ثقافة وفن

أبنوسة ونخلة

عطبرة … حديد النضال ونار الهوى (٣)

أسامة الطيب

وكأين من مدينةٍ سمراء، تمشّط شعرها، بالضحكات، وتنتعل الدروب إلى الأرواح الغبيشةِ، الواضحة، تمهر أوراق عودتها من أسفل المحنّة، إلى أعلى علياء الصمود، بختم الصبر الأبيضِ المتوسط، وعزيمة النضال الملتهبةِ العليا، وعشق الإنسانيةِ الابتدائي، الذي يصطف على جانبي الفصل يغنيّ لوجه المحبة وحدها (هذه الأرض لنا)، فينبت في راحة يده حقل السلام، وتزهر في كتف وردته أغنيات “الخليل”، ويثمر “العطبرواي” الأناشيد السماوية، وجزيل العنفوان الإنساني، الذي يكدح إلى قلبه كدحاً، فنلاقيه، في الميادين الكبرى، يشعل النور في فصول المستقبل مسدلة الستائر، منصوبة النوافذ، ويشعل النار في دار “المؤتمر الوطني” فتطير الشرارة للبلاد من أقصاها إلى مرساها، ومن أدناها، إلى أعماق معناها ، تختمر البذرة في جوف تربته، وهو يقبض أصابعه عليها، فتتفلّت أوراقها من حدود أظافره النظيفة، لبلابةً سمراء فارهة، تتسلق كل عودٍ وكمنجةٍ يعزفان الكبرياء، وقلبٍ حفيٍّ بالحياة، وكمّامةٍ تقي النفس ملامح اختناقات البمبان ، وحين يستبد بها “الكجر” ، تتحوّل إلى “جردلٍ” يعطّل مفعولها الوسخ، أو كفّاً لصبيةٍ يافعة، تعيدها إلى أيادٍ آثمةٍ أرسلتها، ولكنها لا تعرف كيف تتحوّل إلى سيقانٍ لجريٍ لم يألفه عاشقوها ، بل صدوراً عارية، يتلبّسها الصمود والعزيمة والبسالة خليقة المعاني الشاهقة (وكلمتني عن الليالي وعن صباحات المداين، ماسكة بالبالين خطايا وعينا في عيني بتعاين، قبلتبي على الضكارة اليوما ما بتحوشو ساعة، عطبرة الوافر ضراعا ،عطبرة الكلما بردنا حررت في الروح نزاعا، ومدّت الحرية مركب دفرتا وفرّت شراعا، وفي صحايف بكرة شرّت احرفا وسنّت يراعا ،عطبرة الوافر ضراعا ،مرقّتنا من اغنياتنا وفرّقتنا على الشوارع ،حرّقتنا بأمنياتنا ونجّضت كل المقاطع ،حلّفتنا بامسياتنا النجمهن ما عندو مانع ،واتبهل موّالا موكب سنّ فالنا على الشداعة ،عطبرة الواحد هتافا الوحّد الشارع جماعة ،عطبرة الوضّت نضالنا وقمنا صليناك جماعة).

وما من قريةٍ تحاذي حدود مدينتنا الباسلة، إلا وخرجت في ركابها، تغبّر دروبها ساعة في سبيل الخلاص، وترشرش رمل الحياة على الميادين فسيحة الذاكرة، حينما كان تتمشىّ في أركانها الكبرياء، ويستأنس الأمل في نواصيها المفتوحة على بيوت القلوب وحيشانها المكنوسة بمقشاشةٍ عذراء في كفّ عروس مليحة، يحسّ الخضاب بعد شهر العرس الأول أنه ثقيلّ عليها، فيستأذن راحل، مخلفاً قشوراً متباعدة كأنها خريطة العمر القادم، تقف لوهلةٍ تعدل خصلتها النازلة على جبينها، فيقف الكون في “عديل” وقفتها، و”زين” سماحها الدهين، وخطوط “المقشاشة” على الرمل المرشوش ترسم ألف لوحةٍ لوطنٍ جديد، قادمٍ من وهدة الكابوس إلى أعلى سارية الحلم الصبيح، و”عطبرة” تناديها من كل الأحياء، تطالع، فترى الأصوات تخرج متناثرةً من كل صوبٍ، متحدةً من كل قلبٍ، وضميرٍ سليم، لم تَستطع سنين الظلام إلى نوره طريقاً، ترى أمامك الجلاليب والقمصان والفساتين، ترى المخيط، والمحيط، ومحيطات الجموع تهدر في ذاتها، وفي الشوارع، وفي التاريخ الوهيط، وفي “الداخلة” و”السودنة” و”الموردة شرق” و”الموردة غرب” و”حي السوق” و”الحصايا” و”الامتداد الشرقي” و”الامتداد الشمالي” و”امبكول” و”المربعات” و”حي المطار” و”السيالة القديمة” و”السيالة الجديدة” و”حي الكهرباء” و”خليوة” و”السكة حديد” و”حي العمال” والقلعة”  و”الطليح” و”الفكي مدني” و”حى العرب” و”حى الدرجة” و”المساكن الشعبية” و”المزاد” و”الوحدة” و”حى البنك العقارى” و”حى النزهة” و” حى الريان” و”حي الإذاعة” ،وفي اللحم الحي من كلّ صبيٍّ وصبيّة، غشت خيالاتهم غمامة الوعي الماطرة ، فخلعوا الصبر الفاسد ، وأبدلوه صبراً نافذ الجِدّة، وخرجوا للبلاد يبحثون عنها، يذكّرون المدينة الظانّة بنفسها شيباً، شبابها المستديم في كتاب الخلود، يمررون أيديهم على مفارقها الضفيرة، فيحيلونها سوداء لامعة، لا شيب بها ، ولا بياض وهنٍ عابر، يهمسون في أذنها (مالك ما اعتيادي

بقيت تزعل تعادي، كتير بتشوفنا انت وتمر بي غادي غادي، نعاين ليك ماشي تقول بتجينا غاشي، بتابا كمان تسلم وبرضنا ليك نماشي، لانك انت عارف لمّا تجينا غاشي، خليك اعتيادي، زي الطيف تعدي وفي عينيك تحدي، فايت بي طريقنا وابدا ما بتهدي، عاوزين نحن نعرف قبل الريد يعدي

مالك ما اعتيادي؟ الفي بالك انت، اشرحو حِتة حتة، قصدك قولو لينا لو تجرحنا حتى، وزي ما كنت اول ارجع تاني انت، خليك اعتيادي، يا سيد المشاعر كيفن تبقى ناكر، يا سيد المشاعر هل بي حالنا شاعر، كيفن تبقى ناكر، للعشرة الجميله ولي شوقنا المسافر، كل املنا انك ترجع لينا باكر وتكون اعتيادي) فتنكع راقصة، وكورس المحبة خلفها (يدوبي ليها ماضيها، وينادي ليها جاييها، يفتش ليها في التاريخ، ويسأل عنها المستقبل اللسع سنينو بعاد) ، وما أن تحين الساعة الواحدة، إلاّ وتطلق زغرودتها الفارقة، فتنبت ألف شتلةٍ من غد، وتثمر ألف نخلةٍ على ضفة “العطبراوي” النهر ، تسمع صوت الدم في شرايينها و”العطبراوي” الفنان لم يزل يغنّي لها في عينيه ترفّ نجمةٌ من أملٍ خبيء ونصرٍ موعود (أنا لست رعديداً يكبّل خطوه ثقل الحديد، لا لن أحيد عن الكفاح، وهناك أسرابُ الضحايا الكادحون، العائدون مع الظلام من المصانع والحقول، ملأوا الطريق، وعيونهم مجروحة الأغوار ذابلة البريق، يتهامسون، وسياط جلاد تسوق خطاهمو، ما تصنعون؟ يجلجل الصوت الرهيب، كأنه القدر اللعين، وتظل تفغر في الدجى المشؤوم أفواه السجون، ويغمغمون، نحن الشعوب الكادحون) فتهبّ واقفةً على ضفتها الخضراء وميدانها الأحمر بنار الهوى ودماء النضال القانية، تمسك الخريطة بيديها، فترى وقد مضى الناس للقيادة يصنعون بلادهم بأيديهم، وعزائم قلوبهم، يبيتون خفافاً عند منتصفها، ثقالاً عند “المتاريس”، يتناوبون على لوحتها بفراشة دمائهم أو ألوان صدورهم المفتوحة، أو ضحكات شبابهم في عز البمبان الطليق، وتؤدة شُيّابهم توزّع الحكمة بين صفوفهم المتراصة، ترى كل ذلك فتنادي، بصوتها العذب المجلجل، فيسمعها عبر خطوط الكون المفتوحة، وآذان التاريخ النابهة، القطار يحشد عرباته، يغرقها بالحياة والحياء، ويشدّ على رأسه العنيدة فيتلاحق الدخان، عابراً السموات، ومعبِّداً الأرض بنور الجموع تتقافز نحوه، يحتشد الحاضر بالماضي، فيتعانقان، وترى بين كل الشباب البهيج، “العمدة السرور السافلاوي” و”حاج الريح” و”الشوش” و “د. ياسين عمر يوسف” و”دكتور القراي” و”أمين عبدالمجيد” والاستاذة “زينب محمود” و”زينب الناير ” و”آسيا عبد الحميد” و”حسن احمد الشيخ” ودكتور “سيداحمد الخطيب” والبروف “علي حمدان” والبروف “العبيد الحسين العبيد” والبروف” عثمان السيد” والبروف “عادل رحمة” والأستاذ “عادل سعد” والأستاذ” الرشيد أحمد عيسى” والدكتور” جعفركرار أحمد” و “هاشم علي مالك” والأستاذة” ماجدة الدابي” و” العطبرواي” و” الشفيع أحمد الشيخ” ثم يهدر القطار من قيادة الثورة السودانية، إلى” القيادة العامة” ،يسير على السكة حديد، وعلى عناية الله، وفوق جَلد السودانيين الفريد ، وتحت سماء انتصارهم الوشيك، تنبض عروقهم (يا قطار الشوق متين ترحل تودينا؟ متين نوصل حبيبنا هناك راجينا؟)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق