ثقافة وفن

من كتاب الهمبول لعماد البليك الثورة والحنظل (2/3)

عماد البليك

أمام هذا الجدول المزعج، مزّق الرئيس الورقة التي أمامه، وفي تصرف مفاجئ قال لحارسه الشخصي برعي:

“قل لهم أن الرئيس يعاني من وعكة صحية”

لأن برعي يفهم حالات الرئيس تماما وتوتراته الانفعالية التي تطارده في بعض الأحيان، فقد أدار هاتفه الجوال وهاتف نائب الرئيس قائلا:

“سيدي.. الرئيس متوتر بعض الشيء ولا يرغب في أي جدول أعمال في الصباح”

كان الرئيس يعتقد أن الوعكة مجرد حالة مفتعلة منه، كما حدث وتكرر أكثر من مرة، لكن في هذه المرة تحول الافتعال لواقع، فالحمى حاصرت الجسد الذي بدأ في الامتلاء قبل ثلاث سنوات وأحد عشر شهراً.

في فراش النوم، داخل حجرة واسعة، لم يقدر مضوي على إزاحة صور الماضي، صورة والده الذي يخاف ظله في الليالي، وصورة والدته التي باعت ملابسها لكي يواصل ابنها تعليمه، وحاصره كابوس المدرس الذي تصارع معه، هذا الرجل الذي ضاع بين سراب البشر في مدن البلاد المتباعدة الأطراف، تمنى لو أنه قابله في هذه اللحظة بالتحديد واعتذر له، وتمنى ثانية لو أنه قبض عليه بواسطة رجاله وضربه قبل أن يرشه بالرصاص، ويقتله كهر.

ومع تزاحم كوابيس حمى الملاريا، التي لم يصب بها مضوي منذ أيام عمله كضابط صغير في جنوب البلاد، كانت الذكريات المتباعدة تقترب، وتتداخل فكرة الحياة مع الموت مع الرغبة في أفعال متناقضة، مثل أن يعلن في احتفال العيد الرابع عن اعتزاله السلطة، لكن كيف سيكون ذلك وقد تورط تماما، كونه رئيس البلاد.

حتى لو رغب في التنازل عن السلطة فلن يتركه الزبانية الذين يحيطون به ويخيطون المؤامرات. هو متأكد من أن حبهم مزيف، يرتبط بمصالحهم الذاتية، وشهوانيتهم الحيوانية، لكن ماذا سيفعل.

قبل أن يستسلم للنوم، كان قد قرر أن كل شيء يجب أن يسير وفق إرادة الله وعزى نفسه بالحديث مع نفسه قائلاً:

“أنت يا مضوي لم تختر دربا من دروب حياتك. الحياة وحدها هي التي أوصلتك لهذا المكان، فلا تناكفها، ولا تكن جباناً مثل أبيك بعد أن ثبت وبالفعل القاطع أنك شجاع ابن شجاع. فهل يتجرأ أحد الآن ليقول أن والد الرئيس كان يخاف من ظله”

مع الفجر تنتهي هواجس المساء وتدخل الحمى في سراديب مندسة في الجسد.

ينهض مضوي، يدخل الحمام، يرش الذكريات برغبة محمومة في الاستلذاذ بمزيد من الحياة المرهونة للأقدار والتوقعات الإلهية.

يدخل مكتبه في القصر الجمهوري مبكراً، عكس العادة. لم يكن موظفو القصر قد داوموا بعد.

قام الرئيس بتحضير القهوة بنفسه، واتصل هاتفياً بنائبه:

“أعلنوا في وسائل الإعلام أن الرئيس سيلقي خطاباً مهماً اليوم على الشعب بمناسبة الذكرى الرابعة لعيد الثورة”

وضع سماعة الهاتف وترنم بأغنية شبابية سمعها قبل يومين في السيارة أثناء تفقده لأحد الأحياء العشوائية بأطراف الخرطوم، التي قامت البلدوزرات بطرحها أرضاً.

رأى أطفالاً نازحين من الحرب، يندسون وراء البلدوزر وهم يبتسمون أمام منازلهم المتواضعة التي انهارت كأعواد الكبريت.

دخل عليه عامل النظافة الحبشي بصحف الصباح، اكتفى بقراءة العناوين الرئيسية في الصفحات الأولى، أثناء تدخينه سيجارة ماركة بنسون، على عجل.

توقف أمام عنوان بجريدة معارضة يقول:

(المفاوضات في جيبوتي تصل لطريق مسدود)

قرأ الخبر مبتسماً، كأنما لا يهمه الأمر، أو كأن الذي جرى يتعلق ببلد ثان، غير البلد الذي يحكمه.

تحرك في المكتب يميناً ويساراً قبل أن يفتح النافذة لتداعبه نسمات هواء باردة في أوائل شهر ديسمبر مع مقدم الشتاء.

مع النسمات الباردة أعادته الذاكرة لذلك اليوم المشهود، الرابع من ديسمبر، عندما كان يستعد بين التوتر والارتباك لإذاعة بيانه الأول.

كانت التقارير الشفهية التي وصلته تفيد أن كل شيء على ما يرام.. سمع صوت رصاص على بعد خطوات منه.. ارتجف، لكنه ادعى التماسك حتى لا يتهم بالخوف أمام رفاقه من رجال مجلس الثورة الذين وقفوا مرتبكين حوله.

كان يوماً عصبياً، أطول من يوم القيامة، تأخرت فيه الشمس عن المغيب وصارعته فيه أفكار متشتتة ومتداخلة واستعرض حياته كلها في لمح البصر وزرف دموعاً من قلبه، فطالما شعر بالحزن كلما رأى صورة والدته ماثلة أمامه وهي تجاهد من أجل إكمال تعليمه.

رآها يوم تخرج ضابطاً، كانت تقف وسط الحشود في ساحة الاحتفال بوسط الخرطوم، وزغردت بصوت عالٍ، ثم بكت، ورآها عند أول إجازة، بعد أن قبض راتب الشهر الثاني عشر وعاد لبلده حيث استقبلته باكية عند موقف الباصات القادمة من الخرطوم.

في البيت جلس على طرف العنقريب، امتلأ الحوش بالجيران يهنئون زينب بعودة ابنها من الخرطوم.

كان من بين قدموا للتهنئة الفقير عطا الله، هذا الرجل الذي كلما تقدمت به السن بدأ أكثر شباباً ونضارة في الوجه، حاملاً مسبحته وفي جيبه ساعة كبيرة يخرجها كل خمس دقائق ليعرف كم يكون الوقت، في فعل يبدو أنه غير مقصود.

ضحك عطا الله وهو يحتسي كوب الليمون الحار الذي صنعته زينب، وتبادل النكات مع مضوي، وقال:

“إنشاء الله يأتي اليوم الذي نراك فيه رئيساً للبلد، بعد أن أصبحت ضابطاً والحمد لله”

قال عطا الله ذلك، ليس لأنه يرى الضباط يصبحون رؤساء بلا هوادة في بلد مضرج بالجراح، ولكن لأنه رأى شيئاً، فعطا الله لا ينطق عن الهوى، هذا ما فسرت به زينب الأمر في المساء، عندما كانت تتجاذب أطراف الحديث مع مضوي، قبل أن يذهبا سويا لزيارة عدد من الأهل الذين فقدوا أقارب لهم خلال العام المنصرم الذي غاب فيه مضوي عن البلد.

كان مضوي ومنذ طفولته يفهم الواجب جيداً، وقد حافظ على علاقات طيبة مع أهل بلده، إلى ساعة أطل على شاشة التليفزيون معلناً أول بيان للثورة.

في ذلك الصباح لم يبق أحد من أهل البلد إلا وشعر بالزهو، ولم يبق أحد إلا وقال: “الرئيس صديقي”…. أو ” الرئيس من أقاربي”….

لكن مضوي ومنذ أن أصبح رئيساً لم يعد يتذكر أهله ولا أصدقاءه القدامى في البلد.

فشلت محاولات الكثيرين من أهل الرميلة – بلد الرئيس – من الذين يطمحون في مراكز مرموقة بالدولة، في الوصول إلى الرئيس، كانوا يقولون: “لقد صار إنساناً مهماً جداً، ومن الصعب أن نصل إليه”.

بعد شهور قليلة من الثورة، تحول فرح أهالي الرميلة، الذي شعروا به مع أول يوم وهم يسمعون البيان الأول، إلى غضب جمّ ولعنة لعهد مضوي.

إذا كان من طبيعة الناس أن تنسى، وهنا نجد أن الناس سريعو النسيان، فقد تغير كل شيء عندما جاء الرئيس في أول زيارة رسمية للرميلة، كان أن استقبل بحفاوة مبالغ فيها من قبل محبيه ولاعنيه ممن فشلوا في مقابلته، وذبح أهل البلد مائتي ثور وأكثر من ألفي دجاجة.

قفز مضوي فوق الثيران، بعد أن انهمر دمها في ساحة المولد بوسط البلد، ومن عند المنصة العالية التي جهزها عبد المحمود أقدم نجاري الرميلة، وقف الرئيس ابن البلد يخاطب أهله قائلاً:

“سنشق الطرق في البلد، وسنحفر بئراً جديدة للمياه مع صهريج من الأسمنت، أما خدمات الكهرباء فستكون جاهزة خلال شهرين، لقد أبرمنا اتفاقا مع شركة ألمانية ستبدأ عملها بعد أسبوع”

انتهت الزيارة ومعها غابت الوعود، فالرئيس نفسه لم يكن يدري هل سيتحقق ما قرأه من على الورقة التي قدمها له أعوانه قبل خمس دقائق من اعتلائه المنصة، أم لا.

فقط كان يقرأ المكتوب وينسى كل شيء بمجرد النزول من على المنصة.

ظن أهل الرميلة أن الأمر يتعلق بهم وحدهم دون سائر مدن وبلدان الدولة، في الخدمات التي خصهم الرئيس بها وقالوا:

“لقد حرص مضوي على إعادة تأهيل بلده، فهو رجل أصيل لم ينس أهله”

الواقع أن الرئيس كان يقول مثل هذا الكلام ويقطع مثل هذه الوعود أينما حل في رحلاته التي لا عد لها، في شمال البلاد، شرقها وغربها، وفي جنوب البلاد حيث يحس الجنود هناك على القتال ويعدهم بالمزيد من الترقيات وأن هذا العام قبل نهايته سيشهد نهاية الحرب مع المتمردين وإحلال السلام في البلاد.

مع كل رحلة، ومع كل صباح جديد عندما يقف مضوي أمام نافذة مكتبه بالقصر الجمهوري، يشعر بأن ثمة ما هو غير مفهوم ومعقول في هذه الحياة.

يفكر مع نفسه بعمق:

“هل كنت تفكر في هذا الذي أدركته من قبل؟ وكيف وصلت إلى هنا؟”

كعادته يزيح الأفكار سريعاً، ويستجيب للحظات الراهنة، حيث يقوم بإصدار أوامره ويقوي قلبه الهش بأن لا يرتهن للرقة والشفقة، مردداً عبارة تعود على قولها بصوت غير مسموع أمام محدثيه من رجاله وأعوانه:

“لقد مات الضمير!”

مضى الاحتفال بالعيد الرابع للثورة كحدث عادي لمضوي، ولم يكن مستغربا للرئيس أن يخرج عصراً ليرى اللافتات الكبيرة وقد غمرت الشوارع، والمهرجانات والحشود في كل مكان.

فكر من يقوم بكل هذه الجهود العظيمة ؟ فهو لم يعط أوامر لأي جهة أو أي فرد من أعوانه بالحكومة ليقول للناس أخرجوا إلى الشوارع لتهتفوا بحياة الرئيس وعيد الثورة، ولم يوقع على أية ورقة تتعلق بميزانية الاحتفالات.

الأمر لم يكن مفاجئاً في خلاصته، فقد تعود الرئيس أن يرى احتفالات عديدة ويشهد مناسبات مختلفة، جلها لا يعلم عنه إلا في حينه، دون أن يدرك متى تم التخطيط لهذه المناسبات، وكيف أعد لها، ومن أين تم الصرف عليها وعبر أي قناة! حتى أنه في لحظات كثيرة كان يتوقف ليسأل نفسه:

“هل أنا الذي يحكم هذا البلد أم أن هناك حاكم آخر غيري؟”.

في ذات الوقت كانت كل المؤشرات في الشارع العام تقول بأن مضوي هو اليد القابضة على كل صغيرة وكبيرة في البلاد.

قال مضوي في الصباح لنائبه:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق