ثقافة وفن

من كتاب الهمبول لعماد البليك الثورة والحنظل (2/1)

عماد البليك

أرادت القابلة العجوز رضينة أن تضع المولود في أناء من الماء، لتغسل جسده، فقفز إلى أعلى مبتسماً، عيناه صغيرتان جداً، تشبهان عيني والده الحاج مضوي الذي مات قبل يومين، وأنفه يبدو شامخاً لا يليق بأنف طفل عمره بضع دقائق.

تأملت رضينة وجه المولود ورسمت بسبابتها اليمنى على جبينه علامات، اعتادت رسمها على جبين كل مولد جديد، وبقيت هذه العلامات إلى أن دخل الطفل المدرسة الأولية، عندما انمحت من على جبينه بعد أصابته بجرح مكانها، أثناء مشاجرة وقعت بينه وأحد المدرسين عندما رآه يدخل رأسه في الزير ليشرب الماء، وكأنه معزة، رغم وجود أكواب من الصفيح بجوار الزير.

بقدر ما كانت زينب سعيدة بإنجاب ولدها البكر، إلا أن رحيل زوجها دون أن يفرح معها، جعلها تزداد حزناً وتشعر بالآم مخاضها، وقد بكت طويلاً وهي تقاوم لحظات الولادة الأخيرة تحت أيدي القابلة العجوز.

كان البيت لا يزال مشحوناً برائحة العزاء والحزن على رحيل مضوي الأب، في تلك الليلة التي ولد فيها مضوي الابن، والذي لقب بالحاج مضوي من قبل عمته جوهرة، كان أن توقفت شاحنة كبيرة قادمة من مناطق الشمال أمام باب البيت، محملة بجوالات من التمر، جلس فوقها عدد من أقارب العائلة الذين جاءوا للعزاء، ومن داخل الغرفة التي كانت زينب تعاني فيها آلام ولادتها، كان صوت عويل النساء مسموعاً وأصوات الرجال وهم ينادون: الفاتحة.

انفض المعزون نهائياً بعد أربعة شهور، في حين تبقت آثارهم لأربعة شهور أخرى.

كان أن قلبت أواني الطعام واختلط الحابل بالنابل، لكن أحداً ما من الجيران لم يتبرع لوضع شيء في مكانه، ولم يكن باستطاعة زينب أن تقوم بترتيب الأمور وحدها، لا سيما أنها انشغلت مع مولودها البكر، والذي أخذته إلى الفقير عطا الله ليحلق له شعر رأسه ويغسله بماء ساخن فوّار من بئر البلد القديم.

انتهى الفقير عطا الله من غسل الرأس الصغير وتمسيده، ثم مسح فروة الرأس بمعجون مستحضر من دهن البقر، بعد أن قرأ آيات من كتاب الله على الطفل وأسرّ لأمه بكلمات في أذنها اليمنى أن تحرص على تمسيد جسد المولود كل فجر قبل أن تطلع الشمس، لكنه لم يحكي لزينب عن الحكمة من وراء هذا الفعل، فقط قال: “إنه يفيد الأولاد الأشقياء”.

استغربت الأم من مقولة الفقير عطا الله، فقد كان الحاج مضوي وهو طفل رضيع، يتمتع بهدوء غير عادي، بل إن القابلة التي خبرت شؤون المواليد الجدد وفهمت كيف تحكم على مستقبل طفل من لحظات ميلاده الأولى، كانت قد ذكرت لزينب أن ولدها سيكون له شأن عظيم في الغد، لكنه سيخسر هذا الشأن بسبب بساطته وعدم قدرته على الدفاع عن نفسه وحقوقه.

قالت القابلة للأم:

“ولدك هذا سيضيع حقوقه وحقوقك مع الأيام عندما يكبر، فلا تعتمدي عليه كثيراً”

كانت القابلة تعني ألا تضع الأم آمالاً على طفلها، فالعادة أن الأمهات يعلقن أشواقهن وأحلامهن للغد على رقاب أبنائهن.

كانت زينب كأمهات كثيرات ترغب في أن يكون ولدها طبيباً كبيراً، غير أنه لم يحقق لها هذا الحلم، فقد قرر مضوي بمحض إرادته ومنذ سن مبكرة أن يصبح ضابطاً في الجيش.

لم يكن في العائلة – عبر تاريخها – من تعلق قلبه بالجيش وحمل السلاح، بل ينتمي مضوي لعائلة عرفت بالجبن والخوف من الفئران والزواحف، وقد كان مضوي الأب مضرباً للمثل في الخوف من ظله في الليالي التي يصنع فيها القمر ظلالاً باهتة للأشياء، وكان لا يتجرأ على السير وحده في الليالي المظلمة، فعندما يجنّ الليل، يدخل مضوي بيته باكراً قبل المغرب، ولا يغادره إلا في اليوم الثاني.

مما لا شك فيه أن مضوي الابن سمع بهذه الحكايات التي يرويها سكان البلد عن والده، وما لاشك فيه أنه اكتوى بهذه القصص التي لا سبيل لإنكارها، وكان غير راضٍ عن استفزاز والده في قبره، أن يوصف بالخوف والجبن، في قبيلة عرفت منذ سالف الأزمان بمقاومة المحتلين والمغتصبين للأرض.

في تفكيره الباطني، كان مضوي الابن متأثراً بالعبارات التي تقال في حق والده المقبور، لهذا كان يُحكِّم حركاته وأفعاله بما ينبئ لمشاهده أنه طفل بقلب شجاع، على الرغم من أن الإنسان مهما فعل لا يستطيع في مثل هذه البلاد من العالم أن يتخلص من آثار وظل عائلته، والذي سيظل يلاحقه حتى بعد موته.

ومثال على رغبته في أن يبدو شجاعاً، ما جرى له مع المعلم الذي وبخه على الشراب بطريقة غير مهذبة من الزير، فقد تصدى مضوي للمدرس.

قام أولاً برميه بحذائه الصغير، ومن ثم رمى به على الأرض، وقد شجّع ذلك زملاء مضوي على الصراخ والاندفاع بقوة نحو المدرس القادم من بلدة مجاورة والذي كان كثير الاستفزاز للتلاميذ.

انتهت المعركة بحمل مضوي للمستشفى الوحيد في البلدة المجاورة، على بعد عشر كيلومترات من موقع الحادثة، في حين نهض المدرس كأنه لم يتلق أي علقة، وأضمر في نفسه أشياء كثيرة، قرر أن يقوم بتنفيذها في الأيام القادمة بهدف تأديب الطلاب وعلى رأسهم مضوي.

قبل أن يعود مضوي مجدداً لمواصلة الدراسة، وقبل أن يتماثل للشفاء، كان المدرس صاحب المشكلة قد نُقِل إلى مدرسة أخرى بعيداً عن البلد، بعد أن تقدم الأهالي بعريضة شكوى ضده للمدير، خوفاً على مصائر أبنائهم، خاصة بعد أن سرت شائعة بأن المدرس مخبول.

حدث ذلك بعد أن تغيرت الكثير من تفاصيل الصدام بين الطلاب والمدرس، وتباينت روايات الحادثة، وبالطبع كان مضوي أكثر المستفيدين من رحيل المدرس، فقد اعتبر الحادثة إحدى نجاحاته المبكرة وأولى خطواته لإثبات أنه شجاع بخلاف والده الجبان.

لاحقاً فهم مضوي أن الشجاعة في هذا الزمان بالذات لا تتعلق بحمل السلاح، فهناك من يحملون السلاح بهدف الهرب من عوائلهم، فهم يذهبون للحرب لينتحروا بطريقة مهذبة، إزاء الحياة القاسية والعجز عن رعاية الأبناء، وهناك من يتدرعون بالأسلحة وهم ضعاف القلوب.

هذه المعارف الجديدة، لم تمنع مضوي من المضي قدما تجاه هدفه أن يكون ضابطاً في الجيش، لقد تبلور الحلم من فكرة نشأت مع الطفولة، ولا مجال الآن بعد أن اختمرت أن يتراجع عنها، خاصة أنه من العيب على الإنسان أن يجهر بشيء ويقول أنه سيفعل كذا، ثم يتراجع عنه، إنه الجبن بعينه، هذا ما فهمه مضوي وتأكد منه في قرارة نفسه.

ذات نهار بعد شهور من حادثة المدرس، كان مضوي جالساً على طرف العنقريب في الحوش، في الظل القائم عن اعتراض حائط المطبخ الصغير لضوء الشمس. كان يستمع لأغنية بثتها الإذاعة السودانية، انبعثت من الراديو الموضوع عند النافذة الصغيرة في المطبخ.

كانت الأغنية حزينة، معها تدفقت دموع مضوي، ودخل الطفل في حالة من الرعب الذاتي المدمر، دون أن يدرك السبب لهذه الحالة المفاجئة.

كانت زينب تغسل الملابس وتعلقها على الحبل في الحوش الكبير من البيت، هي الأخرى فاضت دموعها مع الأغنية.

تتحدث الأغنية عن صبي نشأ يتيماً وضاع في مهرجان الحياة عندما ضاعت أحلامه بفعل القسوة التي واجهته من البشر، وقال المُغني: “إن البشر كائنات جميلة لكنهم أحيانا يفسدون الحياة ويجعلونها مريرة كالحنظل”.

رأت الأم الدموع التي غسلت وجه ولدها، فأسرعت إلى الحمام تحمل الإبريق، لتغسل الدموع وفي يدها آثاراً من بقايا الصابون النفاذ الرائحة.

تسرب جزءٌ من الصابون السائل في عين مضوي، فانهمرت دموعه أكثر، وبكى بكاء حاراً، وشعر بأنه في حاجة مُلِحّة للبكاء، ولو لم يسعفه الصابون لبكى أكثر، فقد شكل له السائل المؤذي للعينين سبباً لغسل روحه.

دائما كانت تشغله مسألة غسل الروح، فقد سمع أمه تردد بشكل متكرر وهي تؤدي واجباتها اليومية من طهي وغسيل ونظافة وترتيب لشؤون البيت:

“آهـ ما أعثر غسيل الروح”

وأخبرته ذات مرة أنها سمعت هذه العبارة من الفقير عطا الله قبل سنوات عندما ذهبت إليه ليغسل رأس ولدها الوحيد.

فهم مضوي أن الأمر يتعلق به، فأمه عندما تقول الأشياء، تعنيها تماماً، ولم يحدث أن حكت حكاية أو ذكرت عبارة ذات يوم، دون مغزى، فدائما كانت قصصها مرتبطة بمعانٍ ما، أشياء حاضرة أو غائبة أو ستكون اليوم أو غدا أو بعد غد.

تعلم مضوي هذه العادة، تعلمها هكذا والسلام، دون أن يفكر هل هي عادة سيئة أم قبيحة، لقد كان فخوراً على أية حال بوالدته التي لم يتجرأ أحد من الناس عليها بكلمة تأبى الأذن سماعها، بخلاف والده الذي أكلته البشر ميتاً، وأُكِل حيا قبل ميلاد ابنه الوحيد.

الآن وبعد سنوات يتذكر مضوي الابن ذلك النهار البعيد وكأنه حاضر في هذه اللحظة بالتحديد، كان جالساً على كرسي وثير أمام الحديقة الواسعة، أمامه نخلتان طويلتان تشبهان نخلتي البيت القديم، تفصله عنهما السنوات البعيدة.

يرى نفسه يتسلق إحدى النخلتين، وفجأة يسقط على الأرض لتحمله والدته إلى الفقير عطا الله ليحدثها أن هذا بشارة فآل حسن، فعندما يسقط الابن البكر الوحيد من النخلة، فهذا يعني أنه سيتسلق نخلة الحياة وسيجني الثمرة.

صدقت التوقعات، بعد أن أصبح مضوي الرجل الأول في البلاد، ولكن بعد أن ماتت والدته دون أن ترى نبوءة الفقير عطا الله ماثلة.

مع الرجوع لذلك النهار البعيد، عادت دموع مضوي للتدفق كنهر منهمر من منابع مجهولة، لأن الرجل الأول في الدولة لم يعرف كيف يتعرف على أسباب انهمار الدموع، وهو الذي فقد أسباب الحزن منذ أزمنة غير قادر على تحديدها.

من كان يتخيل أن الولد البسيط الذي عاش يتيماً سوف يتحول إلى قاتل وسبب من أسباب فيضان الدماء في البلاد؟

هو نفسه غير قادر على معرفة الحيثيات التي قادته لهذا الشيء، فقد وجد الحياة تدخله من غير توقع في ظروف غامضة، وشخصية جديدة، يريد أن يرفضها، وأن ينزع جلده ليقول:

“ليس هذا مضوي، إذا كانت الشجاعة التي ظللت تبحث عنها طوال طفولتك وصباك قادتك لهذا الشيء فلتمض الشجاعة إلى الجحيم”

وسأل نفسه وهو ينهض من على الكرسي ويتمشى في الحديقة:

“هل من الممكن أن يفقد الإنسان في لحظة ما السيطرة على حياته ويدخل في هموم غريبة، يظن الناس أنه أصبح شيئا له قيمة وإن كان في غرارة نفسه يحس بأنه تحول لكائن لا قيمة له”

كان الصباح الجديد ينتظره بتوقعات كثيرة على كافة الأصعدة: الحرب المستمرة في جنوب البلاد.. المفاوضون الذين سيصلون في الغد إلى جيبوتي.. عقود لمشاريع بترولية جديدة مع الشركات الآسيوية.. احتفالات العيد الرابع لاعتلاء السلطة بثورة سلمية لم يمت فيها غير كلبين عبرا أمام الدبابة التي حرست الجسر الذي يصل بين الخرطوم والخرطوم بحري.

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق