ثقافة وفن

في حوار مع المؤلف الموسيقي والإعلامي المغربي عز الدين أحنين

لذة الانتصار في وطن الهزيمة

كم هي حلوة رشفات مرارة قهوة الصباح، وأنا أحاور في جلسة صحفية الأستاذ عز الدين أحنين في مناحي الحياة الفنية والثقافية، ومستجداتها على المستوى الشخصي للرجل الذي يحاول قدر الجهد واﻹمكان الانتصار على هزائم الوطن وإحباطاته وانكساراته، من خلال ما يحققه من إنجازات من تحت أنقاض وركام هذا الواقع الذي لا يرتفع، إيمانا منه أن الإنسان والانتصار كلمتان مترادفتان في قاموس الحياة وخيوط القدر المنسوجة في الصحائف.

عطفا على ما سبق حملت إليه أسئلة في محاولة لسبر أغوار الواقع الفني والثقافي كما يتصوره الأستاذ عز الدين أحنين. 

حاوره عبد الحي كريط

<  في زمن الجائحة كانت مساهمتك الفنية غير متوقفة من خلال مشاركتك في وضع موسيقى تصويرية لسلسة دولية، فما هو السر في ذلك؟ مع العلم أن الجائحة كان أثرها بليغا على السواد الأعظم من المثقفين والفنانين

> أن تكون مثقفا أو فنانا في منظومة سياسية واقتصادية واجتماعية كمثل منظومتنا، لعمري هي تلك الجائحة الحقيقية، أما الجائحة التي حلت بنا فإن الكثير من الباحثين والعلماء يبذلون الجهد الجهيد ﻹيجاد اللقاح المناسب، كما أن المسألة لا تعدو أن تكون مسألة وقت وتنتهي جائحة كورونا. 

لذلك لا أولي الاهتمام البالغ لجائحة عابرة قد تنتهي في أي وقت، بمجرد نجاح المختبرات في إيجاد العلاج المناسب وتعود الحياة إلى طبيعتها كما عهدناها في السابق، لكن السؤال الذي يطرق أبواب عقلي ويشغل فكري هو البحث عن العلاج أو اللقاح السياسي لجائحة واقعنا، وهي جائحة مازالت أعراضها تنخر جسد الوطن.

الجائحة الحقيقية ألا تشمل سلطة القانون كل الناس ألا يتمتع الجميع بتكافؤ الفرص ،الجائحة الحقيقة أن ترى حقوقك يسطو عليها الغير فقط لغياب سلطة العدالة ،الجائحة الحقيقة أن تظل سنوات وراء اﻷبواب المغلقة تطرقها ولا من يجيب، كثيرة هي أعراض الجائحة المستدامة حتى أن السلطة العليا في البلاد تطرح السؤال عن الثروة ومآلاتها ومن يستفيد منها وبالعودة إلى سؤالكم، دعني أؤكد لكم أن التطبيع مع الجوائح هو مفتاح سر لمجابهة مخالب الزمن وشراسته؛ ومثلنا في ذلك ما أقدم عليه الفاتح والقائد العظيم طارق بن زياد حين أحرق السفن وترك الجند بين الوجود واللاوجود، وقياسا على ذلك أستطيع القول أن السياسيين في زماننا يحرقون اﻷمل في المستقبل كل صباح لنترك نحن كذلك أمام حياة أو لا حياة. 

< رغم كل هذا أرى أن العجلة تدور بالنسبة إليكم، فما هو جديد هذا الدوران؟

> حتى غاليلو حين ذهبوا به إلى الإعدام لم يتردد في إشهار مقولته أمام الكون، حين قال: ومع ذلك تدور.

شخصيا أعتبر هذا الموقف قدوتي في مجابهة الصعاب إيمانا مني، أن إنسانيتنا تكمن في شعورك بالانتصار على طبيعة الأشياء، سواءا كانت هذه الطبيعة طبيعة بشرية أو طبيعة بيئية. 

وردا على ما تفضلتم به، يسعدني أن أخبركم أن دوران العجلة يحمل أخبارا سارة مفادها، أن السلسلة الدولية التي شاركت فيها كواضع للموسيقى التصويرية ستبث يوم 18 نونبر 2020   

hulu على القناة الامريكية

الكائن مقرها بسانتا مونيكا كاليفورنيا وللإشارة فإن السلسة من ثمان حلقات وتحمل عنوان” بلاد لا أحد”  كما أخبركم أنني أضع اللمسات الأخيرة لبرنامج على اليوتيوب بعنوان أوقات شعرية .

انها أخبار بمثابة الاوكسجين تحت أجهزة التنفس الصناعي.  

< هل لكم تصور معين للتفاؤل والتشاؤم؟ ﻷن ما تحققونه مبعث للتفاؤل على طريقة المنهج الكانطي، في حين أن تعليقاتكم على الواقع متشائمة على طريقة المنهج النيتشوي

> ستجد الجواب أستاذي الجليل في طيات سؤالكم، كما أنني أحيلك على منهج آخر في التعامل مع الحياة بكل تمظهراتها وتجلياتها المتناقضة، وأقصد هنا المنهج الذي اعتمده الشاعر الكبير إيليا أبو ماضي حتى أنه سمي “بالمتشائل”

إن تشريح الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي بآليات وأدوات ثقافية وفكرية أراه الحل الأنسب لتحديد النسب المئوية للتفاؤل والتشاؤم داخل الشيفرة الوراثية الاجتماعية للفرد والمجتمع.

فكثيرا ما تحدثوا عن إصلاح التعليم على سبيل المثال وفشلوا في ذلك فشلا ذريعا،في حين أن اﻷمر يحتاج إجرائين إثنين أولهما أن تتضمن المواد العلمية السؤال الفلسفي، وثانيهما أن تتضمن المواد اﻷدبية أو المعروفة بالعلوم اﻹنسانية مادة المنطق.

فبناء اﻹنسان في حاجة إلى فكر فلسفي يجيب على سؤال المستقبل كما أنه في حاجة إلى دراسة المنطق للإجابة على السؤال العلمي في حياة الفرد والجماعة.

إن التفاؤل والتشاؤم هما نتيجة واقع وليس نتيجة فكر قد نبني عليه تصورا.

< هل هناك في حياتك شيء مازال يستحق النضال من داخل الوطن؟

> في الغدو والرواح نتنفس النضال، والوطن شهيقا وزفيرا، محبة في تربة تمنح الكثير، ووفاء لمن مر من هنا، كانوا سادة وقادة في النضال الذي اتخذته سبيلا ومنهجا دون رفع الراية البيضاء أمام شرذمة من الانتهازيين والوصوليين وقطاع الطرق، وأخص بالذكر هنا الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة المغربية التي سرقت إحدى أعمالي الفنية، والتي لن أتوانى في الدفاع عن هذا الحق حتى استرجاعه عملا بمقولة الشاعر أبو فراس الحمداني 

نحن قوم لا توسط بيننا

لنا الصدر دون العالمين والقبر 

وهنا أتساءل بحدة وبشدة، لماذا لا يريدون إيصال صوتي إلى الملك رغم رسالتي المفتوحة إليه، ومالذي يخيفهم في ذلك أو يخافون عليه من ذلك.

< ما رأيك لو أن الملك أخذ علما بالأمر ولم يتدخل لاعتبارات مجهولة؟

> أشكرك جزيل الشكر على هذا السؤال الذي لو لم تطرحه لطلبت منك أن تطرحه، حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط اﻷسود في إستجلاء واضح لحقائق اﻷمور كما نؤمن بها إيمانا راسخا لو أن الملك أخذ علما بالأمر ولم يتدخل لرأيت الكون أشرف على الفناء، لو أن الملك أخذ علما بالأمر ولم يتدخل لرأيت العالم يشهد أنفاسه الأخيرة في قيام الساعة.

إن الملك ملك مواطن وضامن للحقوق ونعده ملاذا لكل صاحب حق، فكثيرا ماتدخل في قضايا مماثلة وربما أقل باعتباره أب الجميع.

إن الملك محمد السادس ملك مواطن يتمتع بذكاء القلب وهي الصفة التي أحب أن أصبغ عليها الرجل وقد خاطبته بها في رسالة مفتوحة إليه وسأظل أجاهد حتى يصله صوتي وبكل الوسائل الممكنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق