سياسة

ترامب “البلياتشو”.. أسس للانهيار وبداية انتهاء سيادة العصر الأمريكي

ألغى الثوابت وهز هيبة الدولة وزعزع الثقة في النفوس

مصطفى يوسف

سقط البلياتشو، وسقوطه في الأصل كان مسألة وقت، سقط الرئيس الظاهرة الشاذة في التاريخ الأمريكي إن لم يكن على مر عصور الحياة الإنسانية، في كل انكساراتها وضعفها ولحظات قوتها.

رحل دونالد ترامب غير مأسوف عليه، تلاحقه اللعنات من مؤيديه الذين لم يفيقوا بعد من غيبوبتهم قبل مناوئيه ومعارضيه الذين سرهم منظره وهو يهذي كمن به مس من الشيطان ويتمتم بعبارات غير مفهومة، لم يعهدها القامرس السياسي الحديث عن تزوير مزعوم للانتخابات وخزعبلات من تهيؤات غير سوية ناتجة عن تشوهات نفسية يعيشها وتمظهرت في سلوكيات أضرت بالموروث والمتعارف عليه والثابت من تراكمية الأداء والفعل السياسي الأمريكي والعالمي.

غادر المعتوه الذي لعب على خشبة المسرح الدولي أدوراً بسيناريوهات كتبت له وأداها بشخصيات مختلفة بمسوحات اقتضاها الدور، أدوار أعدت له ولعبها دون أن يعي فداحة ما يرتكب من تصرفات سيقف عندها البحث النفسي العلمي بالدراسة والفحص الدقيق، كان مثل غودو في مسرحية بيكيت، قمة العبثية والفوضوية، مع الإدعاء الكاذب والأجوف بانه جاء ليغير وجه الحياة.

عندما نودي به ريئسا في 2016م، كان ذلك إيذانا بأحلك سنين الانحطاط لتي لم يحياها الإنسان حتى في عصور الظلام في أوروبا، عندما سيطرت الكنيسة ووقفت أمام طبيعة الأشياء ومنعت العلم، وفرملت عجلة التطور والتقدم، وساعدت في نشر الدجل، إلى الدرجة التي منحت معها صكوك الغفران لدخول الجنة، وهذا بالضبط ما سعى إليه ترامب، الذي حاول بعجرفة مقززة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، إلى زمن الحروب الصليبية، وتفشي العنصرية والاضطهاد، والزعم بتفوق الإنسان الأبيض على ما سواه، والاحتكام إلى منطق القوة وشريعة الغاب.

تخلى ترامب عن الدور الأمريكي بين الأسرة  الدولية، فأعلن انسحاب بلاده عن العدديد من الصيغ والتجمعات الدولية، التي هدفت لإعلاء قيم إنسانية، يبدو أنه لم يسمع بها البتة، تلك كانت بالنسبة له لغة لايفهمها ومثل عليا لم يتعرف عليها في عالمه القائم على الربحية وتغليب لغة الأرقام المالية، الشيء الوحيد الذي يفهمه، لا بل عمد إلى اضطهاد العاملين في منظمات الأمم المتحدة العديدة وأوقف حصة أمريكا في دعمها، وانسحب من بعضها، كاليونسكو، ومجلس حقوق الإنسان، كما انسحب من معاهدات واتفاقيات دولية، كاتفاقية باريس للمناخ، واتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادئ، والميثاق العالمي للهجر، واتفاقية الاجواء المفتوحة،والمعاهدة الدولية لتجارة الأسلحة التقليدية، بحجة أن الاتفاقيات الدولية صفقة غير عادلة لأمريكا، وهي كما يرى:” اتفاقيات سيئة”، مبرراً مايصدر عنه بأنه لحماية أمريكا وشعبها .. وكان فعله المشين بالخروج من منظمة الصحة العالمية، متهما الهيئة الدولية بالإخفاق في إدارة أزمة فيروس كورونا المستجد.. هل يعقل ان يكون هذا فكر رئيس دولة عظمى؟، العالم كله بالنسبة له قائم على المعاملات والمعادلات التجارية والشخصنة.

كانت النتيجة الطبيعية والمحصلة المفترضة لهذا، تراجع وانسحاب الدور الأمريكي إلى ماوراء الأفق، وانكفاء أمريكا على الداخل وليته نجح في ذلك، لكان شفع له، لكنه أخفق حتى في هذا، أضعف الصف الداخلي، وحرك كوامن الصدام المجتمعي، ومزق النسيج الاجتماعي، وكلس العظام، بافتعال أزمات، وإشعال فتيل الفتن، إنها البارانويا،  والنرجسية التي يعانيها، وأكدها خبراء الصحة النفسية في أكثر من دراسة، فقد توصل أطباء متخصصون من جامعة ييل إلى أن ترامب يعاني من اضطرابات نفسية حادة وخطيرة على المجتمع، إنها الأزمة التي يحياها وكانت نتيجتها هذه المحصلة الصفرية في كل شيء.

أدت سياستا الغلاسنوست والبيريسترويكا اللتين انتهجهما الرئيس السوفيتي الأسبق ميخائيل غورباتشوف إلى تفكك الاتحاد السوفيتي في 1991م، في وقت وجيز، لأنهما شكلتا تحولاً غير مدروس، لايتواءم وبنية الدولة وأسلوب إدارتها، تحول لم يراعِ وضع القوميات والمتغيرات الدولية الآخذة في التشكل في ذلك الوقت، وانهار الاتحاد، إلا أن المتكشف لاحقاً أثبت ضلوع أمريكا في ذلك، فقد قال أحد القادة العسكريين الأمريكيين في مذكراته: “بالصبر والعمل الدءوب، ولمدة 40 عاماً تمكنا من أن نقضي على أكبر قوة كانت تنافسنا على العالم، انهار الاتحاد السوفيتي، وباتت السيادة لنا”.

الرجل كان محقاً فيما ذهب إليه، لكنه أخطأ التقدير، فاللعبة لم تنته بعد، والروس لم ينسوا ذلك، تحينوا الفرص، ومثلما أن الأيام أثبتت أن غورباتشوف كان عميلاً أمريكياً، أو هكذا تردد، فإن ترامب لم يكن بعيداً عن هذه الدائرة، وبنظرة إلى الملابسات التي قادته إلى سدة الحكم، وفوزه مثار الجدل إلى الآن على المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، ندرك ان موسكو ردت الصاع صاعين، تدخلت في الانتخابات الرئاسية وتمكنت بصورة او بأخرى وفي هدوء وبلاضجيج من تسريب من يؤسس لبداية انتهاء سيادة العصر الأمريكي، مع انتخابه، قال نائب وزير الخارجية الروسي السابق أندري فيدروف: “الاستنتاجات الأولية تشير إلى أن ترامب يتحلي بروح المخاطرة التي قد تنطوي في بعض الأحيان على سذاجة”.

نجح ترامب في إلغاء المؤسسية، وهز هيبة الدولة، وزعزعة الثقة في النفوس، وزرع روح التجروء في التعدي على القانون، وإشاعة مظاهر الفوضى، والتأسيس للسلوكيات الشاذة والغريبة، بمسه أصول السيادة وانتقاده المتواصل لبعض من سبقه من الرؤساء، بدوافع عنصرية بغيضة وكل هذا يتنافى مع الثوابت المتأصلة في الوجدان القومي عن الدولة وشكلها، والتي بموجبها ينحاز الفرد إلى العمل على ديمومة وصيرورة الكيان، ومن ثم تماسكه التاريخي، مع اختلاف الأنظمة وتنوع السياسات والحكام.

سيل من الاتهامات، وجهت لترامب، إساءة استخدام السلطة، بالضغط على أوكرانيا للتحقيق مع جو بايدن، وعرقلة عمل الكونغرس، بمنع الاستماع إلى شهادات والحصول على وثائق، وهو الرئيس الأمريكي الوحيد الذي شكك في نزاهة الانتخابات، دون أدلة، مبدياً عدم التزامه بالتنازل سلمياً عن السلطة، اي مهرج هذا؟!.

بهذا أحدث ترامب الفجوة في حلقات التاريخ الأمريكي، ووضع اللبنة الأولى التي ستنبني فوقها اللبنات تراكمياً وإن بدت ظاهرياً غير ذلك،لانتهاء سيادة العصر الأمريكي، وأفول نجم اليانكي، قد يأخذ هذا الأمر سنوات، لكنه قادم ومتحقق لا محالة، فالدول كالأشجار، تسقط بعد سنين من بدء سوس الغرور والصلف والعنجهية النخر في عظامها، لحظتها لن تمنع القوة العسكرية ولا الاقتصادية انهيارها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق