ثقافة وفن

فصل من كتاب “تاريخ الخيال”

عماد البليك

يقول اينشتاين أعظم عالم فيزياء في القرن العشرين، بل ربما على مدار التاريخ البشري إلى اليوم، أن الخيال «أهم من المعرفة» ويبرر ذلك بأن» المعرفة محدودة بما نعلمه ونفهمه، فيما الخيال يحتضن كل العالم، وهناك يوجد ما سوف تتعلمه أو تفهمه»، لكن قبل أن ندرك أن الخيال أهم من المعرفة، يجب علينا أولا أن نستوعب ما المقصود بالخيال؟!

يخلط بعض الناس أو ربما أغلبهم بين الخيال والتصوّر، وهما شيئان مختلفان فالأول يشمل كل الصور والأفكار التي تخطر في اليقظة أو المنام، أو توليد الذهن لأشياء لا وجود لها في العالم الخارجي. في حين أن التصوّر قد يكون محدودا بقدرات معينة من تكييف بعض الصور أو توليدها لأشكال جديدة أو تطويرها أو إعادة تشكيلها الخ..

فإذا كان الخيال يتحرك من منطقة العدم مجازا حيث لا عدم، إنما كل خيال هو توليفة لمعطيات سابقة، فإن التصوّر يكون له آلية أكثر وضوحا وفيه شيء من المنطق والوضوح والتصديق. في حين قد يجابه الخيال بالقبول أو الرفض، بحسب الطرف الذي يستقبل الرسالة المتخيلة. بهذا فالتصورات تدخل في حيز اختبار المعارف الإنسانية وتطويرها، في حين أن الخيال يسبق كل ذلك.

على مدار التاريخ الإنساني ارتبط الخيال بعالمين، أو حيزين، الأول هو العقل البشري، والثاني هو مطلق الأشياء، سواء الله الخالق، أو الآلهة، أو الوحي، أو الأحلام والنبوءات الغريبة وغيرها من مصادر غيبية. ويجب أن ندرك بأن الإنسان ولفترات متقدمة من التاريخ لم يكن يدرك أن الخيال يتولد عن الدماغ الذي يحمله في رأسه، وهذا يعيد إلى فهم العلاقة بين أعضاء الكائن البشري والوظائف التي تضطلع بها.وفي بعض المفاهيم الدينية كما في تصور قصة الخلق فإن المعرفة والخيال بدأت من الله ثم انتقلت إلى الإنسان، حيث أنه لم يبدأ الاختبار والتجريب إلا بعد أن تعبأ وعاء العقل عنده بالصور والاسماء والصور التي كانت عبارة عن تغذية من الذات الإلهية مباشرة.

لعله من المهم أولا أن ندرك ما هو الدماغ وما هي قصته بالضبط، إذ من خلال معرفة ذلك يمكن لنا أن ندخل إلى موضوع الخيال، وهنا سوف نرى أن علماء الأحياء أو البيولوجيا يعيدون موضوع جذور المخ الإنساني إلى الأحياء البسيطة أو البدائية ذات الاستجابة المحدودة، حيث كان ذلك قبل ظهور الحيوانات الأكثر تعقيدا، هذا بحسب نظرية التطور. في المقابل فإن الدينيين يرون بأن المخلوقات ولدت مكتملة بفعل الأمر الإلهي، أو قل كان فيكن.

على أي حال، فالحيوانات بسيطة التركيب أو ذات الخلية الواحدة لم يكن لها إدراك كبير كما هو معلوم، وهي تسبح سواء في الماء أو الفراغ وتتحرك وتتصرف بناء على استشعار مباشر عبر الخلية الأحادية، تستجيب للبيئة من حولها أو تقاومها مستمرة في الحياة أو تموت في نهاية الأمر، وهذا النوع من الطرق الاستشعارية يمكن أن نطلق عليه عقلا مبدئيا، تطور عند الكائنات الأكثر تعقيدا من حيث البناء البيولوجي، من ذوات الخلايا المتعددة إلى أن نصل الثدييات كالإنسان التي هي سلالة عميقة جدا من حيث التعقيدات البنائية وأنظمة الأعصاب والاستجابة للمحيط البيئي الذي سوف يزداد تعقيدا ليصبح ليس مجرد فراغا ماديا، بل مجموعة من الأفكار والرؤى والخيالات والمعارف.

يشير العلم إلى بعض الحيوانات من ذوات الخلايا المحدودة اعتمدت في الإدراك على الاستجابة والإحساس على قدرة عمل مجموعة من الخلايا معا، وأن هذا النوع من التشاركية في ردة الفعل أو إنتاجه، شكّل أول إشارات أو بداية المخ الحديث، حيث يكون التفاعل بين الخلايا في وظائف موحدة، كما في الدماغ البشري حيث أن مجموع الخلايا تعمل معا لتحقق الاستجابة أو الأثر.

لعل الخوض في قصة الدماغ البشري وتطوره تقودنا إلى جدل كبير في التاريخ محله عند علماء الإحياء الذين سوف يشرحون لنا كيف أن الإنسان الحديث أصبح عاقلا بالمعنى المباشر، هم أنفسهم ربما سوف يجيبون لنا ولو بطرق ملتوية على سؤال مثل، هل كانت الديناصورات الذكية ستحكم العالم، إذا استمرت في الأرض، كما أن ذلك سوف يجر إلى ما أبعد من ذلك من أسئلة تتعلق بالمستقبل، عما سيحدث للدماغ البشري، بمعنى الخيال والمعرفة والإدراك والتعلم مع مرور القرون، هل سوف سيتطور ليكون أكثر تعقيدا وفائقا في القدرات أم قد يحدث العكس؟ أم أن هذا الكمال قد وصل حده من الناحية البيولوجية؟ ليكون الاشتغال على التطوير القائم على الاندماج مع الأدوات التقنية والذكاء الاصطناعي وغيرها من التصورات التي تطرح في العالم اليوم.

كل هذه الأمور تشير إلى موضوعنا الأساسي، الخيال، الذي سوف يظل المحك الأساسي في هذه المعركة المستمرة بين الإنسان والواقع، بين الحقيقة ومضادها، فكل ما لم يثبت وجوده يظل لا حقيقيا، خياليا أو غييبا، إلى أن يدخل حيز الواقع ذات يوم ليصبح له تقدير حقيقي من ثم قد يفقد قيمته، لأن المفارقة تقوم على أن معظم التجربة الإنسانية تقوم على تقديس المتخيل والغيبي في حين أن ترفض الواقعي، وهذا الكلام قد يبدو غريبا في الوهلة الأولى، لكنه صحيح إذا ما أعدنا التفكير فيه في أن مجمل علاقات البشر بين بعضهم بعضا وفي كل المعاملات المختلفة، ما هي إلا نسيج من التخييل أو الأوهام كما يسميها البعض، وهذا الخيال الجامح الذي أصبح له قوة الحضور هو الذي يقدم لنا حركة الإنسان في التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق