ثقافة وفن

قراءة فى كتاب الدين فى مصر القديمة لـ آبكار السقاف (1)

جيهان خليفة

الدين عقيدة صاحبت نشأة الألوهية    الإله لا يتجلى على الجبال ولا يخاطب بكلام!

أي فكرة تموت لحظة التوقف وكذلك أى دين منغلق على يقين عندما بدءت رحلة بحثى عن الإله فى الأديان صدمت بكم التشويه الذى لحق به ، فالإله هناك يجلس على عرشه الذى تحف به الغيوم جل إهتمامه هو مراقبتنا من أجل تلك الجنة الحسية الخالية من أى لذة روحية أوللزج بنا فى ناره الحامية ، هكذا صورت لنا الأديان الإبراهيمية الإله ، وبرمج عقلنا الجمعى بدون أدنى تفكر منه على قبول هذه الصورة بل وعبادتها ، الله «نفس» فكرة مجردة هذا ما تحاول آبكار السقاف تلك الرائعة الوصول إليه فى كتابها «الدين فى مصر القديمة « التى تحاول من خلاله البحث عن الإنسان أو البحث عن الله فى الإنسان ، فالسقاف تستحق وبجدارة أن يوضع إسمها بجوار إبن عربى والجيلانى والحلاج شهيد رؤية الحق وهكذا تأتى السقاف لتؤكد مشاهدته ورؤيته .

الدين عقيدة صاحبت فكرة الأولوهية

ما الوجود؟ وما الألوهية؟ بل ما الصرح الذي قام على الوجود والألوهية؟ ما الدين؟ بل ما تاريخ الإنسان؟ وعقل الإنسان؟ كلها تساؤلات تطرحها السقاف فى بداية كتابها حيث ترى الدين عقيدة صاحبت الأولوهية فإذا سألنا كيف نشأ الدين فالجواب بنشأة فكرة الأولوهية فبين الصلة بين العابد والمعبود يقوم الدين هكذا ترى السقاف.

عندما نريد دراسة الدين لابد أن ندرسة على أسس علمية سليمة من قواعد العلم مثل علم الحياة، الأجناس، علم النفس، فتاريخ النفس البشرية فى تاريخ العقل البشرى.

الدين فكرة تطورت بتطور مراحل الإنسان

تشير السقاف: إلى أن فكرة الدين تطورت بتطور مراحل الإنسان فقد نشأ وليدا مر بمرحلة الطفولة التى طبعته بالسذاجة وسرعة التصديق وإعتناق الأوهام عقائد والتشبث بها والإيمان بأنها الحق هذه التصورات تتماثل مع طبيعة حياة الإنسان وقتئذ فى عصور الهمجية والواحدات القبلية وإنتشار البدائى من الأديان ، ثم مرورة بمرحلة الصبا مرحلة التمرد فى هذا الطور يستجيب الفكر الإنسانى لعصور الحضارة ، وسيادة الأقاليم ، وإنتشار الشك والتحرى، ونسخ قديم بجديد ،وجديده القديم فى صورة التجديد فمن نفس مادة الأساس قام جديد أديان ، أما فى مرحلة الشباب والنضج فقد أحاط الفكرالإنسانى الدين بالحواس والعاطفة ، ومن ثم إذداد إيمانه بأنه كان على حق فيما شك ، فبدأ يفند من القديم مارآه نافع وأتى بجديد من نفس القديم ، آمن بصحته كل الإيمان ، فبدأ يسيج عقائده بالقدسية ويحفها بالوحى المنزل،  بل ويفرض أوامره فرائض هذا الطور مناسب لعصور الوحدات السياسية التى بدءت تتشكل لتعلن قيام رسمى للأديان .

تقول السقاف :» الدين مر بمرحلة التجربة فأضفت عليه هذه المرحلة الرزانة والمهابة والتعقل ، هذا هو طور المدنيات والفلسفات ، ثم ينتهى به المطاف لمرحلة السكينة والوهن فإتسم بسمات المرحلة ، ومن ثم ركن على إلتماس الراحة هذا الطور الذى يستجيب لعصور شاهدت نهاية عهود سياسية وبداية عهود أخرى ومغيب الفلسفات ، فى ظل هذا الغياب للفلسفة إختار العقل ما قد أتى به من فكر وفلسفات وعقائد الأديان ، فهذا الطور طور مزج الأديان بالعقليات ، ومحاولة التوفيق بين القديم من الأديان والحديث وتحميل قديم النصوص بجديد المعانى إبتداع بدعة «التأويل» وسيادة الدين الرسمى .

كل هذه المراحل التطورية الطبيعة تحكمت فى تفكيرالعقل الإنسانى وحتمت نظرياته فى الطبيعة وما بعدها التى يقوم عليها الدين.

فكرة الأديلن إنحدرت من الطبيعة

وبما أن موضوعنا الدين فلابد أن نشيرإلى مصدرين مهمين إنحدرت منهم فكرة الأديان أولهما الطبيعة أو الوجود فقد كانت مشكلة وجد العقل الإنسانى نفسه متجها عبر مراحل حياته التطورية بإيجاد تفسيرات وحلول لمظاهرها المختلفة هذه الحلول تدفقت عبر ينابيع ثلاثه فى النفس الإنسانية الينبوع «العاطفي «، «العقلي «، «النفسي « ، عبرهذه الينابيع تغيرت ومازالت تتغير النظرة إلى الطبيعة أو الوجود فعبرها تنحدرعقائد متباينة فمن الينبوع العاطفى تنحدرعقيدة الخلق أما عقيدة الأزلية فمنبعها الينبوع العقلى وأما العقل فى تمام نضجه فيخرج منه الينبوع النفسى فى هذا الجانب يصغى العقل إلى صوت النفس يحمل الحب الذى يشمل الوجود بموجوداته الحب الخالى من أى غاية إلا من الحب فهو من فيض الحب مشيرة الى أن هذا الينبوع تنحدر منه عقيدة الصوفية عقيدة الصدور والفيض.

على هذه الأسس فى التفكير يقوم التفكير الإلهى وبالتالي العقيدة فى ألوهية. هذه الينابيع تتجلى فى مظاهر ثلاثة الينبوع العاطفى يتجلى فى المظهر الإجتماعى أو التالية البدائي، الينبوع العقلي يتجلى في المظهر الفلسفى أو التألية العقلي، أما الينبوع النفسى يتجلى فى المظهر الروحي أو التأليه الصوفي.

عرش «الإله» يشيد فى السماء بالتزامن مع إقامة العروش على الأرض

ترى السقاف: انه عندما نفكر فى الإله تحت المظهر الإجتماعى نجده يصطبغ بالتأليه «البدائى» ففى هذه المرحلة من التفكير الإنسانى بدأت تتجمع الأقاليم تحت سيادة إقليم واحد يربط بينها وحدة سياسية وحدت الآحاد فى واحد وبذلك جرت العقيدة الإلهية الى مصب الوحدانية ولكنها وحدانية مادية خشنة وجافة، وبالرغم من التطور العقلى للإنسان من الهمجية إلى التحضر والحضارة إلاأن صورة الأولوهية مازالت مادية فطرية بدائية! حصرتها المكانية فى السماء وقيدتها الجسمانية فى جسم فى هذا الطورأدعى للإله على الجبال «تجلى ورؤية وكلام»!! فى هذه الفترة من عمر الزمن والعروش الأرضية تقام على الأرض أقيم عرش الإله فى السماء ومع مرور الزمن وتحول الإنسان من طور التحضر إلى المدينة بدء يخلع عن الأولوهية الصبغة التى صبغها بها فى طور حداثته بدء يتحول من المادية التى صبغ الأولوهية بها إلى التجرد إلا أن العقل الجمعى فى مجتمعة بدء يتهمه بالحيدة والزيغ والمروق عن موروث الآباء ، وعن التفكير الإلهى تحت المظهر الفلسفى التجريد فى هذه المرحلة من التطور الإرتقائى للعقل الإنسانى لا يعتمد إلاعلى نفسه لا يعتمد لا على نص ولا على نقل فقط إجتهاده الخاص تفكيرة لذاته فالتطورالطبيعى لسنة النشوء والإرتقاء قد طفر به فكرا يستنتج ويدلل ويبرهن ويدفعه متسائلا فينتزع البراهين على وجود إله مع وجود البراهين بدء يجادل الصفات ويناقش الصلة ثم يأتى بحلول للمشاكل الثلاثة التى يشتمل عليها التفكير الإلهى تحت هذا المظهر، الإثبات إثبات وجود إله ، الصفات التى تتفق والأولوهية، والصلة بين الله والوجود ، لقد إنتهى العقل على وجود «إله «مطلق الوجود وأثبت ذلك بالبراهين سواء براهين ما بعد الطبيعة أو البراهين الطبيعية أو الأخلاقية أدت هذه البراهين إلى الوصول لفكرة تجرد الألوهية تماما إلا من اللامجردات فنفيت عن الإله صفة العنصرية – المكانية – الجسمانية نفيا نفى «التجلى والرؤية والمكالمة « ، نحن هنا وصلنا إلى الأولوهية العقلية «تألية عقلى « إتجاه العقل الإنسانى إلى دراسة الموجود من حيث ما هو عليه من موجود حسى أو العالم الخارجى الى الموجود المعنوى أو العالم الداخلى وصل العقل الى أن الموجود المطلق عله وجود العالمين بذلك وصل العقل للدرجة القصوى من التفكير النفسانى ووقوفه فى قمم التفكير الإلهي تحت هذا المظهر.

هنا يبرز سؤال هل مستغنى الموجود المطلق عن كلا العالمين الحسي والمعنوي أم أنه مؤثر فيهم ولهما مبدأ واحد؟

لإدراك الموجود المطلق طوى الفكرالإنسانى العالم الخارجى عنه باحثا وإتجه إلى العالم الداخلى ليصل بنا الى التفكير الإلهى تحت المظهر النفسى فى هذه المرحلة بلغ تطور العقل الإنسانى القمة وإنبثق أمامه أفق لا نهاية له وفى هذا الأفق اللامتناهى إنبثق تياران متعارضان كلا منهما فى إتجاه فى نهايته يتجلى الإله ، الأول علة الوجود ومنشؤه المفارق والمختلف عنه إختلافا جوهريا وغير خاضع للواقعية التى تسوده أما الأخر يتجه إلى طريق فى نهايته يتجلى الإله غير مفارق للطبيعة اوالوجود ، وأمام ذلك تساءل العقل الله أمتعدد الوجود ؟ أم تشمل تعدده وحدة سؤال بعث بمبدأين التعدد أى تعدد الوجود ، والوحدة وحدة الوجود ، هذا الإمعان فى التساؤل إنبثق عنه معنيان مختلفان فى أحدهما يظهر الوجود هو وحدة الحق والإله مجموعة أجزائه تسجل «وحدة الوجود الطبيعية « ، الآخر يتراءى الإله هو وحده الحق وبموجوداته الوجود شىء فيه ومنه لكن هذا المبدأ تفرع إلى فرعين مختلفين الأول ظهر الوجود مجموعة من الإنبثاقات فاضت عن الإله فسجل وحدة الوجود النفسية أو المذهب الوحدوى أم الفرع الأخر تبدى الوجود مجموعة مظاهر يبدو فيها الإله بصورة حلولية فسجل وحدة الوجود الحلولية أو المذهب الحلولى بهذين المذهبين الوحدوى والحلولى ما الوجود سوى ظلال لحقيقة بذلك العقل الإنسانى إتجه عن الفلسفة العقلية إلى شفافية الروح دخل الأفق الذى تتلاشى فيه الفواصل بين المادة والروح تلاشيا شعت به الروح وإطمأنت النفس إلى وجود النفس!

يصل بنا التفكير النفسى إلى أن الشىء الحقيقى الوحيد فى الكون هو النفس التى أدركت أن الوجود تصورى والكون وهمى سرابى وبالتالى المدرك للوهم ليس بوهم ، والنفس قبس من نفس كبرى هى ما عنه يبحث العقل ويسميها الإله «الإله النفس»  والنفس منه قبس ومن ثم معرفته فى النفس كامنه من هنا إستغنى العقل عن مناقشات الإثبات والصفات والصله الإله لا يرتكز فى إثبات وجوده أوذاته إلى الفكر الإله مثبت وجودة عن طريق الإشراق الإله مشرق على النفس يحجبه عنها كثافة الماديات ، الإله يتجلى تجليات فردية خاصة بنورانية تشع داخل النفس تغمرها بحالة لا تتماشى ومعروف أساليب العقل شعورلا يقبل شك فى أن الإله تجلى ! ، الإله لا يتجلى على الجبال ولا يخاطب بكلام فهو نفس النفس شىء مجرد والمجرد إلى الإله إرتفعت النفس بنفسها وإليه صعدت فتجلى لها هنا ينتفى الوحى الهابط ليؤكد الوحى الصاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق