتفاوضة في جوبا الآن، من التعجل في تنفيذ الاتفاق من أجل سودان واعد بخيراته لإنسانه ولأجياله المقبلة. ما هو الشيء الذي يمكن أن يستفيده المواطن، في آن يرقد ويتمرغ فيه المتفاوضين في فنادق جوبا الفخمة لأسابيع، بل لشهور؟ لقد كان الرقاد والتمرغ من قبلها في فنادق الدوحة وأديس أببا ولشهور، بل لسنين – والعالم في الداخل وفي الخارج ينتظر مخرجات الحوار “النتيجة” على أحر من الجمر. كل هذا التمويل، لهذه الملتقيات والحوارات من خير المواطن البسيط وإنتاجه المتواضع من كل حول وموسم. المواطن الذي ينتظر أن تأذن لهذه الحركات الصافرة، التي تمسك عليها بيدها، بل تضعها في فمها، لتصفر للانطلاق لآفاق سياسية واقتصادية ناجحة، ترفع من مقام مواطن ومن مقام وطن. الحركات التي تقف الآن وجه لوجه مع الأطراف الأخرى، متأهبة للمصافحة والعناق، في موقف يسطره لها التاريخ بأحرف من نور، لوقوفها كتف لكتف مع حكومة وشعب السودان. كما يجب ألا تنسى هذه الحركات ما يلي الاتفاق من تحديات بقدر تراب الأرض، تنتظر وتتطلب أيضا وقتا لا يستهان به لتنفيذ البنود المتفق عليها، والعمل من أجل مستقبل البلاد وأجيالها بيد واحدة. تحديات كبيرة تنتظر وتتطلب التحزم للعمل والتنفيذ المباشر، بفكر وعقل وقلب. الشيء الذي يأذن باكرا بانتهاء التمشي على هولات الفنادق ذهابا وإيابا، أو الجلوس المضني للحوار والنقاش بلا نتائج. يجب على هذه الحركات أيضا أن تكون على يقين، بأن لا شيء يمكن أن يفوت على المواطن، مهما كان بسيط فكر أو مغلوب حيلة. المواطن الذي يمكنه الزج بالخونة والفاسدين في السجون، حتى ولو فاق طال حكمهم الثلاثون عام. فمن يكن بمقدوره أن يتولى زمام أمر الإصلاح للخروج بالبلاد لبر الأمان فليفعل، ومن لم يكن بمقدوره ذلك، فهو حر طليق، وغير مجبور على ذلك – السجون موجودة، والزنازين موجودة لمن يستحقها من الناس، إذا طال الزمان أم قصر.

الجيش:

ولنتوقف هنا قليلا مع الجيش: فهو صمام أمان البلاد، الذي وظيفته هي حماية المواطن، حماية الوطن، وصون عرضه والحفاظ على حدوده مع دول الجوار. وللنظر للحياة التي عاشها الجيش في غضون الثلاثون عام ونيف المنصرمة، نجد أن الجيش قد تمتع بكل الصلاحيات، بحياة أفضل من حياة المواطن بكثير. هذه الثورة التي يحتفل ويبتهج بها الجيش الآن لم تأتي به، بل أتت بجهد الثوار أنفسهم، الذين خرجوا في مظاهرات سلمية لأسابيع وشهور متتالية من أجل نيل حقوقهم. أتى من بعدها التغيير، بعد أن سفك دم الثوار في مجازر شنيعة، تم فيها رميهم في ماء النيل، أو حرقهم في الخفاء، وهم أحياء. وبكل هذا لقن الثوار العالم درس لا ينسى في الأخلاق، درس في طرق الكفاح السلمي – الكفاح الغير مسلح الذي تبنته بقية شعوب مهضومة حقوقها فيه. هذه المجازر الوحشية لا يمكن للعالم أن ينساها أبدا “ذاكرة العالم الخفية”، خصوصا وهي حصلت بوجود الجيش وملحقاته من قوات أخرى. يأذن الوقت للجيش الآن، وغير يوم باكر، في أن يلتفت للأمور المفوض من أجلها في البلاد. هذه الأمور تتمثل في وقوفه جنبا لجنب مع المواطن في أيما حال “في الحارة وفي الباردة”، في استتباب الأمن في قرى السودان التي صارت تحترق، وفي إفشاء الأمن في مدنه التي صارت  تشتعل. كل هذا من بفعل فاعل، لا يهم من هو “الكل يعرف من هو!!”، بل يهم أن يوضع المعني في حدوده. ومن واجبات الجيش، صون حدود الوطن، والحفاظ على ترابه الغالي “في عصر التناحر والتطاحن الدولي من أجل تأمين الثروات”.

الجوار:

تأتي سانحة أخرى: لا يمكن أن نحتفل برؤساء بلدان، يتلقون بنشاطهم السياسي في بلادنا جوائز عالمية، وفي آخر الرحلة يكيدوا لنا الصاع صاعين، بالسطو على حدود بلادنا ومواطنيها المسالمين بأسلحة ثقيلة، تشريد المزارعين والرعاة بالآلاف من قراهم وبواديهم، في ظل وجود الجيش السوداني. بإمكاننا مكدنيين أن نشن حملات شعواء، تطالب باسترجاع هذه الجوائز الكاذبة لمن أتت منهم، بعدم إيفاء المحتفى بهم بالجائزة لإحلال سلام في المنطقة، هم أنفسهم غير حريصين على صونه، حتى مع دول الجوار. أي كذب وأي نفاق هذا من قبل مجتمع العالم الذي يعني بأمور السلام. أتمنى أن تكون هذه مقدمة لجيشنا، في الإمكانيات المتاحة له، ليثني الآخرين “دول” على قراراتهم، التي تدأب على جبره على الركوع لها أكثر وأكثر – ولنذكر من يحاول أن ينسانا أو يتجاهلنا من جيران: السودان بلد كريم بأهله، ويكن لجيرانه “دول وشعوب” كل الاحترام والتقدير. وبالدليل على ذلك، إيواء السودان لشعوب كثيرة من دول الجوار، وكأنهم عين الشعب السوداني.

الكبار:

ولنزد الطين بلة قبل في موضع آخر: ليس في التقدم في العمر والكبر من عيب، ولكن العيب أن يتناسى الكبار والمتقدمين عمرا، مستقبل الأجيال التي خدمتهم في وقت الحوجة، وهاهي الآن تمشي تحتهم، إكبارا وإجلالا لهم بفارق العمر، وإحترامهم للشيوخ والكبار. وليس في الحقائق وقول كلمة الحق في باطل من حرج أبدا: هؤلاء الشيوخ والكبار يطأون ومنذ أمد بعيد حقوق الشباب المحفوظة لهم، من دون مراعاة ومن دون مبالاة “أهو إستهوان، تجاهل، نسيان، أم هو فقدان للذاكرة والخرف”. يتجاهلونهم، ويتناسونهم، وكأنهم لا ينتمون لهذا المجتمع بصلة. هنا تسعنا السانحة بكرم لأن نقول للواقفين على أمر هذه البلاد من جهات شتى: بأنه لا بد لأن يأخذ الشباب نصيبهم في التشكيلات الإدارية والتنفيذية ومن غير محاصصات. المحاصصات المخجلة، والمجاملات الثقيلة التي ليس لها مكان في الحقوق والعدالة. يجب أن يخجل الشيوخ الواقفين صفوف للحكم من أعمامنا، والذين هم الآن في أعمار ليست هي بأعمار للعطاء، “يكفي أن يفيدونا بالنصح الحكيم”. يأتي للأسف الشديد الوقوف بشفقة، وليس إشفاقا على إنسان هذا الوطن، بل إشفاقا على أنفسهم وإرثهم. الوقوف في محاولة لتسلق سلالم الحكم العالية والمتعرجة نوعا، ومهما كلف الأمر. كما يجب أن يختشي كبار الكبار الواقفين طابور من جدودنا” ذا أولدست أولد”، من العمل على السطو على مرامي الحكم في عرش مرتفع بثواره الكادحين. أبدي أسفي لمثل هذا القول، ولكنها الحقيقة التي تأتي مندفعة من أعماق النفس ولا تعرف المداهنة: في مثل هذا العمر يحرص الإنسان العاقل على كيفية التحكم على مخرجاته الطبيعية، وليس الحرص على كيفية السيطرة على المخرجات السياسية “مخرجات الحوار”. نقول مرة أخيرة، ولا نأمل في ترديدها أكثر وأكثر، وإكراما وإجلالا للكل: لقد حان الوقت ليخلد هؤلاء الحكماء العظماء أسماءهم بحروف من نور في صفحات أرشيفنا الحافل بالبذل والعطاء – تخليد لا تنساه لهم هذه البلاد وطنا ومواطنا – ويكون كل ما قدموه من عمل سياسي مفيد، ثواب لهم وفي ميزان حسناتهم.

التعويض:

ولنفسح هنا المجال للتحدث بواقعية عن موقع السودان خارجيا، ما يطلب منه، وما يريد الآخرون منا تنفيذه في ظروف قاحلة وطاحنة. أهو استبداد، أهو قرصنة، أهو استبذاذ أم هو استخفاف بنا؟ لقد علمتنا الحياة في الغرب، بأنه ليس هناك فلوس بدون عمل. أن تأتيك الفلوس وأنت جالس في مكانك. من أراد أن تضحك لك الفلوس، عليه أن يعمل. عن التعويضات التي تطلب من مواطن البلاد المسكين: فهي ليس لها مجال من في أرض الواقع، بأن يتبنى السودان كدولة فقيرة دفع 330 مليون دولار كتعويض للمتضررين من فعل إرهابي قام به تابعي للنظام السابق والمندثر. ولكل من رأى أن هناك جهة أخلت بحقوق الإنسان وانتهكتها، يمكن لهذه الجهة أن تطلب مرتكبي الجرم، وتأخذهم ليحاكموا بعدل وإنصاف. الشيء الذي يحفظ للكل حقوقه. فلا يعقل أن تزداد ديون الدول النامية على المواطن بسبب مجازر ارتكبتها حكومات وأتباعها، ويأتي الحساب أخيرا لمعاقبة المواطن الذي ليس له يد في ذلك.

والدولة التي تدخل في مثل هذا التلاعب، سوف لن تقم لها قائمة أبدا بالخنوع لغيرها من دول. فعلينا أولا أن نكون قدر جبتنا، وألا نشرع في كسوة الآخرين، ونبدي لهم عاريي الأبدان. كل هذا في عصر القرصنة والنصب على الشعوب الفقيرة، من اجل تمويل الحملات الانتخابية للفاشلين في حكمهم ووحدة شعوبهم. لا بد أن ترفض البلاد مثل هذه المقايضات، التي تدمر اقتصاد البلاد بطريقة منظمة. فيجب ألا نقبل بمثل وسائل الضغط هذه، ويجب أن نحاسب كل عميل حاول أو يحاول تحقيق مثل هذه المكاسب لدول تأتي به، وتتوجه كمسؤول لتمرير مثل هذه القرارات التي تضعف البلاد أكثر. كما علينا ألا نتخوف من التهديدات بحصار أي كان نوعه. هناك من الدول التي مازالت تحارب ومنذ أكثر من نصف قرن، على سبيل المثال كوبا وإيران. ما هو الشيء الذي لحق بهما؟ لا شيء باعتماد الدولتين على مواردهما الذاتية، لتخطي كل الحواجز التي وضعت أمامهما. إذا كان الموضوع يتجه للقرصنة واستبذاذ للسودان دولة وشعب، فليظل الحصار يعلق علينا لمئة عام أخرى. ولأهل المليارات الذين يستسخرون فينا الحرية التي دنت لنا لتوها، أن يحتفظوا بها، فلنا من الماء والأرض والثروات ما يكفي لعيشنا. وهناك كثير من دول القارة الأوروبية والآسيوية التي ترغب في كسب ود هذه السودان الواعد بثرواته وسوقه بجدية وصدق، وبعيدا عن القرصنة والاستبذاذ.

التطبيع:

فيما يخص التطبيع، وما أدراك ما التطبيع: لقد أتى قرار الحكومة الانتقالية في محله، وهو أن أمر التطبيع أمر يخص الشعب، وليس الحكومة الانتقالية، التي أبدت بأنه ليس لها الصلاحية في حسم أمر التطبيع. في هذه الخطوة المهمة، لا بد للشعب من الإدلاء بصوته فيها كما فعل الأشقاء في جنوب السودان، فيما خص موضوع الانفصال. فإذا رجحت كفة التطبيع من جانب المصوتين، فاليكن تطبيعا بحرية الشعب، في ظل احترام الاختيار الديمقراطي وأصوله فيما يفيد البلاد. كما لا بد من أن يكون لهذه البلاد مجلس للحكماء الخبراء، للحسم في مثل هذه القرارات المهمة. مجلس ليس من أهل السياسة، يجمع بين طياته فئة من الأكاديميين الأكفاء وذوي الخبرة الطويلة والمواكبة للتطورات العالمية. هنا على سبيل المثال، عمداء كليات الجامعات والمعاهد العليا، لإعطاء رأيهم بصورة محايدة في اتخاذ القرار النهائي لأهمم الخطوات التي تمس كينونة البلاد. القرار الذي يأتي مدروس ومقنن من أهل العلم والمعرفة، سواء كانت كليات سياسية أو اقتصادية أو قانونية أو زراعية أو بيطرية أو طبية او غيره، لا يندم على اتخاذه. الجهات التي تعني بأمر المواطن على المدى البعيد في شتى مجالات ومن دون مآرب سياسية. وهنا للذكر فقط: في كل الدولة المتقدمة توجد لجان عمل، تدرس خلف الكواليس أبعاد كل قرار تشرع فيه الحكومات، ومن ثم ترفع تقريرا مبدئيا يبين أبعاد القرار الذي يود أن يشرع في اتخاذه. هنا على سبيل المثال وببساطة: كتقديم دعوة لزعيم من الزعماء الأفارقة ليتحدث أمام برلمان الدولة ونوابه. بجانب كل هذا يظل السؤال المهم قائم: ما هو الشيء الذي يمكن للسودان أن يجنيه من التطبيع مع دول الجوار القريبة والبعيدة؟ إذا رجحت الفائدة المنتظرة من التطبيع، مع مراعاة حقوق الآخرين، فليس هناك ما يقف في طريقه غير رضاء الشعب والتصويت تجاهه. كما لا تفوت علينا السانحة في إفشاء تطبيع شامل وكامل بين أبناء هذا الوطن أولا، قبل الشروع في محاولات تطبيع يكتب لها الفشل بغياب الأول. هذا الشرط لا بد أن يكون من أهم الشروط، للشروع في التطبيع الخارجي، والذي يؤمن له عبر ذلك النجاح وعلى المدى البعيد.

السلام:

ولنقول لأنفسنا أخيرا: لقد فرطنا من قبل في فقدان أكبر قرعة في أفريقيا، بتفريطنا في جنوب السودان “شق القرعة اللين”، فيجب علينا ألا نفرط في الشق الآخر “الشق الناشف للقرعة” – نفقده ونتحسر على فقدانه. وهذا حتى لا نأتي ذات يوم لبقية دول العالم في ملمها، ونقول لها بصوت مرجرج: “قريعتنا راحت”. وتكون الإجابة منهم ولكل منا – وبكل استخفاف: ما شفنا ليكم قريعة، أمشوا شوفوا وين محل قريعتكم الرايحة!

العمل:

ولنكف عن الحديث المطول “نترك العجين لخبازه”، نترك الآفاق لحكومتنا الانتقالية لأن تعمل بجد واجتهاد، ولحركاتنا الأليفة لأن تقرر بتوقع اتفاق سلام عادل وشامل ويكون واقعنا مرضي لنا ولغيرنا في بلادنا، التي ما زالت تنتحب، منتظرة للاحتفال بالسلام – وقتها نحتفل احتفال “حلو” أو نسميه الاحتفال “بالعبد لله”، ونقول للعالم أجمع: لقد وقعنا سلام دائم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق