ثقافة وفن

في حوار مع الروائية واﻷنثروبولوجية المغربية سعدية أسلايلي

قتل ميت ... رواية الماضي والحاضر والمستقبل

من الروائيات المغربيات المتميزات ومن الوجوه النسائية التي بصمت اسمها بقوة في المشهد الثقافي والأدبي والفكري بالمغرب وخارج المغرب هي بنت مدينة وجدة المغربية الواقعة شرق المملكة هي كاتبة وشاعرة وروائية وقاصة وناشطة جمعوية .

باحثة في الدكتوراه تخصص الأنثروبولوجيا الثقافية وعضو مختبر التراث الثقافي والتنمية بكلية الآداب والعلوم الانسانية والفنون بجامعة محمد الأول بوجدة حاصلة على شهادة معالجة بتقنية التحرير الشعوري EFT، من المعهد الأوروبي للعلاج النفسي الطاقي التطبيقية عام 2017 من بروكسل في بلجيكا.

خريجة مدرسة اليسار النضالية بين عامي 1984 و 1994حيث نشطت في عدة منظمات نسائية وحقوقية. لها العديد من الإصدارات الأدبية من أهمها

رواية الجبال لا تسقط صادرة عن مؤسسة النخلة عام 2006

إغراء البياض، مجموعة قصصية، مطبعة الجسور، 2012.

ورواية قتل ميت، الدار العربية للعلوم/ بيروت 2016

وروايتها الأخيرة “قتل ميت” تشكل إحدى أبرز أعمالها الأدبية حيث تحاول الروائية سعدية أسلايلي في هذا العمل ضخ دماء جديدة في شرايين صلب كتابتها السردية من خلال تناولها لمحطات تاريخية وسياسية للمغرب الحديث ما بعد العفو الملكي عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي من منظور سيكولوجي، موظفة بذلك شخصيات الرواية لنسج خيوط الحكاية، حكاية تمثل لحظة فارقة في تاريخ المغرب ما بعد الاستقلال أو ما يطلق عليه زمن سنوات الرصاص.

في هذا الحوار مع المدائن بوست، تتحدث الكاتبة والروائية سعدية اسلايلي عن روايتها قتل ميت لسبر بعض اغوار عملها الأدبي وتأملاتها في الفكر والأدب والثقافة من خلال هذا الحوار

حاورها عبد الحي كريط

> بداية عندما قرأت روايتك الأخيرة لمست فيها بصمة وجدانية لشعورك وربما هي انعكاس لتجربة زمانية عشتها في فترة سنوات الرصاص

< كل عمل إبداعي مهما بدا تخيليا، يظل موشوما بآثار التجربة الحياتية لمبدعه أو مبدعته والأشخاص المحيطين بهما. شخصيا عشت نهايات سنوات الرصاص وشهدت آثار الاعتقال بسبب الرأي في المحيط القريب مني عائليا واجتماعيا. وكان انتمائي لليسار لمدة تفوق عشر سنوات كناشطة مكنني من الاحتكاك المباشر بتفاصيل لا يمكن أن تمر على مبدعة دون أن تثير شهيتها للكتابة. وكل النصوص التي أنتجتها حتى الآن تعد بمثابة توثيق متخيل وفني لمرحلة تاريخية من تاريخ المغرب تعد سنوات الرصاص جزء لا يتجزأ منها. رغم أن رواية قتل ميت يهتم أساسا بتداعيات ما بعد العفو الملكي وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين التي كان من المفروض أن تقفل هذه الفترة.

> “قتل ميت”، صيغة مزدوجة لتيمة الموت، كيف تقدمين الموت في هذا العمل من منظور أنثروبولوجي، نفسي، اجتماعي، وإبداعي؟

< يعكس هذا التناول المزدوج والذي يتخذ أبعاد أكثر تعددية في المتن، هوسا شخصيا بالخلود. فمن الناحية الأنثروبولوجية، يظل الإنسان الكائن الوحيد الذي يعرف مسبقا انه محكوم بالفناء، وفي ذلك تكمن كل المحن الوجودية والفلسفية للبشرية. كما تطرح الرواية المعاني الخفية للموت. حيث يصبح الموت الجسدي مجرد نمط باهت وسطحي اما الموت المعنوي والاعتباري في ظروف القهر والأسر والخيانة. ويعد الموت السياسي والمذهبي نوعا عصيا كذلك لما يسببه من خزي ومهانة وذنب. أما الموت أو القتل النفسي فتارة يبدو فعلا قاسيا، ظالما، وتارة يبدو عادلا أو ضروريا للولادة من جديد. قتل الأب أو الأم كما يقدمه التحليل النفسي محطة ضرورية للنضج. بينما الموت يعد الموت طلبا للحق مجدا وولادة في حالة الاستشهاد. بين هذت المفارقات تبحث الرواية عن تعريف جديد للحياة في كواليس الموت.

> ماهي المحفزات التي دفعتك إلى كتابة هذه الرواية؟ وإخراجها إلى حيز الوجود بعد أن كانت ضمن الزوايا التاريخية المعتمة.

< أعتبر نفسي من الكتاب حاملي القضايا. وقضيتي هي قضية الإنسان اينما وجد. وكوني امرأة عاشت طفولة صعبة، يجعلني أكثر انتباها إلى قضايا المستضعفين والمعذبين الذين يفتقرون لإمكانية التعبير. أعانق قضاياهم واتكلم بالنيابة عنهم قدر المستطاع. في رواية الجبال لا تسقط، منحت قلمي للعمال المسرحين وعوائلهم المشردة وكواليس النضال النقابي في مغرب التسعينيات. وفي هذه الرواية يحركني هاجس الحقيقة الذاتية للمعتقلين المفرج عنهم والخارجين بجراح تفوق قدرتهم على الفهم وتحكم عليهم بمعاناة جديدة أعمق وأقسى. كان لا بد من هذه النظرة الخارجية المحايدة لفهم ما يجري. بعيدا عن التمجيد والتقديس والمحاباة. فمن النقد والحفر ينشأ البناء. وهؤلاء في نظري في حاجة إلى إعادة بناء داخلية وترميم عميق، من هنا كانت الرواية شهادة من منظور مؤنث على عصر. وهي كذلك قراءة في تجربة المعتقلين في أفق مصالحة حقيقية مع الذات ومع الآخر.

> ذكرت في كتابك أن في الرواية نوع من النقد لتجربة اليسار بالمغرب خلال تسعينيات القرن الماضي ما هو مستقبل اليسار حاليا في ظل المتغيرات الحالية؟

< رغم أن الجواب عن هذا السؤال يتطلب كتبا متخصصة في النقد السياسي إلا أن وجهة نظر بسيطة ممكنة في ظل تجربة مع اليسار ما زالت مستمرة في علاقة من التجاذب والتنافر والهدم والبناء المتبادلين. أنتمي إلى جيل دخل مدرسة اليسار من باب المثالية والفلسفة والقيم، وليس من باب التكتيك والتخطيط والصراع. وأكن كل الاحترام لهذه التجربة التي صنعت مغرب يجرؤ على التحدث عن الحقوق والحريات. ولكن من ناحية عملية، فقد افتقد اليسار العالمي والمغربي تحديدا إلى شروط وجوده المذهبية والإيديولوجية والجيوسياسية. ولم يعد أمامه إلا شرط العودة إلى الوراء باحترام وشجاعة. العودة إلى جوهره المبدئي القائم على المبادئ المؤسسة لكرامة الإنسان. واتخاد منحى إنساني، كوني، سلمي، واجتماعي.

في روايتك قمت بتصوير معنى الحياة خلف القضبان من خلال الاعتقال السياسي…”قتل ميت”، هل يمكن تصنيفها ضمن أدب السجون؟

تتناول الرواية تيمة الاسر والغضب في معناها العام والمتشعب والمتداخل. اضطهاد الزوجة والعشيقة الشابة تحت سلطة الإيديولوجيا، اعتقال المناضل بسبب آرائه، التدخل في مهنة المحلل النفسي بسبب الأسرار التي يمتلكها… الخ. وهذا يحيلنا على السجن بفهم ميشال فوكو حين اعتبر “سجنا كل فضاء تحتجز فيه حرية شخص ما”. إلا أن اختيار معتقل رأس سابق كشخصية محورية وسرد تجارب موازية لمعاناة زملاء آخرين، يقرب الرواية أكثر من دائرة المفهوم الأدبي لأدب السجون. ورغم انها شهادة من الخارج وفي زمن بعدي للاعتقال إلا انها تسلط الضوء على جوانب غائرة من التجربة السجنية وتعطي صورة بانورامية من حيث الشمولية، ,دقيقة مقطعية من حيت التفاصيل والغوص والوصف للمشاعر والتقلبات والتناقضات في حياة الأشخاص المعنيين بالأسر من قريب او بعيد.

> هل شكلت خلفيتك الدراسية الأنثروبولوجية مفتاحا مثاليا لإخراج هذا العمل السردي وباقي الأعمال السابقة واللاحقة؟

< يلتقي في أعمالي هوس الأنثروبولوجيا الثقافية وسؤال: „كيف يعيش الناس تجاربهم من حيث التفاصيل والتصريف الواقعي للألم المحيط بالقضايا التي تمس بالحرية والكرامة؟ ونفاذ انتباه المختصة النفسية، حيث يحركني سؤال آخر:” كيف يتمكن الناس من تحويل المعاناة النفسية إلى نجاح؟ وهل كل من يعاني محكوم بالاندحار والسقوط؟ وما هو ذلك الفاصل الدقيق الذي يميز لحظة القرار الحسم. ماذا اصنع من معاناتي؟ سقوطا، أم نهوضا وولادة جديدة؟ وما يرتبط بهذين النقيضين من صراع داخلي وقوة أو ضعف الإرادة والعلاقة بالخصم هل هي علاقة تماهي ومحاكاة أم علاقة صراع وتحدي وتجاوز.

> ماهي تصوراتكم للحياة الثقافية والأدبية بمدينة وجدة بشكل خاص؟ وباقي ربوع الوطن بشكل عام؟

< لا تنفصل الحياة الثقافية والفنية عن السياقات العامة للعلاقات الاجتماعية والتوازنات، فهي محكومة بنفس القوانين المبنية على الاختلال والتفاوت وأحيانا فقدان المعنى. فهناك تناقض صارخ بين القدرات الإبداعية والنفس والطويل والتضحية للمبدعات والمبدعين المغاربة من جهة، ودرجة عميقة من التهميش والنكران من الجهات الرسمية. قد نجد مبدعا من العيار العالي مغمورا، بينما يلمع نجم أشخاص لا علاقة لهم بالإبداع. وما يتحكم في الأمر، قوانين خفية لا منطق فيها. ولكن بين النقيضين، هناك مجال من الاجتهاد والمثابرة والتميز. والساحة الإبداعية تزخر بالمبادرات الموازية والداعمة من مهرجانات ومقاهي ادبية ومنابر ورقية ورقمية… ومدينة وجدة كغيرها من المدن، الأصيلة، تجتهد وتثابر لكي تضل حية إبداعيا. وهي تسجل بمداد الفخر اسماء تفرض نفسها بالجدية والاستمرارية. وفي النهاية يصل عاليا صوت الجودة والجدية والاجتهاد. ونحن كمبدعات ومبدعين، نعول على بعضنا وعلى الإعلاميين النزهاء وعلى جودة ما نقدم لنضمن مكانا في الواجهة. 

> هل يمكن أن تكشف لنا عن بعض أعمالك الأدبية والفكرية الجديدة التي سترى النور قريبا؟

< في الطريق للنشر. مذكرات رحلة علاجية أنثروبولوجية، باللغة الفرنسية وهي من كراسة البحث الميداني للأطروحة في العلاج النفسي. في قالب يجمع بين السيرة والتحليل العلاجي.

رواية أنتروبولوجية حول قبائل الشرق المغربي ودور النساء في المجتمعات الامازيغية..

< كلمة أخيرة؟

< أقول:” أكتبوا، حتى لا تموتوا..” وإن كنتم لا تجيدون الكتابة فأبدعوا في أي فن آخر. لأن الإبداع يسمح بالجوار مع الدواخل ويفسح مجالات للحرية غير ممكنة في الحياة الواقعية. أكتب لكي افهم، لكي اتنفس من غير الرئتين، ولكي أحب نفسي كما لم يحبني يوما أحد… تابعوا أسئلتكم كالأطفال ولا تقتلوها فعندما ينتهي السؤال تتوقف الحياة…

شكرا لسعة صدر مدائن بوست، وللباقة ذوق الكاتب والصحفي المقتدر عبد الحي كريط. شكرا للقراء الكرام.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. المبدعة الأستاذة السلايلي مفخرة للشرق والمغرب عموما باحثة تكد وتجد وتناضل من أجل ما تؤمن به ومن أجل مبادئها .والشيء الأكيد أن نبوغها كانت تبدو إرهاساته منذ صغرها بالمرحلة الإعدادية والثانوية التأهيلية حيث ظهر شغبها الفكري المتمظهر في السجالات الفكرية بين الطلبة وأساتذة الفلسفة واللغة الفرنسية تحديدا .أعجبت بفكرها وتحررها منذ ما يزيد عن خمس وثلاثين سنة.أرجو أن يسطع نجمها في عالم الفكر والأدب بما هي أهل له وأن تمتعنا بمؤلفاتها المستمدة من عدة تجارب في حقول عدة وعلى واجهات مختلفة ومما يزيدها نجاحا أنها مزدوجة اللغة بارعة في التعبير والتحليل باللغتين.وترى جيدا ما تقول…
    تحياتي لك أستاذة سعدية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق