ثقافة وفن

حكاية الفلسفة (3)

أبو بكر الصديق على أحمد مهدي

فروع الفلسفة

الفلسفة هي عملية البحث المستمر عن الحقيقة، وكذلك السعي وراء معرفة الحقائق غير المرئية والخفية عن ذواتنا. وباعتبارها علم أو دراسة أكاديمية، فالفلسفة لا تكاد تكون مختلفة عن بقية المجالات الأكاديمية، ان لم تكن هي المتفوقة.

ويشارك طلاب الفلسفة باستمرار في طرح الأسئلة والمشكلات، ومحاولة ايجاد إجابات لها، واستخلاص حلول لها. الفلسفة نوع من بحور العلم لا يرى لها ضفاف، بئر للمعرفة، عميقة لا تجف كنوزها، ولا ينضب عطاءها، ولا يمكن إدراك قرارها، ولا يفهم لها عنوان، إلا من خلال البحث الدؤوب، والتحقيق الدقيق، والدراسة الصارمة.

وهناك خمسة فروع مختلفة للفلسفة، وهي الميتافيزيقيا (Metaphysics)، ونظرية المعرفة/الأبستمولوجيا (Epistemology)، والفلسفة الأخلاقية (Ethics/Moral Philosophy)، والفلسفة الاجتماعية والسياسية (Social and Political Philosophy)، والجماليات (Aesthetics). ودائما يكون الهدف والغرض من ممارسة فروع الفلسفة، هو إظهار وعرض المجالات التقليدية للفلسفة.

الميتافيزيقيا (Metaphysics)

افتتاحية أدونيسية ميتافيزيقية

«أمسِ، فأرةْ

حفرت في رأسي الضائع حفرةْ؛

ربما ترغب أن تسكن فيهِ

ربما تطمع أن تملك فيهِ

كل تيهِ

ربما ترغب أن تصبح فكرةْ…»

ولنبدأ بادئ ذي بدء، بادراك ومعرفة ما هي الميتافيزيقيا، ولتحقيق ذلك، ولإنجاز ما نصبو اليه، دعونا نطرح بعض الأمثلة على الأسئلة أو الاستفسارات الميتافيزيقية:

• ما هو الشيء الذي يجعل شيء ما يسبب شيئًا آخر؟

• هل يجب أن يكون لكل حدث سبب؟

• هل المستقبل حقيقي؟

• وماذا عن الماضي؟

• ما هي مكونات الوجود، إن وجدت، المستقلة عن أفكارنا حول الحقيقة، وحول حقيقتها؟

• ما معنى أن يكون الشيء جزءًا من شيء آخر؟

• عندما يكون للأشياء بعض الخصائص المشتركة، فهل هناك كيان مشترك حقًا فيما بينها؟

  هل هناك أكثر من طريقة للوجود؟

• كيف تستمر الأمور مع مرور الوقت؟

إن المواضيع الميتافيزيقية التي يمكن تطبيقها خارج نطاق الفلسفة، هي بشكل منتظم، ولكنه ليس دائماً، قضايا تهتم بتمييز وتقليم الكون وتصنيفه وتنظيمه.

ويبدو أن لهذا الوجود أشياء وحاجات وموجودات، ويبدو أن هذه الموجودات مقسمة إلى فئات متعددة كالأشجار، وكأجهزة الكمبيوتر المحمولة، وكالسحب، وكالأسكتلنديون، وكالأحزاب، وكصدمات أسعار النفط، وما إلى ذلك من أشياء لا تحصى ولا تعد.

وقد تصاب بالدهشة وكلنا معك، وبشيء أيضاً من الحيرة، الممزوجة والمخلوطة بشيء من الفضول، وأنت تسأل، ونحن نترقب ان كان للسؤال جواب، كيف يكتشف العالم أو الوجود ذاته بذاته، وكيف يتم تقسيمه وتجميعه وتركيبه مره ومره ومرات، وإلى أي مدى يعكس هذا التمايز، وهذه الفروقات الرغبات البشرية، سواء تم تحديدها اجتماعيًا، أو تعيينها نفسيًا، أو ادراكها بيولوجيًا، أو جميعها معاً في تضامن وتلاحم.

اذن ما هي الاختلافات الموضوعية، وأين هي الاختلافات التقليدية؟

الميتافيزيقية تتكون من «ميتا-» وتعني «وراء» أو «بعد». في حين أن «الفيزياء» وعلاقتها بما هو طبيعي أو مادي ملموس، فواضحة للعيان، ومعلومة بالضرورة. فالميتافيزيقيا اذن تهتم بالاستفسارات والتساؤلات حول الطبيعة النهائية للوجود.

أما عندما يتم استخدام الكلمة منفردةً أو لوحدها، كما هو الحال في «الميتافيزيقيا»، فإن أصبعها يشير في الغالب، وبكل ثقة، إلى معتقدات الفرد والأفراد، أو الجماعة والجماعات، فيما يتعلق، ويرتبط بالطبيعة النهائية للحقيقة أو للوجود، فمثلاً، «ما إذا كان هناك إله أم لا».

وعند إضافة حرف «a» في النهاية أي في عجز الكلمة- «الميتافيزيقيا»، فقد تكون مرتبطة بمنطقة أو بحقل الفلسفة المعروفة بالميتافيزيقا، أو قد تكون لها علاقة بالعديد من أنظمة المعتقدات أو الايمانيات المختلفة.

وعلى سبيل المثال، كما هو موجود في الجملة أو العبارة التالية، «المسيحية واليهودية والإسلام هم، عبارة عن تنوع في الميتافيزيقيا، يؤمن به الأفراد، متفرقين كانوا أو في جماعات».

وفي السابق، احتكرت الميتافيزيقا المجالات الأساسية والحيوية للنقاشات الفلسفية. وكان شغلها الشاغل هو تفسير وتوضيح طبيعة الوجود وجوهره، والكون وطبيعته. وكلاسيكياً، كان لها حقلان مختلفان كبيران عظيمان للبحث وللدراسة، وهما «علم الكون وعلم الوجود».

ففي الوقت الذي يهتم فيه علم الكونيات بفهم كنه الكون، وسيرورته، وصيرورته باتجاه محطته الأخيرة، وأيضاً نلحظ بأنه مهموم بالنواميس وبالقوانين التي تبقيه حياً في ترتيبه المثالي.

نجد علم الوجود أو الأنطولوجيا، يركز جل اهتمامه أو تركز جل اهتمامها في البحث في الوجود وطبيعته، وما هي الأنواعً المختلفة والمتعددة والمتنوعة من الموجودات الموجودة في الوجود، وعلاقة هذه الموجودات ببعضها البعض في الوجود.

وقبل اكتشاف العلم الحديث بوقت ليس بالقصير أو القريب، طُرحت وعرضت جميع الأسئلة والاستفسارات المتعلقة والمرتبطة بالعلوم كجزء من الميتافيزيقيا.

المعرفة العلمية والمعرفة الميتافيزيقية

وإذا كانت لنا الرغبة الحقيقية في أن نفرق أو نميز بين ماهية المعرفة العلمية وماهية المعرفة الميتافيزيقية، فإننا لا محالة صارخين في البرية قائلين، بأن المعرفة العلمية تبدأ أولى خطواتها بتحديد الموضوع في العالم الخارجي الموضوعي، وليس الذاتي، وهذا الموضوع يختلف عن النفس التي تدركه وتعرفه وتفهمه.

ولكننا نجد في الجانب الآخر، المعرفة الميتافيزيقية تضرب خطوتها الأولى باتجاه معرفة الذات أو الأنا. وإذا كانت الأولي موضوعية، فالمعرفة الميتافيزيقيا، بلا أدنى شك، ذاتية.

يعتمد المنهج العلمي على التجربة والاستقراء، بينما تعتمد المعرفة الميتافيزيقية على الحدس المباشر، والقياس والجدل. فالعالم يعرف ويدرك ويأخذ جزئيات من الواقع، ويجري عليها التجارب، بينما الميتافيزيقي يدرك ويعرف ويفهم العالم في شموله ووحدته بالحدس المباشر.

ثم هو يتأكد من صحة الحقائق بالاستدلال العقلي (القياس العقلي) أو من خلال الجدل، أي الانتقال من فكرة مضادة أخرى.

ونحن نري أن للعلم غاية نفعية، وله أهداف عملية، ولهذا نحن قائلين بأن العلم نافع للإنسان. وليس هناك شيء من الريبة أو بصيص تردد في أن العلم يكون دائماً نافعاً في الحياة العملية. ولكن الميتافيزيقيا لا تطمح وراء أي منفعة مادية، لأنها هي المعرفة الخالصة لوجه الحقيقة.

ونأخذ خطوات جريئة متقدمة الي الأمام، سائلين عن كنه العلاقة بين الدين والميتافيزيقيا، ان وجدت، وهل هناك فرق بين هذه وتلك؟

نقول بأن الدين يتشكل ويستند على أصول ومبادئ وتعاليم الهية، وليس على مبادئ وتأملات وتجليات إنسانية. ولكننا نجد بأن الميتافيزيقيا تقوم أو يجب أن تقوم على سلطة العقل وحده، ولا غيره، وهي تخرج من رحم التفكير الإنساني وتأملاته وتجلياته الذاتية، ولذلك ينتج منها الخطأ، كما ينتج منها الصواب.

ولكن، قد ترتبط الميتافيزيقيا بدين محدد، كما حصل ماضياً في العصور الوسطى بشكل جلي، حيث كانت الفلسفة تحت رحمة وأوامر الدين، وفي خدمته طائعة مطيعة، وفي هذه الحالة تفقد الفلسفة شخصيتها الذاتية، وقيمتها العقلية الخالصة، وذلك لأن الهدف المنشود منها هو إدراك الأشياء وفهم الكون، وليس الايمان بها أو به.

والخلاصة تقف مشدودة ومنجذبه روحياً للمنهج الميتافيزيقي الذي يقوم أساساً وأصلاً على التأمل الباطني الذي تعمل به الذات، عندما ترغب في أن تسمو عالياً، منفصلة تماماً عن حياتها الحسية، ودنياها النفسية.

هذه التأملات، أو هذا التأمل السامي الواحد الذي فيه اجتمعت كل التأملات في لحظة يتيمة لا توأم لها، تجعل النفس نوراً، ومرآةً يتعكس في دواخلها هذا الضياء، فتكشف عن كنهها وعن ماهيتها، وتكشف عن كنه الحاجات، وعن ماهيات الأشياء، وتتعرى الموجودات كلها أمام قوة هذا السمو الروحي النافذ المشع نوراً وضياءً.

ان التأمل الباطني ما هو الا حدس مباشر، تدرك الذات من خلاله نفسها، وتتعرف على ذاتها الميتافيزيقية، والتي بدورها تدرك نفسها كوحدة في هذا العالم، لا كوحدة منفصلة عنه.

وقبيل الختام أترنم بنغم محمد عبد الحي…

أنا منكم.. جرحكم جرحي

وقوسي قوسكم.

وثنيٌ مجَّد الأرضَ وصوفيٌّ ضريرٌ

مجَّد الرؤيا ونيران الإلهْ.

وللحكاية بقية.. وكمان نهاية ….

المصادر

• الفرنسية، آر.، 2017، مقدمة في تاريخ الفلسفة والفكر والأفكار: سلسلة محاضرات الفلسفة، فيديو 1: فروع الفلسفة، 12 سبتمبر، فيديو على الإنترنت، شوهد في 20 نوفمبر 2019، <https: // www. youtube.com/watch؟v=dPJYKL2ZeEw

• النفوذ للتعليم.، 2021. فروع الفلسفة. [متصل]. متاح على: URL: https://leverageedu.com/blog/branches-of-philosophy/ (تاريخ الزيارة: 9-12-2021)

• عويضة، ك م.، 1995. كارل بوبر «فيلسوف العقلانية النقدية». الطبعة الأولى. دار الكتب العلمية. بيروت.

• كاثرين، هـ.، 2015. الميتافيزيقيا التطبيقية. بي دي إف.

• كريسزن، أ.، 1982. باسكال (حياته – فلسفته – منتخبات): ترجمة نهاد رضا. الطبعة الثالثة. منشورات عويدات. بيروت، باريس.

• يونغ، دي تي.، 2018. العنصر الميتافيزيقي في شعر أدونيس: ترجمة: أحمد خريس. [متصل]. متاح على: URL: https:// http://idrak4.blogspot.com/2018/05/blog-post_86.html/ (تاريخ الزيارة: 9-12-2021)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق