ثقافة وفن

حول الآية الكريمة: {عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَج} سورة القصص

بدر الدين العتاق

أشكل فهم الآية الكريمة: ‭{‬على أن تأجرني ثمانية حجج‭}‬ سورة القصص؛ لدى بعض المفسرين والشراح والمتكلمين والباحثين والمهتمين؛ وقد جاءت أغلب التفاسير بفهم معكوس للآية [بعظم ما جاءوا به من جهد كبير؛ جعله الله في ميزان حسناتهم] في السياق العام لقصة موسى بن عمران؛ وشعيب؛ عليهما السلام؛ وهي قصة من قصص موسى بن عمران؛ عليه السلام؛ وهذا ما ينبغي توضيحه هنا إن شاء الله.

سياق الآيات القرآنية التي في صدر سورة القصص والمتكلمة عن توجه موسى بن عمران؛ عليه السلام؛ لمدين [تقع في شمال غرب جزيرة العرب مع حدود الأردن وبها مساكن شعيب وهي عبارة عن مجموعة كهوف صغيرة قطنها أهل مدين قبل أكثر من ألفي عام في بيئة صحراوية قاحلة] بعد خروجه من مصر الفرعونية والتي وجد فيها شعيب؛ عليه السلام؛ والخبر معروف بالضرورة مما يغني عن الإعادة هنا.

لكن، ما يهم في هذا الموضوع هو المفهوم اللغوي الذي تناثر في الكتب منذ الزمن البعيد؛ ومما يؤسف له هو عدم الانتباهة من اللغويين خاصة وأهل الشرح والتفسير عامة؛ كيف فات عليهم معرفة المصادر المؤولة للأفعال الثلاثية المتعدية ومعناها حيث يقتضي السياق؟ هذا! فإن كلمة: ” أجر ” من قوله تعالى: ‭{‬ليجزيك أجر ما سقيت لنا‭}‬ موضع الإشكال الذي خلق ازدواجية المعايير اللغوية بمقدار كبير وهو ما بعد بهم من المعنى الحقيقي المباشر؛ وقد انتبهت مؤخراً لجملة التفاسير وما بها من الأخطاء التعريفية اللغوية والعرفانية مما لا يصلح اليوم بميزان حكم الوقت وتطوير الأحداث الحياتية وهذا ما ساقني بعون الله تعالى أن أحاول جاهداً بقدر الإمكان ما استطعت إليه سبيلاً أن أبينه هنا وفي غير هذا الموضع من الكتاب؛ وما توفيقي إلا بالله.

قوله تعالى: (أجر ما سقيت لنا) تعني إن شاء الله: من أجار المرء يجيره (الإيجارة) أي: حماه ومنعه ودافع عنه وصانه وحفظه وذاد عنه؛ وليس من الأجر المادي المعروف مقابل عمل ما ” الأجر النقدي ” أو ما شابه؛ وإن كان بعيداً هذا المعنى عما هو مألوف للعامة لكنه هو الحق لا غير.

قال تعالى بسورة التوبة: ‭{‬وإن أحد من المشركين استجارك فأجره! حتى يسمع كلام الله؛ ثم أبلغه مأمنه! ذلك: بأنهم قوم لا يعلمون‭}‬؛ وقوله تعالى بسورة ” المؤمنون “: ‭{‬وهو يجير ولا يجار عليه‭}‬؛ ومما سبق نعلم بالضرورة أن شعيبا وبناته كانوا في موضع ضعف وهوان [الوضع الاجتماعي ضعيف وليس في منعة من قومه] وليس لشعيب؛ عليه السلام؛ من يدافع عنه ويذوده ويحميه ويصونه ويصون عرضه؛ فلما حدث لبنتيه ما حدث وما تعرضا إليه من تضعيف (قال ما خطبكما؟ قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير) كان حتماً عليهم البحث عمن يقوم بهذا الأمر السامق بطبيعة الحال؛ فعامل السن الكبير لشعيب وحالة ضعف ابنتيه (التردي المجتمعي) هما العلة في المنع من الذود؛ والذود هنا غير الذود هناك؛ فالأولى تعني: أخذ الماء من البئر أو من مورد مشرعها / وهنا القصة من القصص / والثانية تعني: الحماية والحصانة والمدافعة والمنعة والإجارة؛ فوجب التفريق بين الإثنين في المفهوم اللغوي.

أما كلمة: ” تمشي على استحياء “؛ فتعني إن شاء الله: طلب الحياة وليس من الخجل كما هو شائع؛ ف الهمزة والسين والتاء؛ إذا سبقت الفعل فتعني الطلب كقوله تعالى بسورة الكهف: ” استطعما أهلها ” يعني: طلبا الطعام؛ ويقابل كلمة: ” استحياء ” في المعنى والرسم كلمة: ” ويستحي نساءكم “؛ فتفيد إن شاء الله: طلب الحياة وليس القتل؛ حين كان فرعون مصر يذبح الأبناء ويبقى على النساء بغية امتداد النسل كما هو معروف بالضرورة أيضاً.

لاحظ قوله تعالى: ‭{‬ إن خير من استأجرت القوي الأمين ‭}‬؛ فالقوة من قبل موسى يقابلها الضعف من قبل شعيب؛ والأمانة عند موسى يقابلها القابلية عند شعيب وبناته  للمدارسة والمفاكرة والتعلم والتعليم؛ والقرينة: ” ستجدني إن شاء الله من الصالحين “؛ ثم ملاحظة أخرى هي: المقابل الذي سيدفعه شعيب لموسى؛ عليهما السلام؛ لقاء المنعة والذود والحصانة والمدافعة والإجارة والتعليم والاستئهال وهو نكاحه إحدى البنتين؛ والقرينة اللغوية المؤدية للمعنى على لسان شعيب: ” ستجدني إن شاء من الصالحين ” وليست على لسان موسى؛ يمكنك مراجعة الآيات مراراً وتكراراً بكل تدقيق وتأكيد.

أما كلمة: ” حجج ” ومفردها حجة بكسر الحاء المهملة وتشديد الجيم المعجمة؛ ومن معانيها: الحجة / بضم الحاء المهملة وتشديد الجيم المعجمة / وتعني إن شاء الله: القوة الكلامية وتشير إلى جانب ذلك تعليم شعيب وصايا التوراة أو مما يعلمه موسى من ربه ‭{‬ البرهنة Argumentation  أو الاستدلال المنطقي Demonstration [ نظرية التفكير ] : وهو مبحث يختص بدراسة الفعالية الحجاجية أو الحجاج؛ وهي فعالية لغوية إجتماعية وعقلانية غايتها إقناع المعترض العاقل بمقبولية رأي من الآراء؛ أو هي: كثرة الحقول المعرفية التي تتناوله الفلسفة والمنطق واللسانيات إلى جانب تخصصات أخرى كثيرة ‭}‬؛ حين وجد شعيب في حاق موسى مبتغاه وهي القرينة اللغوية المؤدية إلى المعنى: ” وقص عليه القصص “؛ فالثمانية هي علوم ثمانية تتسع أو تضيق المعاني المتجددة واللانهائية فيها؛ فيحظى الاثنان بالفائدة … موسى بنكاح إحدى البنتين وأسرة جديدة معاوضة عن أسرته التي خلفها في مصر وقوم جدد إلخ؛ وشعيب بالإجارة والحماية والدفاع عنه وعن أسرته والتعليم.

أمر آخر وإن كان في النفس شيء من حتى .. كثير وقوف على الآية ولكن أخشى الملل والنفور؛ وهو قوله تعالى: ‭{‬قال: ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت / أي موسى / فلا عدوان علي / موسى أيضاً؛ بمعنى: تعليمه والصبر عليه وأن موسى لا ولن يخفى علما عنه يطلبه شعيب فلا يعاب بمنقصة أو مذلة أو مشانة فالصدق المطلق كل الإطلاق  لن يضنه ولا شناره  بحال من الأحوال فحاشاه نبي الله موسى بن عمران؛ عليه السلام؛  وهذا معنى العدوان / والله على ما نقول وكيل‭}‬؛ فأنت ترى أيها القارئ الكريم الدلالات اللفظية والسياق لها وتركيب الجملة من هذه المادة أنها تذهب في الاتجاه الصحيح إذا تأملت الآيات مراراً وتكراراً.

لا يستغربن أحدكم هذا الأمر؛ فهو الحق لا غير؛ وإن كنت ” استميحكم ” عذراً بالإطالة وأخشى ما أخشاه أن تملوا وإن عدتم عدنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق