ثقافة وفن

لوحات المدائن

نابليون في مضيق سان برنار (1801)

جـاك لـويس دافيـد (1748 – 1825)

د. محمد بدوي مصطفى

الفنان التشكيليّ والرسام الفرنسيّ جاك لويس دافيد هو دون أدنى شك أحد أبرز أعمدة المدرسة النيوكلاسيكية في العالم. لقد شهد مولده النور بمدينة الجن والملائكة باريس، في صحن أسرة من الطبقة الوسطى وقد اغتيل والده واحتضنه اعمامه وهيئوا له سبل الحياة المتواضعة لا سيما في التعليم. درس دافيد الفنون في الأكاديمية الملكية (أكاديمي رويال) وهو في الخامسة والعشرين من عمر الشباب. وقد حاز على إحدى المسابقات الفنية، جائزة روما، ومن بعد سافر لا يلوي على شيء إلا ويتعلم الفن الكلاسيكيّ على أصوله وقد تأثر في دأبه هذا بالعديد من أعمدة هذا الفن منهم على سبيل المثال لا الحصر، نيكولا بوسان، الذي امتلك أروقة الفن الكلاسيكي الأصيل في القرن السابع عشر. إن شغفه للمعارف وحبه لتلاقح الفنون، شكلًا ومضمونًا، أهلّه لأن يخلق فنّه الخاص به والذي يتميز فيه عن الآخرين من بني عصره، بمعنى آخر، لقد عبّر عن فنّه بأسلوب كلاسيكيّ متميز يمكن أن نطلق عليه مصطلح “نيو كلاسيك”. تمثلت ثورته في الفن بالرجوع إلى الجذور التي تتضمن في عمقها كلاسيكية الفن احتذاءً بالأصول الإغريقية والرومانية ودعا في دأبه وعمله وتعليمه للطلاب إلى الابتعاد عن فن “الروكوكو” الزائف الذي ارتبط ارتباطًا وثيقاً بالقصر الملكي والطبقة الأرستقراطية. لذلك نجده قد اتجه إلى التصوير والتجسيد الدقيق فكان أحد عباقرته وصاحب منهج صارم في التفتيش والتنقيب في الموروث الإغريقي والروماني القديم لا سيما في تيمات وموضوعات تخدم صوت النضال، بالأخص نضال الثورة الفرنسية، في محاولة لتصديرها إلى الشعوب المجاورة في البلاد الأوروبية.

لقد تسلق دافيد إلى مقام الدكتاتورية إذا صحّ التعبير على جميع الفنون في فرنسا في انطلاقة نيزكية كانطلاقة نابليون. وقد تعلم تقنيته من عمه البعيد فرانسوا بوشيه، وأصبح رساماً من الطراز الأول، وأستاذاً أتقن الخط والتأليف أكثر من إتقانه اللون. وقد أدرك بوشيه أن تغير الأخلاق من بومبادور ودوباري إلى ماري أنطوانيت كان يقلص الطلب على الصور التي تبرز مفاتن المرأة كالنهود والأرداف، فنصح ابن اخيه دافيد بأن يسافر ويلتقط الأسلوب الكلاسيكي المحدث البسيط في مرسم جوزيف فيان، الذي كان يرسم الجند الرومان والنساء الأبطال. وفي 1775 وافق دافيد للالتحاق بمرسم فيان في روما. وهناك أحس بتأثير فنكلمان ومنجز، والمنحوتات القديمة في متحف الفاتيكان، والأطلال التي كشف عنها في الكولوسيوم مثلًا. وقد قبل مبادئ الكلاسيكية المحدثة، واتخذ النحت اليوناني نموذجاً يحتذيه في تصويره.

رسم جاك لويس دافيد هذه اللوحة الشهيرة بناءً على طلب نابليون بونابارت، ولم يكن في تلك الفترة قد تتوج امبراطورًا بعد، لكنه بحث عن الشرعية التاريخية، شرعية تؤهله لأن يصبح حاكمًا مطلقا على فرنسا بأسرها. فوجد حادثة قيادته لجيش يعبر به سلسلة جبال الألب في ربيع ١٨٠٠ في محاولة منه للهجوم على الجيوش النمساوية التي كانت تتمركز في إيطاليا تصلح لأن تكون موضوعًا لعمل فني يذكر من خلاله العالم أنه ثالث جنرال في التاريخ يحقّق ذلك الإنجاز بعد كلّ من شاليمان وهانيبال. وقد أصر نابليون على يكون واقفًا عند رسم البورتريه، كما لم يكن مهتمًّا كثيرًا بأن يظهر بهيئته الحقيقية، فكل ما كان يشغله هو أن يبذل الرسام قصارى جهده ليرسم حصانه بطريقة توحي بالجسارة والشجاعة المنقطعة النظير وتظهر قوة وصلابة لا يشق لها غبار. والجدير بالذكر أن هذه القائد قد عبر سلسلة جبال الألب وهو يمتطي بغلًا، وذلك نزولا عن نصيحة مستشاريه الذين أقنعوه أن البغال أكثر قدرة على التحمل والعمل في الجبال وتحت درجات حرارة منخفضة.

يظهر العمل القائد بونابرت وهو يمتطي هذا الحصان الأبيض الخرافي. تشير مقدمة الفارس والحصان إلى اتجاه اليسار. وقد صمم نابليون في نوفمبر من عام ١٧٩٩ العودة إلى إيطاليا لتعزيز قواته هناك ومن ثمّة استعادة الأراضي التي استولت عليها القوات النمساوية. وكما يقولون إن الحرب خدعة فقد أزمع نابليون عبور جبال الألب ليفاجئ جيوش النمسا التي لن تترقبه من هذه النواحي. على بعد طلب نابليون عدّة نسخ من هذه المشهد لوضعها في قصور عدّة وتمكن الرسام من انجاز خمس نسخ منها، وظلت اللوحة الأصلية في مدريد حتى عام 1812، عندما أخذها جوزيف بونابرت بعد تنازله عن العرش كملك لإسبانيا. أخذها معه عندما ذهب إلى المنفى في الولايات المتحدة، وعلقها في منزله بوينت بريز بالقرب من بوردينتاون، نيو جيرسي. تم تسليم اللوحة من خلال أحفاده حتى عام 1949، عندما تركتها حفيدة أخته العظيمة، أوجيني بونابرت، إلى متحف شاتو دي مالميزون. أما النسخة التي احتفظ بها الرسام دافيد حتى وافته المنية عام 1825 عُرضت في بازار بون نوفيل عام 1846، وقد لاحظ ذلك الأديب بودلير. وفي عام 1850 تم عرضها على نابليون الثالث المستقبلي من قبل ابنة الرسام دافيد، بولين جينين، وتم تثبيتها في قصر التويلري. في عام 1979، ومن ثمّة سُلمت إلى المتحف الملكي بقصر فرساي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق