ثقافة وفن

واحة الشعراء

الشاعر محمد خالد نصره (سوريا)

بقلم: د. محمد بدوي مصطفى

رأى مولده النور في مدينة أريحا، تلك الحسناء الساحرة التي يتدلى جيدها كأعطاف عناقيد بردى، فاتنة بسهولها الخضراء السندسيّة، مدينة عرفت الخير وعرفها، تحتويها، كأم رؤوم، حقول العنب والكرز وأشجار زيتون مشرئبة إلى نور إلاهي، نور زيتونة لا شرقيّة ولا غربية، بيد أنّها خُلقت من هالة مباركة ومن أنواء الأنجم الساطعة، صفراء يسرّ حسنها الناظرين. أريحا بلد الأريحية، بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان، بلدة بطعم العطر واللوز، ترقد في سكينة وطمأنينة على سفح جبل الأربعين كامرأة عزيز، في ألق وشموخ وطهر. صاغت رقة نسائمها وعبق أريجها وعنفوانها الحوائيّ وجدانيته فكتب وما فتئ، يغازل الحب وينسج الغزل وينثر الكلم واصفا حواءه وأيّ وصف.

قبل أن تندلع أحداث وطنه المؤلمة التي كانت مفصلاً في كتاباته وحوَّلتها إلى التدوين لترسم خطوات جديدة في تجربته الشعرية، والتي خلق منها مناخاً هيمنت فيه سيرة المكان والزمان اللذين اختزنهما الشاعر ذاكرة شعرية يجعلها للتاريخ شواهد على عمق المرارة والألم. شاعر ومهندس في المجال الكتروني، تخرج في جامعة حلب وعمل بتخصصه أربعة عقود متنقلاً مابين بلده وليبيا والسعودية قبل أن ينتهي به المطاف إلى بلاد الذهب الأبيض والبحيرات: السويد.

يجعل دون لأي من ملكته الشعريّة جسراً ثقافياً يحطم مرارة الغربة ويكسر النأي عن محبوبته، سوريا، التي طواها بين أضلعه كصغيرة، وبآلامه كسفيرة وبمرقده كحصيرة. شارك في العديد من المواقع الأدبية نشراً وسجالاً وحاز على وسام الإبداع في الارتجال الشعري قبل أن يمنحه المجلس الأعلى للإعلام الفلسطيني درجة الدكتوراة الفخرية بالأدب العربي.

يرسم الشاعر محمد خالد نصره اليوم على أوراقه شكل الوطن في مشاركاته الأدبية في بلد الاغتراب، حيث يعلق حنينه لوطنه على مشجب القوافي المركونة خلف صمت الغربة.

الـمـداد دمـي

صَيَّرْتُ صبري في الحوادث زادي              وغـدا دمـي فـيــمـا أخُــطُّ مــــدادي

ورأيــتُ أن الـنـائـبــات تـطـاولــت              وغَــدَتْ أُوَاراً بـعـد عـهــــد بَــــرَاد

والصبـر ما عـاد المـعـيـن بغربـتي              وكـأنـني فــيـمــا جـــرى بِــحِـــــدادِ

تأبى على نـفـس الشـريف حيادُهَــا              إنْ نابَ في الأوطــان ســــوءُ مـرادِ

من كـــان ذا شرفٍ فغايةُ سَــــعْـيِـه              رَدُّ الـمـغـيـرِ وتَـرْكُ كـــل عــنــــادِ

إن كان يصـدق فـي ادِّعـاءِ فضيـلـةٍ             حاشى الـفـضـيـلـة ســُعـنـة الـجــلادِ

من مــَّد لـلأعـــداء كَـفَّ خـيـانــــة              ومضـى كــآل رغــــال في الإسـنادِ

من قـَوَّض الحصنَ المـنـيـعَ بغـدره              ومـضـى بِـنَـفْــرَتِـــه مـع الـــــورَّادِ

من صحـَّرَ الروضَ الـنَدِيَّ بجهلـــه             فـغــــدا يـبــابـــاً من دِرَاسِ رمـــــادِ

من جاء بـالـطـوفان يـفـتـح بـابَـنَـــا              لِـزُنَــــاةِ أهـــــل الأرض دون رداد

من هــــدَّم الأوطــانَ في أركانهـــا              واعْـتَــزَّ بـالـطـاغــوت والأبـــــداد

خـيـرُ الـرجال هـو الـوفيُّ لـقـومــه              سَــــدٌّ لـهـم في وجـه كــل مـعــادي

والحر من كان الرديـف لقومـــــــه              في الـنـائـبـات إلى عـــلا الإســعـاد

لا من يَـغُــزُّ الســيرَ خـلـفَ عـــدوه             بـحـبـائـل الأضغـــان والأحـقــــــاد

فضلُ المكـارهِ في الـبلاء بَـيَـانُـهـــا             عَـمَّـنْ غـدا في الـناس خـيـر عـمــاد

هذي الشــــآم أضاعَ أمنَ ربوعهـــا             عــربٌ تَسَــــاقَـوا من دم الأغـيــــاد

لم يـتـركـوا لـلـغـدر بـابـاً دونـهــــم              إلا أتَــــــــوْهُ بِـخِـسَّــــةِ الـمـرتـــــاد

إذ جَـيَّـشـوا بـالـمـال كـل رذيـلـــــةٍ              وأتَـــوْا لــهــا بـحـطائـط الأوغــــاد

وغَـدَوْا عـيـونـاً باحثاتٍ في الورى              عـن كــل مرتــزق دنـيـــعِ جـهــــاد

حـمـلـوا أجــنـدةَ كــل بـــاغٍ أيّـمــــا             كــان الـبـغـــاءُ فـهــم مـن الـقـــــوَّاد

لــو أن فـيـهـم ســـــادةٌ ما حـُمـِّلـــوا             كالـعـيـث، مـا لـقــرارهـم بـنـفــــاد

ألِـفُـوا الرضوخَ فليس فـيهـم عـــزة              يـتـفـاخــرون بـخـدمـــة الأســــيـاد

ما اخْشَوْشَـنُوا لـلـذود عن أوطانهـم              ورأوا بـمـال الـنـفـط خــيــرَ وِسَــادِ

وجَـرَوْا مع الأحـقـاد حتى خِـلْـتَـهُـم              جســـداً بـلا قــلــــبٍ ولا أكـبـــــاد

والـمـملـقون ; إذا الــثـراءُ بـبابـهــم              أثــرى فَـوِجْـهَـتُـهُـم إلى الإفـســـــاد

فـلـئـن يـكـن قـد ســاءنا زمـنٌ بـهـم              فالشــــام دهــــراً قـبْـلَـــةُ الأمجـــاد

إنْ عَرْبَدوا بدمي المُراقِ بِـبَـغْـيِـهِـمْ              فـدمشـــق راســـخـةٌ كمـا الأطـــواد

والـدهــر شـــاهـدنـا بـأنَّـــا أمــــــة              ســــــوريــة الـتـاريـخ والـمـيـــلاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق