آراء

ساعة لعقلك

الوجه الآخر للبعوض

د. علي عفيفي

هل تعلم ما هو أخطر حيوان على وجه الأرض؟

إنه البعوض (الناموس)، تلك الحشرة الصغيرة المزعجة التي تنتشر في فصل الصيف وتتغذى على الدم فتنقل العديد من الأمراض (مثل الملاريا وحمى النيل الغربي والحمى الصفراء) من شخص مصاب إلى شخص سليم. الملاريا وحدها تصيب أكثر من مائتي مليون شخص سنوياً وتقتل منهم ما يزيد عن أربعمائة ألف شخص1. لماذا إذن لا نقضي على كل البعوض لنحمي العالم من تلك الأمراض الخطيرة؟ الأمر ليس هيناً كما يعتقد البعض، فالبعوض يستطيع المعيشة في أصعب الظروف البيئية، ويكتسب مناعة باستمرار لكل المبيدات الكيميائية التي تستخدم ضده. يكفي أن تعلم عزيزي القارئ أن مرض الملاريا أصاب الإنسان قبل حتى أن يعرف الزراعة2، وحتى الآن، ورغم كل هذا التطور العلمي لم يستطع الإنسان أن يتخلص من البعوض الناقل للملاريا. ولكن، إذا افترضنا أننا سنتوصل يوماً ما لوسيلة نقضي بها على كل البعوض في العالم، فهل يجب أن نفعل ذلك حقا؟

قد يبدو سؤالاً سهلاً، ولكنه يثير جدلاً كبيراً بين المشتغلين بأبحاث الملاريا، فنحن هنا نتكلم عن كائن حي عاش على وجه الأرض قبل ظهور الإنسان، فهل نقضي عليه بهذه السهولة؟ هل يمكن أن يحدث أي خلل بيئي إذا اختفى البعوض فجأة من عالمنا؟

دعني أسأل ذلك السؤال بصورة أخرى، هل للبعوض أي فائدة؟ سواء للإنسان أو للبيئة بوجه عام؟ الإجابة هي نعم بالتأكيد، فما من كائن على وجه الأرض إلا ويتفاعل مع البيئة والكائنات المحيطة بصورة ما. البعوض مثلاً يعتبر غذاء رئيسي للكثير من الكائنات مثل بعض الحشرات الأخرى والضفادع والأسماك.  ولكن تعتبر أهم فوائد البعوض هو أنه يساعد في تلقيح الأزهار، فبالإضافة إلى الدم، تتغذى إناث البعوض على رحيق الأزهار في بعض فترات حياتها، بينما تتغذى الذكور على رحيق الأزهار فقط3.  وجد العلماء مؤخراً أن بعض النباتات مثل الأرز والذرة وقصب السكر تطلق روائح تجذب بعوض الملاريا4، مما يشير إلى دور البعوض في تلقيح تلك النباتات الهامة للإنسان. هذا الانجذاب إلى نباتات بعينها يعتبر شديد التخصص، ففي دراسة حديثة وجد العلماء أن البعوض الناقل لمرض الحمى الصفراء ينجذب إلى أزهار بعينها من عائلة الأوركيد دون أن ينجذب إلى أزهار أخرى من نفس العائلة5.  وجد العلماء أيضاً أن رائحة النوع الأول من أزهار الأوركيد تنشط أعصاباً متخصصة في مركز التعرف على الروائح (ال Antennal lobe) في مخ البعوض مما يؤدي إلى انجذاب البعوض إلى تلك الأزهار. المثير هو أن رائحة النوع الثاني من الأزهار ينشط أعصاباً أخرى متخصصة في التعرف على المواد الطاردة للبعوض، مما يؤدي إلى تجنب البعوض لتلك الأزهار5. كل تلك النتائج تشير إلى علاقة تكافلية قديمة بين البعوض ونباتات بعينها، بحيث يتغذى البعوض على رحيق الأزهار في تلك النباتات، وفي المقابل يقوم البعوض بتلقيح الأزهار حتى تثمر. هل يعني ذلك أن القضاء على البعوض سيؤدي إلى انقراض تلك النباتات؟

لا أحد يعلم على وجه التحديد، فوقتها قد تقوم حشرات أخرى بنفس المهمة التي يقوم بها البعوض الآن، أو قد تؤدي العلاقة التكافلية شديدة التخصص بين البعوض والنباتات التي يقوم بتلقيحها إلى اختفاء تلك النباتات. في كل الأحوال، قد لا نضطر إلى أن نشهد ذلك، فالمحاولات المستمرة لإبادة البعوض تسير جنباً إلى جنب مع محاولات أخرى تهدف إلى منع البعوض من نشر الأمراض، وليس القضاء على البعوض نفسه. ولكن هذا أمر يطول شرحه، فليكن للحديث بقية.

مصادر

• WHO World Malaria Report 2019

https://www.who.int/publications-detail/world-malaria-report-2019

• Tanabe K, Mita T, Jombart T, et al. Plasmodium falciparum accompanied the human expansion out of Africa. Current Biology (2010). doi.org/10.1016/j.cub.2010.05.053

• Barredo E, DeGennaro M. Not just from blood: mosquito nutrient acquisition from nectar sources. Trends in Parasitology 36 (5), 473-484 (2020).

• Wondwosen B,  Birgersson G, Tekie H, et al. Sweet attraction: sugarcane pollen-associated volatiles attract gravid Anopheles arabiensis. Malaria Journal, 17 (2018), 90 (2018).

• Lahondère C, Vinauger C, Okubo R. P., et al. The olfactory basis of orchid pollination by mosquitoes. Proceedings of the National Academy of Sciences. 117 (1) 708-716 (2020). doi.org/10.1073/pnas.1910589117

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق