ثقافة وفن

الخبيرة الدولية في منظمة الإيسيسكو الدكتورة أنيسة النقراشي:

التطور الحقوقي للوضعية النسائية بالمغرب هو جزء أصيل من الانتقال الديمقراطي

في هذا الحوار الإعلامي المُؤَطَّر بقراءة علمية، الحامل لهموم و انشغالات المجتمعات العربية والإفريقية وبدرجة أكبر وأعمق الشق المتعلق بالوضعية الحقوقية للمرأة،  تعتبر الدكتورة أنيسة النقراشي، الفاعلة الجمعوية والخبيرة الدولية لدى منظمة الإيسيسكو، أن الرُقي بحقوق المرأة، باعتبارها مكوناً أساسيا ومفصلياً في البنية المجتمعية لأية أمة، هو أحد أهم المرتكزات الكبرى، المساهمة فعلياً وإجرائيا في تعزيز  وترسيخ قيم ومقومات المشروع الديمقراطي، وبناء الدولة الحديثة في أي بلد يصبو فعلا إلى الرقي والنماء في شتى مناحي الحياة .

حاورها: عبد العالي الطاهري

> من موقعكم كفاعلة جمعوية وخبيرة دولية لدى منظمة الإيسيسكو،1 كيف ساهمتم كهيئة عالمية تُعنى بالتربية والعلوم والثقافة، في التخفيف من آثار وتبِعات جائحة كورونا على مستوى البلدان التي تشتغلون بها؟

< أطلقت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) للتو “المنزل الرقمي للإيسيسكو” ، وهو واحد من سلسلة من المبادرات العملية والبيانات الصحفية والنداءات. انطلق التوجيه منذ ظهور فيروس كورونا (كوفيد 19) في العديد من الدول الأعضاء فيه، وتهدف الإيسيسكو من خلال هذه المبادرة إلى دعم جهود الدول الأعضاء والمجتمع الدولي ككل لمكافحة الوباء، من خلال اقتراح أفضل الحلول للتعامل مع حالة الطوارئ الحالية، وتقديم الوسائل الأكثر تقدمًا، ولا سيما الوسائل التكنولوجية والمرنة بسبب قيود الإغلاق الناجمة عن وباء كورونا، والأكثر فاعلية للحد من تأثيرها على التعليم والعلوم والثقافة. تتكون مبادرة “المنزل الرقمي للإيسيسكو” من سلسلة متنوعة ومتكاملة من تدابير الدعم السريع على أرض الواقع، وأدوات الاتصال المرنة ، والوسائل التكنولوجية الحديثة ، والمنتجات الرقمية الشاملة ومحتوى يغطي مختلف مجالات التربية والعلوم والثقافة.

تتعلق هذه التدابير على وجه الخصوص بتطوير مجموعة واسعة من أدوات المعرفة المفتوحة، بما في ذلك أحدث البرامج المطلوبة للتلاميذ والطلاب والباحثين والمُدرسين ومبدعي المحتوى التعليمي الرقمي والأدلة التعليمية لجميع المستويات ومحتوى تعليمي تفاعلي في جميع التخصصات ولصالح الفئات العمرية المختلفة ، بالإضافة إلى المعرفة العالمية والأنشطة الثقافية والمحتوى الفكري.

> ذكرت مجموعة من التقارير الدولية، أن العديد من البلدان قد سارعت إلى تبني خطة2 احترازية وقائية مع بداية الجائحة حماية لمواطنيها، فيما تبنَّت دول أخرى معياراً لاإنسانياً  وهو المتمثل في «  الأرواح مقابل الأرزاق »، أي إعطاء الأفضلية للاقتصاد على الأرواح؟

< يبدو أن هناك مفاضلة بين أمرين متعارضين: فإما إنقاذ الأرواح أو إنقاذ الأرزاق، لكنها في الواقع معضلة زائفة، فالسيطرة على الفيروس هي في الأساس شرط لازم لإنقاذ الأرزاق، وهذا هو ما يشكل رباطا وثيقا بين منظمة الصحة العالمية وصندوق النقد الدولي، فمهمة المنظمة هي حماية صحة الأفراد، وهي في وضع يمكنها من تقديم المشورة بشأن الأولويات الصحية؛ بينما تتمثل مهمة الصندوق في حماية صحة الاقتصاد العالمي، حيث يقدم المشورة بشأن الأولويات الاقتصادية كما يساعد في إتاحة التمويل. وعليه فإنه على صُناع السياسات والقرارات، وخاصة في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، أن يتفهموا أن حماية الصحة العامة تسير يداً بيد مع إعادة الناس إلى مزاولة أعمالهم وحياتهم الاعتيادية الطبيعية.

> باعتباركم تترأسين مؤسسة «نور للتضامن مع المرأة القروية بالمغرب».. ما هو3 تقييمكم لوضعية المرأة المغربية، خاصة القروية على مستويي الحقوق والمكتسبات، اجتماعيا واقتصاديا وقانونياً؟

<  تعتبر المرأة القروية المغربية قوة مهمة في جل الدواوير وفي الحياة العامة بالعالم القروي، إذ أنها تساهم بشكل فعَّال في المدخول الأسري من خلال الأنشطة الفلاحية وغير الفلاحية.  وتظهر المعاناة الأساسية للمرأة القروية منذ طفولتها، فالفتاة القروية تعاني التهميش والفقر كما يساهم الجهل والحواجز الثقافية في تقييد حركتها. فعلى مستوى التعليم والتمدرس نجد أن نسبة الأمية بالمغرب مرتفعة بشكل مرعب وخاصة في صفوف النساء القرويات مقارنة مع الذكور، وهذا يرجع إلى تدني مستوى التعليم وارتفاع نسبة الهدر المدرسي بالمغرب، كما يرتبط بالتوزيع غير الرشيد للمدارس في مختلف أرجاء المملكة وهو ما يمنع الفتيات خاصة من إتمام تعليمهم لوجود المدارس بعيدا عن مقر سكناهم. وهذا ما يعني أن الدولة أمامها تحدي كبير فيما يخص تشجيع التمدرس والقضاء على الأمية في صفوف النساء الراشدات.

> ارتباطا دائما بالأوضاع الحقوقية للمرأة المغربية، ما هي مقاربتكم لهذا الموضوع في سياق المقارنة بتجارب دول أخرى، عربياً وإفريقياً ودولياً؟

< قضية المرأة ومشاركتها في جميع مناحي الحياة داخل المجتمع، احتل حيزا هاما من النقاش والجدال داخل المغرب، حيث استطاعت من خلال النضال النسائي ولعقود من الزمن أن تحقق المرأة قفزة نوعية على جميع المستويات، وحققت مكاسب مهمة في مجالات سياسية واقتصادية وقانونية، وهو ما جعل البعض يطلق عليها اسم الثورة البيضاء، حيث لم يكن من الممكن عزل هذه القضية عن مسلسل الانتقال الديمقراطي الذي انخرط فيه المغرب منذ القرن الماضي، ولأن تقدم المرأة يعتبر أحد أهم المرتكزات المساهمة فعلياً وإجرائياً في تعزيز الانتقال الديمقراطي وبناء الدولة الحديثة.

ويبقى النهوض بحقوق المرأة ونشر ثقافة وقيم المساواة والإنصاف، خيار وضرورة تتحملها كل مكونات المجتمع المغربي سواء تعلق الأمر بالسلطات العمومية والحكومة، أو المنظمات غير الحكومية وكل قوى المجتمع المدني.

لكن ما عاشته وتعيشه المرأة المغربية لم يكن وليد اللحظة بقدر ما كان نتيجة مجهودات وصراعات خاضتها المرأة والرجل على حد سواء.

تشكل المرأة المغربية أزيد من نصف ساكنة المغرب، ويغلب عليها الطابع الشبابي، وهو ما شكل احد أهم الدوافع التي جعلت من انخراطها داخل المجتمع بشكل فعلي أمرا ملحا، على اعتبار أن المرأة شريك أساسي في تحقيق التنمية المجتمعية وليس مجرد تابع. ولقد سجلت العشرية الأخيرة تقدما ملحوظا لدور المرأة والذي جاء نتيجة لتضافر العديد من العوامل ومن أهمها تنامي حركات ديمقراطية وحقوقية، تجسدت في نضالات الحركات النسائية وحضورها بشكل مكثف في مختلف هيئات المجتمع المدني.

وقد شكلت «مدونة الأسرة» منعطفا حقيقيا في تاريخ التشريع المغربي، وقفزة نوعية في تاريخ تعزيز حقوق المرأة والطفل. حيث تم تغيير بنود قانون الأحوال الشخصية لصالح المرأة والطفل وخاصة ما يتعلق في حقها في الزواج والطلاق والولاية والحضانة. وتلت هذه الخطوة العديد من الإنجازات من أهمها منح الأم المغربية الجنسية لأبنائها من زوج غير مغربي، كما تم اعتماد الإستراتيجية الوطنية لمناهضة العنف والتحرش الجنسي ضد النساء، واستُحدثت مراكز استماع وخلايا للنساء العنف في المستشفيات ومراكز الشرطة وجمعيات المجتمع المدني.

لكن حضور المرأة في مراكز القرار ظل محدودا، ولم يفض تطور وضعيتها السياسية والاقتصادية إلى تحسين تمثيلها السياسي، بسبب إكراهات الحقل السياسي والاقتصادي والاجتماعي واستمرار النظر إلى المرأة على أنها كائن غير سياسي.

ولتمكين المرأة من المشاركة في تدبير الشأن المحلي والرفع من التمثيلية النسائية بطريقة مباشرة تم في الانتخابات الجماعية ل 2009 ، اعتماد مقاربة النوع استنادا لأحكام الدستور وللوارد في مقتضيات الميثاق الجماعي، وإحداث دوائر اضافية في كل جماعة، حيث تم تخصيص 3260 مقعد جماعي للنساء.

وعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي، فالمرأة داخل المجتمع المغربي لازالت تعاني من ظروف الفقر والبطالة بنسب أكبر من الرجل، ومع أن الدولة وهيئات المجتمع المدني اتخذت خطوات ملموسة في هذا الإطار، والمتمثلة في المشاريع الصغيرة وخاصة على مستوى القرى والبوادي الفقيرة، وتشجيع الإنتاج المحلي والمقاولات الصغرى، إلا أن هذه الاجراءات تبقى غير كافية وخاصة في ظل الظروف والأزمات الاقتصادية الحالية.

أما على المستوى السياسي فعوائق المشاركة أيضا متعددة ومتنوعة ومرتبطة من جهة بالمجتمع نفسه ومن جهة أخرى بالهيئات السياسية ، ويظهر ضعف مشاركة المرأة بالخصوص على مستوى ضعف تمثيليتها في الهيئات السياسية (الأحزاب السياسية) و داخل المؤسسات الدستورية ،كالحكومة والبرلمان.

> تمَّ انتخابكم هذه السنة كمكلفة بالعلاقات الخارجية على مستوى «المنصة التشاورية الإفريقية»، التي تضم 30 دولة إفريقية.. ما هو تقييمكم لآفاق القاعدة التنموية «التعاون جنوب ـ جنوب» في جميع الميادين والمجالات ذات الصبغة التنموية، بين مكونات وأعضاء هذه الهيئة القارية؟

< التعاون فيما بين بلدان الجنوب هو إرادة سياسية واختيار استراتيجي للمغرب، وهو ما كرَّسته الوثيقة الدستورية لسنة 2011، إذ يؤكد الستور المغربي على التزام المملكة المغربية بـ: «توطيد علاقات التعاون والتضامن مع شعوب وبلدان إفريقيا»، ولا سيما بلدان جنوب الصحراء الكبرى والساحل.

ويبقى التعاون بين بلدان الجنوب من أهم التوجهات الكبرى للسياسة الخارجية للمغرب، وهو ما أشار إليه جلالة الملك محمد السادس في العديد من خطاباته الأخيرة، حيث أكد جلالته على الآتي: « لقد وضعنا إفريقيا في صميم  سياستنا الخارجية واتخذنا خياراً مدروساً وطبيعياً واستراتيجياً لصالح التعاون التضامني والتعاون فيما بين بلدان الجنوب والتعاون الثلاثي » ، مما سيؤدي إلى تنفيذ العديد من المشاريع الملموسة لصالح الكثير من دول القارة.

وكان من أبرز تجليات التعاون المغربي مع الأشقاء والأصدقاء في إفريقيا، هو إطلاق المملكة المغربية لجُملة من المبادرات الرامية في جوهرها إلى فتح المجال أمام هذه الدول للاستفادة من التجربة المغربية في مختلف المجالات، وهو ما أشار إليه جلالة الملك بقوله «بالإضافة إلى ذلك، نجعل التجربة المغربية متاحة لأشقائنا الأفارقة، في جميع مجالات التنمية، المصلحة المشتركة، مع السعي إلى تعزيز تبادل الخبرات وإشراك القطاع الخاص وجمعيات المجتمع المدني».

وتتم الإشادة بالتعاون بين بلدان الجنوب في كل فرصة، والزيارات الرسمية ذات الصبغة الاقتصادية القوية تضاعفت، علاوة على تشجيع الاستثمارات مع العودة القوية للمغرب إلى الاتحاد الإفريقي والتحاقه بالمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، صار أحد أبرز أعضاء هذا الصرح القاري الحضاري العريق.

جدير بالذكر أن جلالة الملك محمد السادس يبذل كل ما في وسعه لترسيخ المملكة المغربية بعمق وبشكل مستدام في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. كما أن السُدَّة العالية بالله تعمل على جعل “قارته الأم” مساحة مميزة للتبادل والنفوذ السياسي والاقتصادي للمغرب بمنطق رابح ـ رابح. بعد خطابه المؤثر والعميق بمناسبة العودة إلى الاتحاد الإفريقي، الذي ألقاه في العاصمة السينغالية دكار بمناسبة عيد العرش، ويكفي أن المغرب قد أحدث وزارة خاصة بالشؤون الإفريقية ألحقها بوازرة الخارجية لتصبح وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، لهو خير تأكيد على القيمة الوازنة للشأن الإفريقي في المنظومة السياسية والدستورية للمغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق