ثقافة وفن

الآفاق المعرفية للخيال … رؤية استئنافية(١)

د. عبد الصمد غازي

لقد أصبح من البديهي أن وراء ظهور مختلف التيارات الفلسفية والتصورات الفكرية الكبرى، سؤالا يتصل بالشرط الوجودي والمعرفي للإنسان، فهي اجتهادات تسعى لإيجاد إجابات تملأ فراغات البحث عن المعنى الذي يسكن الإنسان، ومع تغير ظروف الزمان والمكان تتجدد الأسئلة، وتتنوع الأجوبة، وتبعا لقوتها أو ضعفها تموت أفكار وتحيى أخرى في صيرورة تعكس البحث الدائم لدى الإنسان عن فهم وتغيير يتميزان بالشمول والاستيعاب للعالم.

اكتسح مفهوم الخيال والمتخيل الكتابات المعاصرة المتصلة بالذات والجسد والمجموعات المجتمعية. إذ عملت الأبحاث من مختلف زوايا النظر، والفحص، والاختبار، والتحليل، والتقويم، على وصف وتفسير “الصور” والتمثلات التي بها يدرك الإنسان العالم، والتي ليست فقط عمليات ذهنية أو عقلية أو منطقية، بل هي من التعقيد والتركيب الذي تبدو فيه هذه العمليات السالفة الذكر، شديدة الصلة بالتأثر، والعواطف، والمشاعر، والذاكرة، والرموز، والتي تطبع علاقة الإنسان بالعالم لتمنحه شكلا تصوريا/متخيلا معينا يعي به ذاته وغيره.

إن الإنسان عن طريق هذه الصور “العاطفية” يفكر ويحس بالعالم، ويدين الفكر المعاصر في هذا المنحى لأعمال كل من “جاك لاكان” Jacques Lacan؛ “كاستورياديس”Cornelius Castoriadis؛ “لوسي إيريجاري” Luce Irigaray؛ والتطبيقات الهامة لـ”موارا جاتنز”Moira Gatens؛ التي تعود من قبل إلى سبينوزا.

يكاد يتميز الإنسان بخياله حتى عد كائنا خياليا، ولذلك اعتنت بالخيال حقول معرفية مختلفة يجمعها البحث في الإنسان، من فلسفة وعلم نفس، وبلاغة ونقد أدبي، والخيال حاضر في المنجز الإنساني طيلة تاريخه، وهو يراكم تطوره الحضاري، بل إنه اعتبر عنصر التميز والريادة، فمن لا خيال له يعيش بخيال الآخرين وهو الاستلاب الحقيقي. “(…) فالإنسان الخيالي هو إنسان نوعي وتنوعي معا: فهو النوع الوحيد بين كائنات الأرض الذي يدَّعي اصطناع نفسه بنفسه، لنفسه ولسواه في حال التبادل؛ وهو تنوعي في اصطناع نفسه من خيال، وفي تبادلها مع آخرين بخيال، تبادلا مخيولا، مرمَّزا ومُرقَّما، محسوبا ولا محسوبا، معقولا ولا معقولا… مع آخرين، لاعبين بخيالهم؛ لاعبين أكثر خيالا، أقل خيالا، أندادا في خيال، يفترض أنه مشترك.

والمسافة الراهنة بين حضارات النوع البشري هي تباينات، فوارق في قوة الخيال العقلي. فالأكثر تقدما الآن هم الأكثر خيالا، الأكثر اختراقا بالخيال للمجهول واللامعقول، الذين يقلبونه بالصناعة إلى معلوم ومعقول، متناسبين مع حاجات الخائل أو المتخيل. والآخر الذي يقل خيالا، أو ينقصه الخيال، هو المتخلف، المُتَركِّح عن منصة إطلاق الخيال العقلي المعاصر”[1].

يتميز الإنسان، إذن، عن باقي الكائنات بهذا النوع من الوعي التاريخي الذي يجعله قادرا على تصور/تخيل إمكانات لا حصر لها للفعل والتجاوز وابتكار “وقائع” (جمع واقع وليس واقعة) متنوعة ومتعددة، والذي يعتبر واقع اليوم إحدى إمكاناته المتحققة، “إن الإنسان كائن تاريخي تجلى وعيه في أنساق نامية من العقائد والتصورات والمواقف والقيم. هذا الوعي تاريخي لأنه لغوي وخيالي، فباللغة سمى الإنسان الأشياء، وأسس تضايفا بين الكشف والانكشاف، وبالخيال أولج الواقع في اللاواقع، وأوجد منطق التوحيد والإدماج، وجسد الفكر في الصورة، وتغلب على عزله النفس عندما تترك لذرائعها في عالم مفروض”[2].

تناولت الأنظار الفلسفية الخيال في علاقته بالإرادة والذاكرة والوهم والإحساس، وصلة كل ذلك بسؤال الخلق والإبداع، قبل أن تهتم الأبحاث البلاغية والأدبية والنقدية بطبيعة الإبداع الشعري والسردي، ومن ثم كانت الخلفيات الفلسفية حاضرة بشكل خفي أو جلي في دراسة الخيال، الذي يبقى “تحققا لحرية الإنسان وإرادته، وضرورة لابد منها للوعي وهو يتجه صوب المعرفة، وحوارا خلاقا بين الفكر والصورة، بين العالم والإنسان عندما ينفخ من روحه في الأشياء”[3].

أولا: القيمة المعرفية للخيال

تميز الفكر المعاصر، إذن، بتزايد الاهتمام في الدراسات الإنسانية بالخيال، وقيمته الإدراكية والمعرفية، ودوره في صياغة أنساق تصورية ومفهومية، يقتدر بها الإنسان على استيعاب تعقيدات الوجود وتشعب تفصيلاته، ولذلك كان الخيال محط اهتمام الدارسين على اختلاف مشاربهم الفلسفية والمنطقية والنفسية والعصبية الدماغية، والبلاغية والنقدية والإبداعية..

ومنذ العصور القديمة، وخاصة مع بدايات التفكير الفلسفي اليوناني الذي اشتغل بالبحث في المعرفة وطرائق تحصيلها ومتعلقاتها الوجودية والقيمية، وما تلا ذلك من محاولات تفسيرية في السياق الإسلامي العربي القروسطي، أو المجال الغربي الحديث، مازالت الأبحاث والدراسات في الخيال تغتني بالكسب المعرفي والتطورات التي تعرفها مختلف العلوم.

لم ينفصل الاهتمام بالخيال عن هواجس العقل الحديث الشغوف بفهم أسرار السلوك الإنساني وطبيعة إدراكه للعالم من حوله، خصوصا مع الطفرات العلمية التي منحت للإنسان “ثقة” جعلته يؤمن بتغلبه على مخاوفه من الطبيعة، ويمسك بخيوط تحكمه فيها، غير أن اكتشافاته العلمية المطردة إلى اليوم جعلت كبار ابستيمولوجيي العلوم يسائلون منشأ المعرفة العلمية ذاتها، وكيف تتجاوز ذاتها باستمرار، وتراجع وتنسخ ما كان يقينيا بالأمس لا ارتياب فيه، وذلك بالبحث عن أسرار انكشاف المعارف وطبيعتها الإبداعية والابتكارية، وكيف أن الحدود الوضعية والعقلانية الصارمة تضيق واسعا؛ إذ الإنسان من التركيب الخلاق ما يتأبى عن اختزاله في جانب من جوانب الإدراك الذي له وظيفته المخصوصة، والتي تتكامل مع باقي المكونات التي تجعل منه بحق كائنا مميزا.

وهو ما عبرت عنه يمنى طريف الخولي منطلقة من تحليلات فلاسفة العلم والإبستيمولوجيين المعاصرين، بقولها: “إن العلم شيءٌ حي، بمعنى أنه بِناء صميم طبيعته الصيرورة. وهو نَسَق متتالي التوالد والتنامي والتغير، ما يعني أن مَنْطِقه منطق نظام ديناميكي، وهو منطق للتقدم المستمر؛ لذلك فحين نقف على خاصية البنية المنطقية للعلوم الطبيعية، سنرى كيف أن نَسَقَها يحْمل في صلب طبيعته إمكانية التقدم المستمر دائمًا استمرارية البحث العلمي.

إن هذه الإمكانية متوشجة في صميم البنية المنطقية، حتى أمكن القول إن منطق العلم التجريبي، منطق “تصحيح ذاتي”؛ فنجد “جاستون باشلار” Gaston Bachelard (1884-1962) “شيخ” فلاسفة العلم في فرنسا، يؤكد ضرورة الربط بين العلم والفلسفة، ويحرص على تأكيد أهمية الخيال والأحلام الشاعرية للعقل العلمي[4].

إن العلم يظل شيئا حيا، شيئا من أشياء المتعة والجمال، أعظم من أن يختزل في الجوانب التقنية (التكنولوجيا)، يتوشج بطبيعته توشجًا داخليٍّا في شؤون الحياة، وهو مع هذا شيءٌ مميَّزٌ عنها، إنه ميدان للخبرة يلعب فيه الخيال دورًا كاملا[5]، ولئن ارتبط التطور الفكري الفلسفي مع مطلع القرن العشرين بظهور الفكر العلمي الذي يؤمن بالواقع الفيزيائي، والإدراك الحسي، حيث أصبحت المعرفة مختزلة في التجارب المحسوسة والملموسة.

غير أنه، في مقابل ذلك، ومع تطور الفكر العلمي ذاته، تطورت الرياضيات، والتي هي بخلاف الفيزياء لا تقوم على التجربة الحسية، بل على الرمز باعتباره تمثيلا تجريديا، ولا يمكن للأبحاث العلمية أن تتطور دون الرجوع إلى المبادئ الرياضية، مما فرض على المنهج العلمي توسيع اهتماماته لتشمل القراءات والتأويلات الرمزية، وعدم جموده عند مجرد التجارب الحسية، ولعل هذا الواقع العلمي الجديد الذي جعل جيلا جديدا من الفلاسفة يسائل الظواهر الرمزية وإحالاتها الدلالية والمعنوية، والذي خلق تيار “المنطق الرمزي” الذي يعتبر إرنست كاسيرر[6] Ernst Cassirerرائده الأول، حيث استأنف البحث في نظريات المعرفة وقنواتها، وتعدد مجالاتها وإعادة الاعتبار للخيال، واللغة، والأسطورة، وغير ذلك مما كان قد أقصي من مجالات البحث الفلسفي والعلمي بدعوى “ميتافيزيقيتها” ولا علميتها، ولا موضوعيتها، تحت طغيان الفلسفة الوضعية.

ثانيا: النظرة السلبية للخيال

شاع إذن وهم الفصل بين العقل والخيال حتى بات حقيقة راسخة وبديهة من البدائه، بل صار الخيال رديف التزييف والكذب ومقابلا للواقع، وكأن الحقائق مجرد معطيات حسية مسطحة، لا عمق فيها تشرئب إليها الأنفس التواقة، ولا غيب من ورائها تتطلع الهمم لكشف الحجب عنها، وما تاريخ التقدم البشري إلا خلاصة الأنفس التواقة وتلك الهمم المتطلعة من أجل درك الحقائق في مختلف مراتبها وتجلياتها المتنوعة، فغير خاف ما للمخيلة والخيال من وظائف إدراك وتصور وتشييد للعوالم، مما يكتنزه من قدرات على جمع المتفرقات وضم المتناقضات وتجاوز الوقوف عند الأشباه والنظائر، وهو ما يفتح باب الإمكانات اللانهائية للإبداع الإنساني، فعلم المخيلة والخيال مدخل لفهم، ليس فقط الإبداع الشعري والسردي، بل كذلك الاكتشاف العلمي والانكشاف المعرفي. مما يدعو إلى الاجتهاد في بناء أسس نظرية معاصرة تعنى بدور المخيلة والخيال في التشييد الحضاري الإنساني بمعناه الجمالي في بعديه العمراني والمعماري.

ويمكن اعتبار دعاوى الشعراء الكلاسيكيين المستهجنة للخيال، أكبر شاهد على النظر السلبي له ما دام صادرا عن أهل صناعة التخييل، ولمَّا أشربوا بمنازع “العقل” اليوناني فليس الخيال عندهم إلا ” الجانب الخادع في النفس الذي يقود إلى الخطأ والزلل”[7]، وإذا ما تم تدبر الموقف الكلاسيكي من الخيال فإننا نجد أنه كان نداء مكبِّلا للفاعلية الإبداعية وجعلها في خدمة قالب تقليدي معين موروث يكون بمثابة المعيار الذي به يجعل من إبداع شعري ما يحمل صفة الشعر، ليصير الأدب “أدب تقليد واحتذاء، لا أدب وحي وإلهام، أدب صورة وقالب، لا أدب جوهر ولب، أدب لياقة وكياسة ويراعة، لا أدب عبقرية وروح”[8]، فعند فقدان الحرية الاكتشافية التي معها تنكشف وجوه جديدة مخترعة والتي يعتبر الخيال بمعناه الإدراكي المعرفي الشامل أساسها ومصدرها، تُبرَّر القيود والأطر الجامدة بدعوى الصرامة العقلية المنتظمة، وهو ما ثار عليه الإنسان في مختلف وجوه نشاطه الإبداعي، علما طبيعيا كان أو إنسانيا، فالخيال حاضر فيهما على الدوام، ومن ثم فمع تنامي التوجه الرومانسي في الغرب والذي ثار على القولبة الكلاسيكية الجامدة للإبداع الإنساني، انبجس عهد جديد يتخلص من منطق الثنائيات المتقابلة، (خيال/واقع، عقل/حس،) فالإنسان آية، وليس مجرد آلة؛ إذ هو في رحلة تعرفية دائمة على مختلف الآي في الأنفس وفي الآفاق، والوعي بهذه الخصيصة الفطرية فيه جعل من الخيال فاعلية بحث عن الحقيقة يشترك فيها العالم والمفكر والأديب.

إنها رحلة بحث عن عوالم منشودة في اتصال مع ما هو موجود ومنظور ومعيش، فالحقيقة أكبر من أن يدعي أحد الإحاطة بها أو حصر وجوه التعرف عليها، ومن ثم فإن الإعلاء من شأن الذات في مقابل الجاهز والقالب الموروث، أرجع للخيال مكانته المعرفية. فالخيال “أكبر نشاط حيوي للعقل”[9]، وليس”طاقة عاجزة تماما عن تحمل المسؤولية وغير معنية بالصدق أو الحقيقة”[10].

ثالثا: التأصيل المعرفي للخيال

حضر الخيال باعتباره مفهوما يحيل إلى عالم الرموز والمعاني في مقابل عالم الظواهر والماديات في حقول علوم الاجتماع والأنثروبولوجيا وتاريخ الذهنيات وما اتصل بها من بحوث في المقدس والأساطير والشعائر والطقوس الاحتفالية، وأضحى مفهوم الخيال متسعا يطال حقولا متنوعة، ويحمل معاني اصطلاحية وإجرائية بحسب تنزيلاته وتطبيقاته التي وظفتها مناهج العلوم وبصور اشتقاقية ذات أبعاد إبستيمولوجية متعددة..

وهو ما عبر عنه ناقد جماليات التلقي الألماني “فولفغانغ أيزر” من خلال استشكاله للعلاقة الثلاثية بين الواقعي، والتخييلي، والخيالي، متسائلا عن التعارض القديم بين التخييل والواقع الذي يفترض معرفة ضمنية لما يكون كل واحد من هذين العنصرين؛ “حيث يتميز التخييل أساسا بغياب تلك المواصفات التي تحدد الواقع.

وقد كانت هذه “الحقيقة” الشائكة تخفي المشكل الرئيسي الذي ظل يزعج الإبستومولوجيا الحديثة، وهذا هو المشكل الذي ورثه العالم الحديث عن الفكر الديكارتي؛ أي كيف يمكن لشيء ما أن يكون له وجود دون أن ينبثق من الواقع، رغم أنه حقيقي وحاضر”[11]، وهو وعي إبستيمولوجي بالمأزق الذي أدى إلى انسداد معرفي في التناقض بين الواقعي والتخييلي، مما جعل “إيزر” يستبدل العلاقة الثنائية بثلاثية الواقعي، والتخييلي، والخيالي، حيث “يحول الفعل التخييلي الواقع المعاد إنتاجه إلى دليل، وفي نفس الوقت يرسم الخيالي كشكل يساعدنا على تصور ذلك الشيء الذي يشير إليه الدليل”[12]. فتجاوز المأزق الإبستيمولوجي الذي أقام التناقض بين التخييلي والواقعي حتى أضحى معتادا في الدراسات الإنسانية بفعل ما تراكم من طبقات معرفية ديكارتية، جعل كثيرا من المشتغلين بالإنسانيات عموما، وبالدراسات النقدية، والأدبية، والتأويلية، خصوصا، يراجعون ما استقر من أحكام بخصوص علاقة الواقع بالتخييل الإبداعي، وهو مستوى من التناول سنرى أنه سوف يأخذ أبعادا معرفية كبرى تعطي للخيال هويته “الواقعية” المستقلة.

ولذلك يجعل “أيزر” “الواقعي” مصطلحا يشير إلى عالم “معطى”، وهو العالم الإمبريقي، والذي يوجد رهن إشارة المبدع ويشكل بحقوله المختلفة مرجعا له، بل يصير الواقع “مادة” تشكلا لأنساق الذهنية والأنساق الاجتماعية وصور العالم، فالواقع يصير بهذا المعنى هو مختلف الخطابات التي يخلق المبدع من خلالها عالمه[13].

ومن ثم يصير التخييلي لدى أيزر فعلا قصديّاً، تكون له جميع خصائص حدث ما، وبالتالي يُخَلِّصُ تعريف التخييل من عِبءْ الإعلان عن التصريحات الأنطولوجية المعتادة المتعلقة بما هو التخييل. فالتعريف القديم للتخييل باعتباره غير واقع، ومجرد أكاذيب، وخداع، يشتغل في غالب الأحيان كشيء مخالف لشيء آخر،الذي هو الواقع، وهذا تعريف يميل إلى جعل الطبيعة الخاصة للتخييل غامضة بدل توضيحها[14].

ويخلص أيزر من خلال بحثه عن مخرج من المأزق الثنائي (الخيال/الواقع) من خلال اقتراحه ثلاثية الواقعي والتخييلي والخيالي، إلى أن الخيالي مفهوم محايد نسبيا، ولم تتخلله الترابطات التقليدية بعدُ، “فالمصطلحات مثل الخيال والفانطاستيك سوف تكون غير ملائمة؛ لأنها تحمل ترابطات عديدة جدا ومعروفة، وهي مُعَرَّفة في غالب الأحيان بأنها كفاءات إنسانية تشبه كفاءات أخرى وتختلف عنها.

وعلى سبيل المثال، فإن مصطلح الفانطاستيك كان يعني شيئا مختلفا جدا في النزعة المثالية الألمانية عما كان يعنيه في علم التحليل نفسي، وفي المجال الأخير كانت لـ”فرويد” Freud و”لاكان” lacan مفاهيم جد مختلفة عن الفانطاستيك. وفيما يخص النص الأدبي، فإن الخيالي لا ينبغي النظر إليه ككفاءة إنسانية، بل إننا نهتم بأساليب تمظهره واشتغاله، وبالتالي فهذا المصطلح يشير إلى برنامج وليس إلى تعريف. يجب علينا أن نبحث كيف يشتغل الخيالي ونحن نقاربه على سبيل تأثيراته القابلة للوصف…”[15].

وإذا ما أردنا العودة إلى تأصيل مفهوم الخيال في المجال التداولي الغربي، باعتباره فاعلية إدراكية مولدة للمعرفة، فإن “إيمانويل كانط” (1724-1804) يعتبر لحظة فارقة ومميزة أعطت للخيال مكانته ضمن ملكات العقل، إذ أراد “كانط” أن يستعيد ما استبعدته الميتافيزيقا ودفعت به إلى الهامش من حيث القدرة على الإنتاجية الفكرية والمعرفية، ومن ثم صار الخيال مع “كانط” نشاطا فكريا تجاوز به الأحادية المنطقية التي جمد عندها التفكير الفلسفي باعتباره الطريق النظري الوحيد للحق والحقيقة.

لقد أصبح الخيال فاعلية خالصة يقوم عليها التمثل والتركيب وتقتدر الذات من خلاله على الربط الذي هو تمثل لوحدة المتنوع التركيبية[16]؛ أي أصبح روح التفكير ذاته، ما دام الفكر في حقيقته نشاطا تركيبيا، يقوم على “التخطيطات الأولية المتعالية” التي يمده بها الخيال، ومن أهمها “الزمان” في التفكير، والتي تعتبر فتحا فلسفيا كانطيا يلغي الوصم التنقيصي للخيال باعتباره وهما، ويجعل منه فعلا معرفيا يفتح آفاقا جديدة لأوجه العلاقات والترابطات الوجودية، أي أنه أساس الرؤية الجمعية التي تربط بين المتفرقات، وتوحد الكثير الذي يبدو مشتتا أو متشظيا، ذلك أن”الربط هو المتمثل الوحيد، من بين جميع التمثلات، الذي لا يمكن أن تحققه لنا الأشياء، بل يمكن للذات وحدها أن تقوم به باعتباره من أفعالها التلقائية”[17].

فالمخيلة ملكة باعتبار تخطيطها الزماني الأولي تمد الذات بالإبصار والرؤية للوجود، وبالمقدرة الكشفية عن وجوه علاقاته المتعددة، وروابطه وارتباطاته الممكنة، التي تزيد الفهم اتساعا وانفتاحا، بل صار الخيال من أعمال الروح، وقد كتب عن ذلك فيلسوف الوجود “مارتن هايدغر”، وهو القارئ الكبير للفلسفة الكانطية النقدية..

بهذا القول يكون “كانط” قد أدخل الخيال الخالص كوظيفة ضرورية للروح”[18]، واعتبر”الخيال السامي”، الأساس المكون لإمكان المعرفة الأنطولوجية وللميتافيزيقا في معناها العام، الخيال ملكة أو قدرة تمكن من الحدس الخالص”[19]. وعلى هذا الأساس يتم تجاوز التقابل الضدي بين الواقع والخيال ليصير الخيال طاقة خلاقة تصوغ الرؤى وتصورات الوجود[20].

وفي السياق التنظيري والفلسفي نفسه، نجد “اسبينوزا” قد اعترف بالخيال باعتباره مصدرا للمعرفة الأولية، ومتصلا بحركية النشاط الإنساني اليومية وحالاته الجسدية والنفسية، وما تتشوف إليه وتتعلق به من رغبات وأهواء وإرادة للقوة، غير أن الخيال يبقى في حاجة إلى تدخل العقل ليعصمه من الزلل، ومن ثم فالخيال محض دينامية معرفية جوانية في حاجة قصوى لتدخل الفكر/العقل من أجل التوجيه والتقويم، فسبينوزا، هو “أول من دفع بدينامية الخيال إلى أبعد حد. ولا أحد، بصفة خاصة، سبق وتجرأ على غرس الخيال بشكل أعمق داخل الجسد.

لذلك ينتقد “اسبينوزا”، بعنف، أولئك الذين يجمعون على مراقبة الناس، والحد من نزواتهم بدلا من تعليم الفضائل”[21]، ومن ثم لا ينبغي فهم الخيال بمعنى الدافعية للخطأ فقط، بل يبقى فاعلية عميقة شديدة الصلة بالتجربة التي تتكامل مع الفكر وتتخذ وجهات معينة، فالخيال، بالمعنى السبينوزي، برزخ بين ما هو داخلي وخارجي، وما هو فردي خاص، وجماعي عام. وهو من المعنى الإيجابي الذي ذهب إليه كانط بخصوص الخيال المحض والمنتج، فهو “قوة أساسية تشتغل قبليا باعتبارها مبدأ لكل معرفة”[22].

ومجمل القول إن الخيال أصبح مع التنظير الفلسفي الكانطي والسبينوزي يأخذ مكانه في عملية الإدراك والإنتاج المعرفي، انطلاقا من الوعي، خصوصا عند كانط، بوحدة المعرفة وتنوع ملكاتها ومساحات اشتغالها بين الحسي التجريبي، والشعوري النفسي، والفهمي التركيبي، بأبعاده الزمانية التي دفعت بالخيال في اتجاهات جمالية خلاقة، ومفهومية علمية، أسست لتصورات إنسانية جديدة للعالم.

وانطلاقا من تلك الطفرات الفلسفية في المنظور المعرفي للخيال، وما اكتنفها من تطورات في العلوم الإنسانية باختلاف مسالكها، وإنتاجيتها المفهومية والمنهجية أخذ الخيال أبعادا إجرائية وتحليلية في قراءة أنساق البنى المعرفية المختلفة، غربية كانت أو عربية من مثل ما قام به “هنري كوربان”، في مشاريعه البحثية الكبرى المتصلة بالخيال في الفكر الفلسفي المشرقي ما بعد ابن رشد.

ولعل العناية بالخيال في أبعاده الإبستيمولوجية جعل حضوره التحليلي جليا في تاريخ الأفكار والعقليات والذهنيات في تجلياتها الفلسفية، والنفسية، والاجتماعية، والإناسية، والإبداعية، والنقدية، وبصيغ اشتقاقية مختلفة (مخيال، متخيل،…(؛ غير أن أصل الاصطلاح الغربي يربط بين الخيال والصورة اشتقاقيا وصوتيا، (image/imagination)، بخلاف سياق اللغة العربية(صورة/خيال) مما يستوجب حفرا دلاليا وتحليلا فلسفيا يمتح من صلة اللغة بالفكر، وأسرار الإبداع في التوليد الاصطلاحي واستثمار الطاقة الاشتقاقية للغة العربية[23].

فقد لوحظ التداخل بين التخييل والتوهم في المعجم العربي، وبين إحالتهما على الرؤية البصرية وما قد يشوبها من خدع واشتباه، أو باعتبار التوهم فعلا من أفعال القلب، ولم يرق الخيال باعتباره ملكة إلى مستوى الدينامية الإدراكية التي تتوسط المحسوس والفكر، إلا بعد الاطلاع على الفلسفة اليونانية من خلال الترجمة[24].

إذ “أن التخيل والتوهم، هما المقابلان اللذان تم اختيارهما لترجمة المصطلح اليوناني Phantasia، واكتسبا، من ثم، دلالة سيكولوجية وإدراكية واضحة ترتبط بالتصور الأرسطي للخيال في كتابه في النفس (…) فقد أسند (أرسطو) للفنطاسيا دورا تركيبيا وتوليفيا، وجعلها وسيطا ديناميا بين الحس والعقل، بين الإدراك الحسي والإدراك العقلي”[25] وهو المعنى الذي ذهب إليه الكندي حين اعتبر؛ “التوهم هو الفنطاسيا، قوة نفسانية ومدركة للصور الحسية مع غيبة طينتها. ويقال الفنطاسيا هو التخيل، وهو حضور صور الأشياء المحسوسة مع غيبة طينتها”[26]..

فتقصي انتقال مفهوم الخيال من المجال التداولي اليوناني، إلى المجال الإسلامي العربي، وتتبع تنزيلاته الفلسفية والكلامية والصوفية، والنقدية، والبلاغة الشعرية، ليس هم هذه المداخلة، بل أردنا فقط الإلماع إلى قيمته الإدراكية والمعرفية، وقيمته الإبستيمولوجية، التي أضحى يحتلها اليوم في حقل العلوم الإنسانية والحقة أيضا، وبعد ما تم التحرر من جمود العقلانية الوضعية.

لقد أصبح الخيال ومشتقاته مفاهيم بحثية تفتح بها خزائن الرمزيات بما تحيل إليه من عوالم تتأبى على التحكم الأمبيرقي الحسي والوضعي بصفة عامة، وتستفز الناظر فيها إلى تطوير أدواته الاستكشافية، ومناهج رؤيته للوعي الإنساني، وتفاعلات إدراكه، وتشكيل تصوراته وتمثلاته ورؤاه للعالم.

لذلك بدأت تتعالى الأصوات الفلسفية بضرورة مراجعة البراديغمات المتصلة بالحدود بين العقلاني واللاعقلاني، ووضع قضية “الموضوعية” في المعارف الإنسانية منها والحقة موضع استشكال، وإعادة الاعتبار إبستيمولوجيًا للثقافة الذهنية أو الدين واللغة والأسطورة أو كل ما اصطلح عليه بفلسفة الأشكال الرمزية التي يعتبر “آرنست كاسيرر” رائدها الكبير في مفتتح القرن العشرين، كما سبقت الإشارة لذلك، والذي انطلق مشروعه الاستئنافي للنظر في المعرفة وأسسها ووظائفها وبناء إبستمولوجيا للعلوم الدقيقة وعلوم الطبيعة[27]؛ إذ يمكن اعتبار أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، أوج ما بلغته المركزية الغربية في قياس كل مختلف ومغاير انطلاقا من معيارها المنطقي والعقلي الخاص بها، إذ أصبحت المجتمعات تصنف إلى مجموعتين بشريتين، إحداهما يتركز تفكيرها حول المنطق، وهو الثقافة الغربية، وأخرى تمثل عقلية ما قبل منطقية، وهو نمط التفكير لدى الشعوب “البدائية” في أفريقيا وآسيا، والسكان الأصليين في أمريكا وأستراليا. وهو ما أشاعته الأنثروبولوجيا الثقافية مع ليفي بريل وأضرابه [28]، فكاسيرر “كان أول فيلسوف كانطي يتطلع إلى “نظرية المعرفة” باعتبارها دراسة “الفاعلية العقلية” التي تقوم على الأشكال اللغوية بقدر ما تقوم على المقولات المنطقية، فجاء عمله إيذانا بالخروج من المركزية المنطقية”[29]..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق