ثقافة وفن

قصة أغنية

ما تهتموا للأيام …!

للشاعر عوض جبريل

د. محمد بدوي مصطفى

الكوارث هي إحدى الملهمات للأعمال الكبيرة، فضربات القدر في السمفونية الخامسة لبيتهوفن أو ربما هي طرقات صاحب البيت (المؤجر) الذي يسأل عن أجرة الشهر كانت كلها مؤثرات بل قل ملهمات في هذا العمل الذي طبع بصماته في الذاكرة الجمعيّة للعالم بأسره. قرأت في غير مقال عن حكاية أغنية (ما تهتموا للأيام) التي أعجبت بها في طفولتي وكم رددتها وأنا في طريقي إلى المدرسة أو على طاولة الأكل وحتى على قارعة الطرقات وعلى هوامش الفكر، وكأنها تحدثني بشيء غريب قريب كلما اشتد صلف الأقدار وتصافقها على الدينا، لتقول لي “الخير فيما اختاره الله ورب ضارة نافعة”.

لقد سئل شاعر الأغنية الراحل المقيم عوض جبريل ذات يوم عن هذا العمل الذي تغنّى به واشتهر على لسان الفنان كمال ترباس. في الحقيقة، ولمن لا يعرفهما فإن هذين الرجلين هما من أعلام وأنجم الأغنية الحديثة في السودان وهما غنيان عن التعريف. يقول جبريل أن أسرته قد تأثرت في عام من الأعوام وبشدة بكارثة السيول والأمطار التي تحطم إثرها منزله بحي الثورة بأمدرمان. لقد دأبت في تلك الليلة الموحشة زوجتي وأولادي في نشل الماء الذي امتلأ به حوش المنزل إلى الشارع الخارجي الذي هو غرقان حتى النخاع في يمّه. كانت أرجاء البيت تصدر أصواتا على شاكلة “الطرقعة” ولا سيما السقف الذي ناء بحمل الماء الطافح عليه. يستطرد قائلا؛ كانت زوجتي تعاتبني منادية “يا عوض كم من مرة قلت لك لابد أن تصين هذا البيت!”. على كل وفي نهاية المطاف سقط المنزل على عروشه وانهدم على مرأى ومسمع من كل الجيران والأحباب، وفي تلك اللحظات العصيبة جاءتني خاطرة وطيف لأغنية، بدأتها كمخاطبة لزوجتي ب: (ما تهتمي للأيام).

ما تهتمي للأيام ظروف بتعدي

طبيعة الدنيا زي الموج تجيب وتودى

ما تهتمي للأيام

٭٭٭

ما تهتمي اصلو الناس حياتها ظروف

بتتعود تغير كل خط مألوف

مصير الزول حياته ياما فيها يشوف

وفى دنيانا بنلاقي الفرح والخوف

ما تهتمي للأيام

٭٭٭

مصير الزول عشان يفتح طريق يادوب

يكون زاده البشيله معاهو شوق مشبوب

عشان يلقى انتصاره يا زمن محبوب

يذوق المرة ويتوشح بصبر أيوب

وما تهتمي للأيام

٭٭٭

جمال الدنيا في بسمة سرور وجمال

وفى فرح الخواطر الطيبة في الآمال

وفى شروق الصباح في بسمة الأطفال

ومهما تظلم الأيام ضياها الفأل

وما تهتمي للأيام

يقول جبريل، حقيقة ربّ ضارة نافعة فلقد عمل الفنان كمال ترباس فيّ خيرًا كبيرًا عندما كُلف من قبل وزير الشؤون الاجتماعية معالي الوزير عمر الحاج موسى (رحمه الله) بالغناء بسجن كوبر للترفيه عن السجناء. فعندما غنّى أمامهم ما تهتمي للأيام، انفعل كل المساجين معه وبكى منهم من بكى ورددوها بأصواتهم التي أتت من أرجاء السجن من كل صوب وحدب. سأل الوزير المطرب كمال ترباس: من شاعر هذه الأغنية؟ فأخبره أنها من كلماتي وقد أعلمه ساعتئذ بالظروف التي فجرت ينبوع كلماتها. فطلب منه متوددا الآتي، ثم قائلا: غدًا في الصباح الباكر أنتظركما في مكتبي أنت وعوض جبريل. وفي حضروهما قال لهما معالي الوزير: هذه أغنية عظيمة وينبغي أن تخاطب ضمير واحساس الشعب السوداني قاطبة، لأن ظروف الناس كلها هكذا، ولي رجاء خاص، أن تعدّل الضمير المتصل في فعل الأمر من المفرد المؤنث إلى واو الجماعة، فعدلها من فضلك إلى (ما تهتموا للأيام) بدل (ما تهتمي).

قام السيد الوزير في الفور بتسليم الشاعر عوض جبريل تبرعا من وزارة الشؤون الاجتماعية وكان كفيلا بأن يعوضه ليبني بيته من جديد. اللهم افرجها على أهل السودان قاطبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق