ثقافة وفن

نقد الدّين بديلًا عن نقد السّلطة (1)

في انتهازيّة المثقّف وضرورة المُفكّر المُمَارس

يطرح هشام البستاني في المقال التالي أسئلة ملحة حول دور “المثقّف” في الاصطلاح العربيّ: كيف يمكن النظر لدور وسمات المثقفين العرب خلال التحولات الكبرى والمنعطفات التي مرت بها المنطقة وما هي حاجتنا في هذا السياق لـ”المفكر الممارس”؟

لطالما أرّقتني انحيازات كثرة من المثقّفين في التحوّلات الصاخبة التي مرّت بها المنطقة العربيّة منذ مطلع القرن العشرين، حيث نهايات الدولة العثمانيّة، وحتى اليوم، إذ ما تزال الانتفاضات الشعبيّة قائمة وفاعلة، ضمن جولةٍ ثانية، في عدّة مواقع داخل الكيانات الوظيفيّة العربيّة التي خَلَّفها الاستعمار.

في خضمّ كلّ تلك التحوّلات، تميّز أغلب مثقّفي الحقب الانهياريّة العربيّة المُتتابعة بأمورٍ ثلاثة: الأوّل ابتعادهم عن نقد السّلطة والاشتباك الفكريّ معها، مع أنّها كانت –على الدّوام، وحتى الآن- العامل الأكثر تأثيرًا في الواقع المُعاش وصياغةً لتحوّلاته؛ والثاني (وهو ذو علاقة وثيقة بالأوّل) عدم انخراطهم في الصّراعات والانتفاضات الشعبيّة التي خاضتها قطاعات مختلفة من شعوبهم، وبقائهم إمّا مُعلِّقين على هامش الأحداث في أحسن الأحوال، أو صامتين، أو منحازين للسُّلطة في أسوئها؛ والثالث (الذي ربّما يُفسّر الأمرين السّابقين) رهانهم المستمرّ والعنيد على السّلطة القائمة في إحداث «التّغيير»؛ وهي كلّها خصائص أساسيّة سأعرّف من خلالها معنى «المثّقف» في السياق العربيّ، واضعًا إيّاه مقابل ما سأسمّيه: المفكّر الممارس، الذي يندر وجوده في ذات السّياق.

من المثير للاستغراب عدم وجود نظراء في المنطقة العربيّة لفرانز فانون، أو كارل ماركس، أو روزا لوكسمبورج، أو فلاديمير إيليتش لينين، أو أنطونيو جرامشي، أو برتراند رَسّل، أو إدواردو جاليانو، أو لكمّ كبير ممن سأسمّيهم: المُفكّرين المُمارسين: أشخاصٌ ساهموا بفعاليّة في الاشتباك -نظريًّا وعمليًّا- مع قضايا عصرهم، ومع أشكال القوّة والسّلطة التي تُمثّلها، مُحاولين تغييرها بالفكر والفعل معًا.

صحيح أن ثمّة استثناءات، لكنّها الاستثناءات التي تؤكّد القاعدة من جهة؛ أو الاستثناءات المُقصاة من حيّز «المثقّف» تمامًا من جهة أخرى: تلك المتعلّقة بفكرٍ يستلهم الماضي الإسلاميّ المُتخيّل، ويشتقّ نفسه المُعاصِرة منه. هنا: تصبح الاستثناءات أكثر بكثير، بل تصير أقرب إلى القاعدة منها إلى الاستثناء، وتتموضع في مواجهة السلطة، وتشتبك فعليًّا معها، لكنها تقع في سياق مبحثٍ آخر كما سنرى.

الرّجوع إلى عدّة مجلّات فكريّة كانت أساسيّة في ثمانينيّات وتسعينيّات القرن الماضي وبداية الألفيّة الجديدة، مثل الطريق، النّهج، القاهرة، أدب ونقد والآداب،[1] وبعض الكتب الرئيسيّة في تلك الحقبة، مثل كتاب برهان غليون اغتيال العقل، الذي يخلص إلى «إن تغيير العلاقة يعني قلب المناخ الثقافيّ السائد، والتخلّص من الأوهام، وتغيير إطار الرؤية والممارسة، وفتح فضاء جديد لازدهار الفكر والشعور معًا»،[2] أو كتاب عزيز العظمة العلمانيّة من منظور مختلف، الذي يخلص إلى نتيجة شبيهة: «لا استعادة لأسس الديمقراطيّة إلا بانفكاك الفكر والحياة عن الارتهان بالمطلق»،[3] يوضّح لنا هذه الخصائص ويؤكّدها، فهي تتحدّث عن محن وأزمات تتعلّق بالعقل العربيّ نفسه، الرجعيّ في ذاته وفي مرجعيّاته (أهم من مثّل هذه المقاربة هو محمّد عابد الجابري في كتبه الأربعة التي تشكّل سلسلة نقد العقل العربيّ)،[4] لا بالظّروف والشّروط التي تنتجه وتوجّهه وتؤثّر فيه وتتسلّط عليه، وتتبنّى مقاربات ثقافويّة، تعتبر أن الخلل فكريّ متعلّق بالقناعات الذاتيّة، لا بُنيويٌّ متعلّق بالواقع الموضوعيّ المتمثّل باحتكار السّلطة، القمع، الفساد، الفقر، التبعيّة، الرأسماليّة، ووظيفيّة الكيانات العربيّة ما بعد الاستعمار ووظيفيّة مجموعاتها الحاكمة، في سياقها.

إنّه «الظلام الذي يحلّق بأجنحته السوداء، والذي سوف يظلّ يلد نفسه لو لم يعمّ الضياء»[5] هذا هو لبّ تعليق محرّرة أدب ونقد، فريدة النقّاش، على قرار قضائيّ (أقدمت عليه ونفّذته السّلطة في مصر)، بالتفريق بين الأستاذين الجامعيّين نصر حامد أبو زيد وزوجته ابتهال يونس، بعد تكفير الأوّل لبحوثه المتعلّقة بالنصّ القرآني، دون أن تتناول بجديّة دور السّلطة لا من قريب ولا من بعيد. 

وبينما شنّ المثقّفون حملة فكريّة شرسة على «الدولة الدينيّة» (المفترضة، الآتية في مصر والمشرق العربيّ، التي لم تكن موجودة حينها، ولم توجد بشكلٍ فعليّ حتى الآن)، باعتبارها الخطر الأوّل على الحريّة والناس والديمقراطيّة المأمولة، لم ينبس هؤلاء ببنت شفة عن المجموعات الحاكمة (الموجودة حقًّا على أرض الواقع، لا افتراضًا) التي كانت تقمع وتضطهد الناس فعليًّا، بأشرس ما يكون القمع والاضطهاد.

كل هذا جعل من المثقّف حالة دعائيّة، يقدّم خطابًا يناسب المجموعات الحاكمة، يزيح المسؤوليّة عنها ويضعها على الناس، وعلى «التيّارات الدينيّة»، ويجعل من السّلطة -بالتالي- ضرورةً لإحداث التغيير، فالتّغيير لن يأتي -والحال هكذا- من هؤلاء المسلوبة والمُكبّلة عقولهم، مستخدمين مقاربات استعماريّة -استشراقيّة- سلطويّة تعتبر أن الناس غير جاهزين لأن يحكموا أنفسهم، غير ناضجين ديمقراطيًّا، أو غير ديمقراطيّين بنيويًّا، أو مرضى عقليّون يحتاجون للمعالجة.

احتقار المحليّة المُتخلّفة وتمجيد التقدّم «الغربيّ»: ما هو «المثقّف» في الاصطلاح العربيّ؟

المثقّفون الذين سأتناولهم هنا، والمعروفون اصطلاحيًّا، أو يُعرّفون أنفسهم، بهذه الكلمة، يشتقّون أنفسهم، والتّغيير الذي يُفترض أّنهم يمثّلونه، من الحداثة الأوروبيّة وتمظهراتها المختلفة، ويعرّفون أنفسهم عمومًا بالتّحصيل المعرفيّ الأوروبيّ الحداثيّ، وباستلهام متعدّد الأوجه لمفاهيم وأشكال ومؤسّسات الدول الأوروبيّة، والنقاشات الفكريّة التي تمّت وتتمّ فيها أو في محيطها، باعتبارها «تقدّمًا»، منذ الانبهار الأوّل -مطلع القرن العشرين- لروّاد «النّهضة» بما شاهدوه في دول الاستعمار من «حضارة» وعلومٍ وإدارة،[6] مرورًا بمثقّفي مرحلة التحرّر من الاستعمار الذين حافظوا على كلّ هياكل وأدوات الاستعمار (مؤسّسات «الدّولة»، الإدارة، الجيش، القوانين، التعليم والجامعات، المُتخيّل الموطنيّ/القوميّ) قائمةً وفعّالةً دون نقدها واستبدالها،[7] وصولًا إلى مثقّفي «مواجهة الإرهاب الإسلاميّ» بشعارات (لا بمحتوى) العلمانيّة والدّولة المدنيّة، وبالشّراكة مع السّلطة، اليوم.[8]

يُرفّع المثقّفون أنفسهم عن «محليّة مُتخلّفة» يغتربون عنها، ويستنكرونها بالمُجمل، ويصبّون جام غضبهم على التّعبير الثقافيّ الشعبيّ المحليّ الأبرز: «الدِّين»، و«الإسلام».

يُرفّع المثقّفون أنفسهم -بهذا التّحصيل- عن «محليّة مُتخلّفة» يغتربون عنها، ويستنكرونها بالمُجمل، ويصبّون جام غضبهم على التّعبير الثقافيّ الشعبيّ المحليّ الأبرز: «الدِّين»، و«الإسلام»، بعد تبسيطه ونزعه من سياقاته التاريخيّة والسياسيّة، واختزاله في نوعٍ واحد أو نوعين؛ مُتجنّبين بذلك السّلطة، ومبتعدين بهذا عن السّياسة (باعتبارها ممارسة ماديّة، تاريخيّة، مشتبكة مع الواقع وفيه، وتتجلّى بالاشتباك المباشر مع الفاعل السياسيّ الأوّل: السّلطة نفسها)، باتّجاه ما هو ثقافيّ، أو بشكل أدقّ: ثقافويّ، يجعل من التّغييرات الثقافيّة (الذهنيّة، المثاليّة) أساسًا لتغيير الواقع، بدلًا من تغيير علاقات القوّة، وتغيير الشكل الاقتصاديّ السياسيّ الاستغلاليّ الوظيفيّ التسلّطيّ التابع القائم، باعتبارها مدخلًا ماديًّا يُنتج (ضمن أشياء أخرى كثيرة) تغييرات ثقافيّة جذريّة.

إذًا، تضمّ شريحة «المثقّفين» -في الاصطلاح العربيّ-، حصرًا، من ينطبق عليهم هذا الوصف، وتتضمّن انتماءاتهم أو مرجعيّاتهم الفكريّة أو الأيديولوجيّة أو السياسيّة طيفًا واسعًا، تبدأ من الليبراليّة وصولًا إلى الماركسيّة مرورًا بالقوميّة، أمّا أصحاب المرجعيّات الفكريّة الإسلاميّة فهم مُستثنون من دخول الحلقة الحصريّة هذه، إلا إن قدّموا مراجعات «حداثيّة» أو «انفتاحيّة» أو «عصريّة» للدِّين، تؤهّلهم الدّخول إليها (مثلًا، لا يُعتبر أيّ من: أبي الأعلى المودودي، سيّد قطب، تقيّ الدين النّبهاني أو أبي محمّد المقدسي، «مُثقّفًا»؛ أمّا: علي عبد الرازق، محمد عبده، عبد الله العلايلي وخليل عبد الكريم، فمثقّفون مُكرّسون).

حيّز المثقّفين الإقصائيّ: نقد الدّين بديلًا عن نقد السّلطة

هنا، تمارس شريحة المثقّفين -معنويًّا- سلطةً سلبيّة، إقصائيّة، هي سلطة الاعتراف والتّكريس عبر بوابة الحداثة الأوروبيّة ومقولاتها، فتتشابه بذلك -إلى حدّ كبير- مع السّلطة السياسيّة التي تستند هي أيضًا إلى الإقصائيّة في المجال العامّ، وتمتلك المفاتيح الماديّة للاعتراف والتّكريس والتّوظيف (مثل وسائل الإعلام، وزارات الثقافة، التحكّم الأمنيّ في البعثات الدراسيّة وعضويّة الهيئات التدريسيّة في الجامعات، برامج النشر ودعم النشر والإنتاج، وإلحاق المؤسسات الثفافيّة «المستقلّة» -مثل روابط واتّحادات الكتّاب والفنّانين- عبر قوننتها وتمويلها أو التأثير الأمنيّ المباشر عليها، إلخ). لا يمكن، والحال هكذا، فهم الحيّز الثقافيّ العربيّ المُعاصر، حيّز المثقّفين، إلا باعتباره مساحةً إقصائيّة معنويّة تملكها شريحة المثقّفين، تميّز نفسها عن الحيّز العام، الشعبيّ، المُتخلّف، وتقع داخل الدّائرة الماديّة الأوسع للسّلطة ونشاطها التسلّطيّ و/أو الرّامي إلى السّيطرة السياسيّة والاجتماعيّة، والتي تميّز نفسها بدورها أيضًا عن الحيّز العامّ، الشعبيّ، موضوع تسلّطها.

لا يمكن اعتبار المثقّف في العالم العربيّ -إذ يُكِنّ احتقارًا لمجتمعه، وينظر إليه بدونيّة- مثقّفًا جماعيًّا، أو مجتمعيًّا، وفي ذات الوقت: لا يمكن للمثقّف أن يُشكّل علاقة عضويّة مع أيّ طبقة بعينها (إذ لم تتبلور تشكّلات طبقيّة -بالمعنى الماركسيّ- في المنطقة العربيّة، باستثناء السّلطة التي يحتاجها ولا تحتاجه -كما سنرى لاحقًا-، ويظلّ على هامشها متوسّلًا أو متسوّلًا)؛ لذا: نخلص إلى أنّ المثقّف ظاهرةٌ فرديّة، يشتقّ وجوده من نفسه، يعبّر عن منظوراتٍ ذاتيّة وخارجيّة (من خارج المجتمع، من خارج الاشتباك فيه ومعه)، ولن تجد أفكاره إمكانيّة للتحقّق على أرض الواقع إلا من خلال وسيط قادر؛ وفي غيابٍ واضحٍ للمجتمع والطبقة عن لعب دور هذا «الوسيط التاريخيّ»، واستنكافٍ للمثقّف عن توسيخ يديه في عمليّة تحوّل المجتمع (أو طبقة منه) إلى فاعل سياسيّ تاريخيّ، لا يبقى أمام المثقّف من أبوابٍ يطرقها ليشتقّ لنفسه ولأفكاره أهميّة ما، سوى باب السّلطة، فيُلحق نفسه بها، لعلّها -بذلك- تفتح له الباب.

(نقلا عن موقع قنطرة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق