خارج الحدود

خارج الحدود

سمير حَجيج: التحدي الأكبر هو الدفاع عن قضايا المغرب الكبرى والتعريف بموروثه الحضاريّ

حاوره: عبد العالي الطاهري

> من موقعكم كفاعل سياسي وجمعوي على المستويين الفرنسي والأوروبي، كيف استثمرتم تجربتكم وشبكة علاقاتكم الوازنة في خدمة القضايا الوطنية الكبرى لوطنكم الأم المغرب، وخاصة ملف الصحراء المغربية؟

< إسمحوا لي في بداية هذا الحوار الصحفي، أن أتقدم لكم ومن خلالكم لجميع مكونات مؤسستكم الإعلامية المهنية المتميزة، بخالص شكري وتقديري لكم على هذه المبادرة التواصلية الوازنة. وجواباً على سؤالكم، أقدم لكم نفسي أولاً، سمير حَجِيج عُمري 46 سنة، ولدَيَّ ثلاث بنات ( 19، 17، و 8  سنوات)، وأنا من مواليد فرنسا وبالضبط مدينة Montauban التابعة ترابيا لمنطقة Tarn et Garonne، وفي مرحلة موالية انتقلت إلى مدينة تولوز لاستكمال دراساتي العليا.

ويبقى اعتزازي الدائم ومصدر فخري هو جذوري كمغربي حر وأصيل، ينتمي إلى قبائل رگراگة والشرفاء السباعيين الأدارسة، وهو ما أُؤكد عليه في كل مناسبة مهنية أو شخصية ولأنَّ وجودي وكينونتي رهينة بأصولي المغربية.

بداياتي الأولي كانت في المجال الرياضي، حيث قرَّرت بناء مساري المهني في المجال الرياضي، لكن في تلك الفترة كانت الرياضة مجرد نشاط اجتماعي موازي ولا تدخل في خانة المهن المهيكلة والمنظمة.

ومنذ سنة 2014، تَمَّ انتخابي بمدينة تولوز (رابع أكبر مدن فرنسا)، وهي المدينة التي تضُم 37 جماعة ترابية.   

كما تجدر الإشارة إلى أنني أُعتبر أول عضو منتخب فرنسي مغربي الأصول، على مستوى الجمهورية الفرنسية، عن مجلس مدينة تولوز.

وأشعر بالفخر أنني أُقدم، بفضل الله تعالى، صورة جد مشرفة عن فرنسي من أصول وبجذور مغربية أصيلة، والحمد لله تعالى فكل جذور المغرب الغالي هي جذور من المعدن الطيب الأصيل. حيث شاركتُ في العديد من البعثات كعضو منتخب عن المجلس الجماعي لمدينة تولوز وتمَّ انتخابي كعمدة حي، وهي المهام التي قمت بها، ولله الحمد على أكمل وجه، علاوةً على مهامي كمسؤول عن تطبيق برامج مجلس المدينة في القطاع الرياضي، على مرجعية تنزيل مفهوم الإدماج عن طريق آلية الرياضة. كما أشرفتُ على إعداد وتأطير جُملة من اللقاءات والمناظرات المحلية (بمدينة تولوز) والوطنية (على مستوى ربوع الجمهورية الفرنسية) كان موضوعهما قطاعَي الرياضة والثقافة، من منطلق كونهما رافعتين أساسيتين في البرنامج التنموي الشامل لأي بلد.

ومن موقعي كرئيس لدائرة المعارف «ابن رشد»، أؤكد أن هذه الهيئة تضمُّ العديد من المنتخَبين المحليين والعديد من الأطر التي تتوفر على كفاءات علمية وخبرات مهنية وطنية ودولية.

وبالمناسبة وللتوضيح أكثر، فدائرة المعارف «ابن رشد»، هي جمعية بامتدادات وطنية ودولية، ليست لها لا مرجعيات سياسية ولا نقابية و لا دينية، ومن أهم أهدافها الكبرى:

– إعداد لقاءات لتوحيد جميع الكفاءات والقُدرات وكذا الأطر على مستوى التراب الفرنسي.

– إعداد ملتقيات ومؤتمرات للمنتخبين من أصول مغربية وكذا أصدقاء المملكة المغربية.

– مرافقة ومواكبة وكذا توجيه الطالبات والطلبة من أصول مغربية وجميع الفاعلين ممن لهم ارتباط أو علاقة بالمغرب.

– خلق أجواء تعاون وشراكة بشكل فعَّال في جميع المشاريع والمسارات الهادفة إلى الرُّقي بالطاقات البشرية وتقوية الرأسمال البشري.

– تبادل الخبرات والمعارف بين الأعضاء المنتخبين على المستويين الفرنسي والدولي.

– إطلاق مبادرات مواطِنة ترمي إلى تنفيذ برامج بأبعاد ورُؤى تنموية.

– الدفاع عن الوحدة الترابية الوطنية للمملكة المغربية، في جميع المحافل والملتقيات الوطنية والدولية. 

هذا، مع سعينا الدائم والحثيث إلى خلق أواصر وجسور التواصل والتعاون بين أفراد الجالية المغربية، في مختلف مجالات عملهم واختصاصاتهم المهنية، مع نُظرائهم الفرنسيين، علاوةً على عملنا الجاد من أجل جلب واستقطاب المستثمرين لإطلاق مشاريع ببلدنا الغالي الأم المملكة المغربية.

ومن بين أهم المشاريع ذات الأبعاد الإنسانية، والمساهِمة ولو بجزء يسير في النسيج التنموي المغربي، إعدادنا لبرنامج يهدف إلي تعميم مصابيح ذات مواصفات عالمية حديثة، بالعديد من مناطق العالم القروي التي تنعدم فيها الكهرباء، وهو المشروع القائم على كون الأمر يتعلق بمصابيح محمولة يتم شحنها ببطاريات توضع بمقر المؤسسات التعليمية، ما يعني أن غايتنا الأسمى من هذا المشروع هو توفير ظروف مناسبة للتلميذات والتلاميذ في العالم القروي حتى يتمكنوا من إنجاز واجباتهم المدرسية بمنازلهم، وفي كل يوم وهُمْ ذاهبون للمدرسة عليهم حمل المصباح معهم لشحنه من بطاريات الطاقة الشمسية المُعدة لهذه الغاية بمؤسساتهم التعليمية، مع ما تحمله هذه العملية من معاني ودلالات مجازية بما يرمز إليه المصباح من نور وهو المرادف الأصيل لمفهوم ومغزى العلم.                 

>يتوفر المغرب على العديد من الأطر والكفاءات العلمية والقيادات السياسية والجمعوية، التي حصلت على مواقع ومناصب كبرى في أوروبا وأمريكا، ألاَ ترونَ أن المغرب لم يستثمر كما يجب  هذا الرأسمال البشري المُؤهل، لخدمة والدفاع عن قضاياه السياسية والاقتصادية الكبرى على المستوى العالمي ؟

< حقيقةً هو سؤال مفصلي وغاية في الأهمية، فالمغرب ولله الحمد يتوفر على كفاءات جد راقية من بين مكونات مغاربة العالم، وفي جميع ربوع العالم دون استثناء، وهو فعلاً رأسمال بشري مُؤهل ووازن، على حكومتنا المغربية أن تستثمره بشكلٍ واعٍ ومسؤول، خدمةً للقضايا الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها ملف الصحراء المغربية، هذا في الشق السياسي وكذا الدبلوماسية الموازية.

وعلى المستوى الاقتصادي يجب توظيف هذا المُعطى بشكل إيجابي وفعَّال، فيما يخص جلب الاستثمارات للمملكة المغربية وتوفير الخبرة العلمية والتقنية والمهنية للشباب الخريجين الجدد في مختلف التخصصات العلمية والجامعية، فالعالم، ولله الحمد، يزخر بمجموعة من الكفاءات العلمية والأطر المغربية، بل والعديد منها يشغل مناصب سامية في حكومات بلدان أوروبية وأمريكية وآسيوية وازنة ولها كلمتها الكبرى في المنتظم والقرار الدوليين.

إلى ذلك، أعرضُ أمامكم مجموعة من المشاريع والبرامج التي همَّت بالخصوص وضع خبراتنا وعلاقاتنا التي راكمناها لسنين طويلة، في خدمة الشأن الوطني المغربي، تحت التوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.

وفي هذا السياق، قامت جمعيتنا خلال الفترة الممتدة ما بين 15 و 18 نونبر من سنة 2019، بتنظيم كأس القارات لرياضة Padel بمدينة الداخلة جوهرة الصحراء المغربية. وقد جرت مباراة النهاية بتاريح 18 من شهر نونبر، الذي يصادف ذكرى غالية وعزيزة على قلوبنا جميعاً كأمة مغربية، يتعلق الأمر بذكرى عيد الاستقلال المجيد. وهي التظاهرة التي شكَّلَت سابقة في تاريخ المغرب والقارة الإفريقية، وعرفت مشاركة 24 فريقاً، 16 ذكور و 8 إناث، وذلك بحضور نخبة أبطال رياضة Padel، وعلى رأسهم البطلة العالمية Paula Eyheraguibel، بطلة العالم ثماني مرات، و  Patty Llaguno  التي احتلت المرتبة الثامنة عالميا و  Cédric Carité  بطل أوروبا سنة 2015 و ثماني مرات بطل فرنسا.

هذه التظاهرة العالمية عرفت مشاركة القارات الخمس، مُمثَّلَة بدول فرنسا، المغرب، إسبانيا، البرتغال، موناكو، روسيا، هولندا والأرجنتين، البرازيل، كندا، المكسيك، والسنغال.

يذكر أنَّ اللجنة المنظمة لهذا الملتقى العالمي، قد حرصت على حصر لائحة الدول المشاركة، ما يعني أنه كان بالإمكان تسجيل حضور أكبر للعدد الدول المتبارية حول كأس القارات في رياضة Padel.

ومن بين أهم النقاط الإيجابية التي مَيَّزت هذا الملتقى الرياضي العالمي، وقد كانت عديدة ولله الحمد، هي التغطية الإعلامية المكثفة، والتي عرفت حضور كُبريات القنوات والجرائد الورقية والإلكترونية العالمية، وهو ما أعطى إشعاعاً أكبر لهذه التظاهرة الدولية، ساهم في التعريف بالموروث الحضاري والإنساني للمغرب والمغاربة وخاصة في منطقة غالية من ربوع المملكة، ألا وهي جوهرة الصحراء المغربية مدينة الداخلة العزيزة.   

> كمسؤول سابق عن واحدة من أهم المؤسسات المتخصصة في تنظيم المؤتمرات والملتقيات الدولية والتواصل، وخبير في الميدان، ما هو تقييمكم لهذا المجال ومدى مساهمته في نشر قيَم التعايش والتكامل الثقافي والحضاري بين الأمم والشعوب؟

< لقد عملتُ ولفترة طويلة كمسؤول عن إدارة وتدبير شركة « Laveiga Produktion »، المتخصصة في تنظيم التظاهرات والمؤتمرات على المستويين الأوروبي والدولي، وقد راكمنا تجربة مهمة في هذا الإطار، واستطعنا بتوفيق من الباري تعالى تكوين شبكة علاقات وازنة، تمَكَّنا من توظيفها بشكل احترافي في خدمة قضايا الجالية المغربية بالديار الفرنسية خاصة وبالعالم بصفة عامة، هذا مع استثمار هذه الخبرة والعلاقات مع شخصيات وهيئات حكومية ومدنية، في الترافع عن قضايانا الكبرى وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية.

لكن مع التزاماتي السياسية الكثيرة والمكثفة بعد انتخابي بالمجلس الجماعي لمدينة تولوز، فقد حال ذلك دون الاستمرار في مهامي كمسؤول أول عن تدبير مؤسسة « Laveiga Produktion »، ما يعني ضرورة تقديم تضحيات وتنازلات ولو على حساب مساري المهني و مصدر دخلي الرئيسي في الحياة، احتراماً لاختيارات وتطلعات الناخبات و الناخبين الذين منحوني أصواتهم وبدرجة أكبر ثقتهم، لتمثيلهم و الدفاع عن ملفاتهم وانشغالاتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية….

وفيما يخص وضعية القطاع في ظل هذه الظروف الصعبة التي يرزح تحتها العالم قاطبةً، فأكيد أن الأمور أصبحت جد صعبة وفي أحيان عديدة لا تُحتمل، حتى تسبَّبَ استمرار واستفحال الوضعية الوبائية لجائحة كورونا، في إلغاء العديد من الملتقيات والتظاهرات والمؤتمرات الدولية، ما ترتَّب عنه خسارات مالية كبرى للشركات والوكالات العاملة في هذا المجال، بل وتعرَّضَت أخرى للإفلاس ومن ثمَّة إغلاق أبوابها وتسريح المستخدمين والعمال، هؤلاء الذين فقدموا مصدر رزقهم وأصبح أغلبهم عرضة للبطالة والتشريد والضياع.

وقد ذكرت إحصايات صادرة عن جهات حكومية فرنسية رسمية، أنَّ الشركات العاملة في قطاع تنظيم التظاهرات والمؤتمرات الوطنية والدولية، فقد أكثر من 80 % من رقم معاملاتها السنوية خلال هذه السنة مقارنة مع السنة الماضية 2019.

إلى ذلك، أعتبرُ أن الحل الأنسب بل والوحيد في ظل هذه الوضعية الصعبة بالنسبة للجميع، هو ضرورة تبني ثقافة التضامن، حتى نتجاوز جميعاً هذه الظروف الاستثنائية بجميع المقاييس.

> ما هي قراءتكم لتَبِعات وتداعيات استمرار الوضعية الوبائية المرتبطة بفيروس كورونا، مع ما يعني ذلك من تأزم للأوضاع السوسيواقتصادية لساكنة أغلب بلدان العالم؟

< في بداية الجواب على هذا السؤال الجوهري، لا تفوتني هنا الإشارة إلى المبادرة الملكية السامية والحكيمة، التي أطلقها جلالة الملك محمد السادس مع الإعلان عالمياً عن بداية انتشار فيروس كورونا، وهي المبادرة التي تمثَّلَت أولاً في إقرار استراتيجية وطنية برؤية وقائية احترازية جنَّبت المغرب ولله الحمد العديد من الخسائر خاصة في الأرواح، حيث كان المبدأ الذي اعتمده جلالة الملك هو حماية صحة المواطنات والمواطنين المغاربة ولو تطلَّب الأمر التضحية بالاقتصاد الوطني، لتأتي الخطوة الموازية والتي تمثَّلت في إطلاق ملكنا حفظه الله لصندوق مواجهة تداعيات جائحة كورونا، وهو الصندوق الذي فاق بكثير السقف المُحدد له، وعَبَّر المغاربة في هذا الخصوص عن معدنهم التضامني الأصيل وحِسِّهم الوطني الصادق، في تحدي الأزمات، فكانت التعبئة الوطنية الشاملة في مواجهة الجائحة، حيث أشادت العديد من حكومات العالم وكبريات الصحف والمؤسسات الإعلامية العالمية بالنموذج المغربي في مواجهة الفيروس.

وبالرجوع للخطة التي تبنَّاها المغرب في هذه الأوضاع الاستثنائية، فقد اتخذت الحكومة المغربية مجموعة من التدابير الهامة تحت التوجيهات السامية لصاحب الجلالة نصره الله، فتمَّ توفير معونات للفئات الاجتماعية المعوزة وذات الدخل المحدود، وكذا تلبية احتياجات المواطنين من أدوات الوقاية من فيروس كورونا (كمامات، معقمات، أجهزة تنفس اصطناعي، وتجهيزات طبية وألبسة واقية بالنسبة للأطقم الطبية والتمريضية). و في ذات الاتجاه فقد تمكَّن المغرب من تحقيق الاكتفاء الذاتي و بزيادة فوق احتياجاته على مستوى القارة الإفريقية في ما يخص المنتجات المخصصة لمواجهة فيروس «كوفيد19 »، بل وقام بتوجيه معونات لمواجهة تبعات الجائحة إلى العديد من الدول الصديقة والشقيقة في القارة السمراء، تأكيداً منه على إيمانه الدائم والعميق بثقافة التعاون جنوب ـ جنوب.

ونتمنى من المول جلَّ وعلاَ أن يرفع عناَّ وعنكم وعن البشرية جمعاء هذا البلاء والابتلاء، ونعود لحياتنا الطبيعية، ونستعيد إن شاء الله روح الإنتاج والإبداع في جميع أبعادها الإنسانية، كلٌّ في مجال اختصاصه المهني والوظيفي، والله وَلِيُّ التوفيق وهو المستعان نِعْمَ المولى ونِعْمَ النصير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق