ثقافة وفن

الإسهام الثقافي للإماء في الحضارة الإسلامية (2)

جارية تهزم علماء الأندلس بأسئلتها العلمية وأخرى تروي عن الإمام مالك

أحمد بن إبراهيم

كما يخبرنا اليعقوبي (ت بعد 292هـ/1004م) -في كتابه ‘البلدان‘- أن الخليفة المعتصم العباسي (ت 227هـ/842م) حين أنشأ مدينة سامراء عام 221هـ/836م خصّص مواضع منها للأسواق والحوانيت، ومنها “سوق الرقيق في مربعة فيها طرق متشعّبة، فيها.. الحوانيت للرقيق”. وحين يتحدث المقريزي -في ‘المواعظ والاعتبار‘- عن “خط (= شارع) المسطاح” بالقاهرة يحدد مكانه بالضبط ثم يقول إنه “فيه اليوم سوق الرقيق”.

ومثلما انتمى تجار الرقيق إلى مختلف الأديان كان المشترون له من كافة الطوائف أيضا؛ ولذلك يلاحظ المقريزي أن المسيحيين بمصر خلال عهد الخليفة الفاطمي الظاهر (ت 427هـ/1036م) “اتخذوا العبيد والمماليك والجواري من المسلمين والمسلمات”. وفي القرن الخامس نفسه؛ نجد ضمن تجليات ظاهرة تأثُّـر مسيحيي الأندلس بالثقافة العربية اتخاذَهم مجالس الغناء العربي وما كانت تشتمل عليه من حضور للجواري المسلمات المغنيات، وهو ما سيتكرر لاحقا بالمشرق الإسلامي حين يُنشئ الصليبيون إماراتهم على سواحل الشام وفي بعض مدنه الداخلية.

فهذا تاجر الرقيق الأندلسي الطبيب والعالم الموسوعي محمد بن الحسين المَذْحِجي المعروف بابن الكتاني (ت نحو 420هـ/1030م) يحدثنا عن حضوره لأحد هذه المجالس بقصر الملك المسيحي شانجة/سانشو بن غرسية صاحب مملكة نبّارة/نافارا شمالي الأندلس، فكان “في المجلس عدةُ قَيْنات (= مغنيات) مسلمات من اللواتي وهبهنّ له سليمان بن الحكم (= الخليفة الأموي المستعين بالله ت 407هـ/1017م) أيام إمارته بقرطبة”!!

وأثناء حديثه عن زيارته لصقلية سنة 580هـ/1185م بعد قرن من خروجها عن حكم المسلمين؛ يخبرنا الرحالة ابن جُبَيْر الأندلسي (ت 614هـ/1217م) عن ملِكِها النورماندي ويليام الثاني (ت 584هـ/1189م)، فيقول: “وأما جواريه وحظاياه في قصره فمسلمات كلهن، ومن أعجب ما حدثنا به خديمُه.. يحيى بن فتيان الطَّرّاز.. أن الإفرنجية من النصرانيات تقع في قصره فتعود مسلمة، تعيدها الجواري المذكورات مسلمة، وهن على تكتّم من ملكهن في ذلك كله، ولهنّ في فعل الخير أمور عجيبة”!!

وكما تملَّك الرجالُ هؤلاء الجواريَ فقد كان أيضا للنساء ذوات المكانة الاجتماعية -حتى من غير زوجات الخلفاء والأمراء- نصيب منهن، فكنّ يستخدمن المثقفات منهن في الأعمال الإدارية والترفيهية، ويتخذن غيرهن لمهمات أخرى بينها الحراسة الأمنية؛ ومن أمثلة ذلك ما ذكره الحُصْري القيرواني (ت 453هـ/1062م) -في ‘جمع الجواهر في المُلَح والنوادر‘- من أن “زينة بنت [الوزير] المهلبي (ت بعد 362هـ/973م).. بلغت بها الحال إلى أن اتخذت الجواري الأتراك حُجَّابًا (= حُرّاسا) في زِيِّ الرجال على ما جرى به رسم السلطان، وكان لها كُتّاب (= مديرات أعمال) من النساء مثل سلمى النوبختية وعائشة بنت نصر القسوري”.

أعراق متعددة

وقد جُلبت إلى الحواضر الإسلامية الجواري من كافة الأجناس والأعراق؛ فكان منهن التركستانيات والسنديات والهنديات، والروسيات والأرمنيات واللانيات (القوقازيات)، والروميات والصقليات والصقلبيات (السلافيات)، والزنجيات والحبشيات والنوبيات، وغيرهن من الأجناس الأخرى. وكل جنس من هؤلاء كان يتميز عن الآخر بصفات خَلْقية أو خُلُقية، كما تتفاوت جواريهم تبعا لثقافة إحداهن ومهارتها في صنعة الأدب والغناء، وبـ”ما كان معهـ[ـا من] آلة السماع مع الحذق البارع والأداء الصحيح”؛ وفقا لشهادة الرحالة والجغرافي ابن حوقل الموصلي (ت بعد 367هـ/978م) في ‘صورة الأرض‘.

وقد أفاض أبو الحسن ابن بطلان البغدادي (ت 450هـ/1059م) -ضمن ‘رسالة جامعة لفنون نافعة في شَرْي الرقيق‘- في ذكر محاسن كل جنس من أجناس الجواري وفق معايير الجمال في زمانه؛ فوصف مثلا الجواري الروميات بأنهن “بيض شُقر، سباط الشعور، زُرق العيون، عبيد طاعة وموافقة، وخدمة ومُناصحة، ووفاء وأمانة ومحافظة، يصلُحن للخزن، لضبطهن وقلة سماحتهن، لا يخلو أن يكون بأكفهن صنائع دقيقة”.

وعن مبلغ ما كان يناله تجّار الجواري المثقفات من مكاسب مالية؛ يفيدنا ابن تَغْرِي بَرْدِي (ت 874هـ/1470م) -في ‘النجوم الزاهرة‘- بأن “عِنَان جارية الناطفي (= تاجر بغدادي) كانت من مولّدات المدينة المنورة، وكانت جميلة شاعرة فصيحة سريعة الجواب؛ بلغ [الخليفةَ هارونَ] الرشيدَ خبرُها.. فقال مولاها [الناطفي]: ما أبيعها إلا بمئة ألف درهم (= اليوم 125 ألف دولار أميركي تقريبا)، فردّها الرشيد، فتصدّق مولاها الناطفي بثلاثين ألف درهم [سرورا برجوعها إليه]. وبعد موت الناطفي بيعت بمئة ألف درهم وخمسين ألف درهم، وماتت بخراسان” سنة 226هـ/841م.

وكانت الدولة -لاسيما في عصور قوتها- تُخضع تجارة الرقيق لتنظيمها بإشراف هيئة مختصة بأسواقها سُميت أحيانا “ديوان (= إدارة) الموالي والغلمان”، الذي نجد ذكره ضمن الدواوين/الإدارات التي نقلها الخليفة المعتصم إلى عاصمته الجديدة سامراء سنة 221هـ/836م؛ حسبما يورده المؤرخ اليعقوبي (ت بعد 292هـ/905م) في ‘البلدان‘. وقد فرضت السلطات على أسواق الرقيق ضرائب سنوية، ومن تحديدات مقاديرها ما يخبرنا به المقريزي (ت 845هـ/1441م) -في ‘المواعظ والاعتبار‘- من أن الضرائب السنوية لـ”سوق الرقيق [بمصر كانت]: خمسمئة دينار”.

وحين تغيب الإدارة المختصة بأسواق الرقيق ودُور بيعه فإن الإشراف عليها يكون عادة ضمن صلاحيات جهاز “الحسبة”، فيتولى موظفوه التفتيش على هذه الأسواق والدُّور لضمان التزامها بالآداب والقوانين العامة. وقد حفظت لنا كتب التاريخ أسماء بعض هؤلاء الموظفين مثل إبراهيم بن بطحا البغدادي (ت 332هـ/944م) الذي كان يعمل “محتسب الحضرة وسوق الرقيق”؛ كما ينقل الصابئ (ت 448هـ/1057م) في ‘تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء‘. ويذكر ابن الجوزي -في ‘المنتظم‘-أبا محمد أحمد بن محمـد بن موسى (ت 324هـ/936م) ضمن “الأكابر”، ويقول إنه كان “معنيا بأمر الأخبار يطلب التواريخ، وولي حسبة سوق الرقيق وسوق مصر”.

رقابة قانونية

وقد ارتبطت -منذ وقت مبكر- بوجود فئة الجواري وظائفُ كان من بينها ما عُرِف بـ”قيِّمة الجواري”، وهي سيدة كانت ترعى شؤونهن الخاصة في أسواق الرقيق وفي البيوت التي تتعدد فيها الجواري. وهو ما نجد ذكْرَه في قصص من بينها حوارٌ جرى بين التابعي عبد الله بن جعفر الهاشمي (ت 80هـ/701م) والخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (ت 86هـ/705م)، ونقله لنا ابن عبد ربه الأندلسي (ت 328هـ/940م) في ‘العقد الفريد‘؛ ففيه أن ابن جعفر قال: “فدعوتُ ‘قيِّمة الجواري‘ فقلتُ لها: انطلقي الساعة فزيِّـني هذه الجارية”.

ونحن نرى في مؤلفات الاحتساب الإسلامية ما ينفي الصورة -الشائهة والمحرَّمة شرعاً- التي رُسمت عن أسواق النخاسة ببيع الجواري عرايا في الأسواق، كما توحي به لوحات بعض المستشرقين وأفلام السينما الحديثة؛ فنجد أن هذه المؤلفات وضعت شروطًا قاسية لمن كان يمتهن النخاسة وبيع وشراء الرقيق.

ومن ذلك ما جاء في ‘نهاية الرتبة الظريفة في طلب الحسبة الشريفة‘ لجلال الدين الشيزري (ت 590هـ/1193م)؛ إذ يقول: “في الحِسبة على نخّاسي العبيد.. يكون النخّاسُ ثقةً أمينًا عادلاً، مشهورًا بالعفّة والصيانة؛ لأنه يتسلم جواري الناس وغلمانهم، ورُبمّا اختلَى بهم في منزله، وينبغي ألا يبيع النخاسُ لأحدٍ جارية ولا عبدًا حتى يعرف البائع أو يأتيَ بمن يعرفه، ويكتُب اسمه وصفته في دفتره؛ لئلا يكون المبيع حُرًّا أو مسروقًا. ومن أراد شراء جارية جاز له أن ينظر إلى وجهها وكفّيها، فإن طلبَ استعراضها في منزله والخلوة بها فلا يمكّنه النخّاس من ذلك”.

ومع شمول الاحتساب على الرقيق تأليفًا وتطبيقًا؛ كانت الدولة في كثير من الأحيان لا تتوانى عن إفراد قوانين جديدة لتنظيم عمليات البيع والشراء، ومراعاة الآداب العامة في أسواق الرقيق؛ فالمقريزي يذكر -في ‘اتعاظ الحنفا‘- أنه في سنة 399هـ/1011م “مُنع أن يدخل أحد إلى سوق الرقيق [بالقاهرة] إلا أن يكون بائعا أو مشتريا؛ وأُفرِد الجواري من الغلمان وجُعل لكل منهم يوم”.

وكغيرها من المعاملات التي تشهد المنازعات والخصومات؛ فقد كان القضاء مسؤولا عن الفصل في قضايا بيع الرقيق وشرائه، ومن قصص ذلك ما يرويه القاضي وكيع البغدادي (ت 306هـ/918م) -في ‘أخبار القُضاة‘- من أن سلام البصري -وهو أحد النخّاسين بالبصرة في نهايات القرن الأول الهجري وبدايات القرن الثاني- قال: “اشتريتُ جاريةً فوجدتها حمقاء، فخاصمتُ فيها إلى إياس بن معاوية (المُزَني ت 121هـ/740م) وهو على قضاء البصرة، فقال: ما علمتُ أنه يُرَدُّ [مبيع الرقيق] مِن حُمق؛ فقلتُ: إنه حُمقٌ أشد من جنون، فدعاها، فقال: أي رجليك أطول؟ فمدّت اليُسرى، فقالت: هذه؛ فقال: أتذكرين ليلةَ وُلدتِ؟ فقالت: نعم. قال: فردَّها [إلى بائعها الأول]، أما هذه فتُرد”!!

تكوين متنوع

على عكس الصورة العامة المنمَّطَة في أذهان الأغلبية لحياة الجواري في الحضارة الإسلامية؛ نجد أن الآلاف منهن ساهمن بأدوار إيجابية في حركة المجتمع الإسلامي والحياة الثقافية العقلية فيه، بل وكان كثير منهن وراء نشأة وتربية رجال عظماء أصبحوا من بناة الدول المركزية في التاريخ الإسلامي، ولذلك يقول الإمام الذهبي (ت 748هـ/1348م) في ‘سير أعلام النبلاء‘: “كان الناس يقولون: مَلَكَ الأرضَ ابنا [جاريتين] بربريتين..: عبد الرحمن (الداخل الأموي ت 172هـ/788م)، والمنصور (العباسي ت 158هـ/775م)”!!

وطبقا لما يقرره الفقيه الشافعي وعلامة الأدب أبو حيان التوحيدي (ت بعد 400هـ/1010م) -في ‘الإمتاع والمؤانسة‘- فإن الجارية كانت تُختار “لنوادرها وحاضر جوابها، وحدَّة مزاجها وسرعة حركتها، بغير طيش ولا إفراط، وهذه شمائل إذا اتفقت في الجواري الصانعات المحسنات خَلبْنَ العقول، وخَلسْن القلوب”!!

وقد كثرت الجواري المثقفات والمغنيات اللاتي لم يخل منهن قصر أو بيت من بيوت عِلية القوم، ومن المؤشرات على هذه الكثرة اللافتة ما أفادنا به التوحيدي -في ‘الإمتاع والمؤانسة‘- حين قدَّم لنا إحصائية جزئية عن عدد المغنيات ببغداد في حدود سنة 360هـ/972م؛ فقال: “وقد أحصينا -ونحن جماعة في الكَرْخ- أربعمئة وستين جارية في الجانبين (= الكرخ والرُّصافة)، ومئة وعشرين حرة، وخمسة وتسعين من الصبيان البُدور..، هذا سوى مَن كنا لا نظفر به ولا نصل إليه لعزته وحرَسه”!!

ويبدو من ذلك أن المغنيات البارعات في الضرب على العود وغناء الأشعار بالألحان الرائقة كنّ الأكثر جذبا والأغلى سعرًا بين مختلف الجواري؛ ولذا كنّ هنّ المفضلات لدى الخلفاء والأمراء والمترفين من عِلية المجتمع، وكانت المدينة المنورة والبصرة من أهم مراكز تدريب وتأهيل الجواري على الغناء ونظم الأشعار في مجالس الأنس والطرب وما يتصل بذلك من معارف الأدب ورواية الأخبار.

نقلا عن: الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق