سياسة

التطبيع والوعي السياسي

وليد دبلوك

من الاشياء التي تبعث الارتياح في نفسي كمتابع شأني شأن غيري ، انه يوجد إجماع لحد كبير جدا على الترحيب والرضا والارتياح وفي بعض الاحيان الفرحة لقرار إزالة اسم السودان من قائمة الإرهاب المشؤومة ، تلك القائمة التي وصمت شعب هو في جوهره وصميم تكوينه الفطري شعب مسالم مسامح متصالح مع غيره وإن بعدت المسافات ، فكانت سمة الارهاب التي وصم بها بمثابة وصمة اشعرته بانه شعب منبوذ مكروه عدواني في نظر العالم الخارجي ، وهي تبعة تحملها بلا ذنب جناه وما اتت به يداه وإنما نتيجة عبث سياسي غير راشد مارسه النظام البائد فكانت العاقبة جزاء الشعب وقد عانى ولا يزال من جرائها الى اليوم ..

أما تباين الآراء واختلاف ردود الفعل ما بين القبول والرفض والقبول المشروط فكان على ما تلى قرار الازالة من القائمة المعنية، وهو قرار التطبيع مع دولة اسرائيل، إذ انقسمت الآراء حول التطبيع لتأخذ مسارب شتى وكل له مبرراته واسبابه وهنت او قويت فهي قناعات لدى اهلها..

واقول بدءا ان مجرد القبول بالتطبيع او مشروع التطبيع او التطبيع المبدئي مثلما المح وزير الخارجية المكلف قمر الدين ، ترسخ تلك الخوة أيا كان المسمى الى حقيقة اولية تمثل لدولة اسرائيل كسبا سياسيا من الدرجة الأولى لان التطبيع سواء كان مبدئي او مشروع تطبيع هو اعتراف ضمني بدولة إسرائيل ، وبذا اسقطت اسرائيل اولى اللاءات الثلاث لا اعتراف … وإن كانت تلك اللاءات التي تبنتها الخرطوم في القمة الشهيرة حتى اكتسبت الخرطوم لقب عاصمة اللاءات الثلاث ، قد سقطت فعليا في بدايات التسعينات من القرن الماضي عندما تصافح الزعيم الفلسطيني الراحل عرفات مع اسحق رابين في اوسلو ، وهم اي الفلسطينيون اصحاب القضية الاساسين ، وبتلك المصالحة والمفاوضة بين عرفات ورابين تكون فلسطين قد سحبت الملف من غيرها لتترافع اصالة عن نفسها في شأنها الخاص فعلام تمسكنا بوكالة انتزعت منا … !

   الناظر الى محيطنا الاقليمي نحن السودانيين وعلى دائر الخط الحدودي الملتف حول السودان نجد أنفسنا محاصرين بالوكالة عن اسرائيل عبر كل الدول المحيطة بنا ولكم ان تنظروا وتروا ذلك.. حتى جنوبنا الذي صارت له سيادة دولية منفصلة ومستقلة له علاقات دبلوماسية من الدرجة الأولى مع دولة إسرائيل.. ثم نتمدد خارج الإطار الاقليمي لنبحث في المحيط العربي فنجد علاقات عربية إسرائيلية من المحيط الى الخليج.

ان عالم اليوم بات عالم ينظر الى أفاق بعيدة تتمثل في كيفية توفير وسائل ومعينات البقاء والحياة الكريمة لكل الاجيال، وفي سبيل ذلك وصل الفكر العالمي الى اولى اسباب قوة البقاء تتمثل في قوة الدولة من الناحية الاقتصادية اولا ، فما عادت ثقافة الحروب تحتل مكان متقدم في الأيدولوجيات العالمية لان الحروب تحولت الى حروب اقتصاد وثقافات ووسائل ، وتلك الحروب النوعية لها ادواتها ووسائلها وابرزها التقنية والتكنلوجيا ، وهنا المحك .

من الخطأ ارتهان الموقف الرافض للتطبيع استنادا الى فكر جهوي او عقائدي لان هذه الافكار والمرتكزات لها من الحجج ما يمكن ان يقارعها حجة ومنطق ولكن من الاوفق والاسلم ان ينبني الرفض على اساس النظرة الوطنية عما وفيما وكيفما تتحقق للسودان مصلحة من هذا التطبيع..

آن الاوان لكي يحدث تغيير في العقلية السياسية السودانية مواكبا للتغيير العام الذي هو أحدث منجزات ثورة ديسمبر العظيمة وان ترتفع وتيرة الحس الوطني العام في العقل والباطن السوداني الرسمي والشعبي وهو الذي بدوره سيسهم في نقل السودان الى مرحلة جديدة هو اهل للعب دور بارز ومؤثر فيها بما يمتلكه من طاقات وإمكانيات وموارد هائلة اذا اضيف لها رشد سياسي عالي الوطنية فحتما بلاشك سيكون لهذا البلد شأن وشئون …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق