بدويات

توني موريسون … عملاقة الأدب وأيقونة الحريّة (2/1)

تراجيديا الزمن الغابر في ولايات أمريكية لم تتحد بعد

د. محمد بدوي مصطفى

أعاصير الأطلسي ووصمة عار في وجه البشرية …!

يسلط الموضوع الذي نحن بصدده اليوم يا سادتي الضوء على امرأة استثنائية، عقد فريد، أيقونة نادرة، أدبيّة وعالمة لا يشق لها غبار، رسمت اسمها بأحرف من نور على صفحات التاريخ التليد بعد صراع مديد ونضال مستميت، تحت أجواء خانقة لم يعرف تاريخ البشرية لها من مثيل، أجواء قاتمة، حالكة ومهلكة بكل ما تحمل هذه الكلمات من ثِقل ومعنى، شاء الرّب أن خُلقت ووُلدت فيها الكاتبة آنذاك في أمريكا ثلاثينات القرن المنصرم. يا له من تاريخ وزمن مخزي، ويا لها من أيّام شاحبة لا تُوصف وانتهاكات جسيمة لن تُنسى أو تُنسَف، وأقدار وأغدار لو كتبت على ورق لنفدت أحبارنا بعدها قبل أن تنفد تلك المرارات. فإذا عدنا بالزمن قليلًا إلى الوراء لا سيما في الفترة التي ولدت فيها هذه الأديبة الفذّة فسوف نكتشف أن تراب تلك الأرض، أشجارها، حيطان بيوتها، هكتارات مزارعها المترامية تحكي جلّها قصة واحدة لا ثاني لها: تراجيديا العرق الحامي، مأساوية من سلبوا ونقلوا وجلبوا دون ذنب جنوه؛ قصة طوفان الدماء المهدرة حينما تُرجع أصداءها الأعاصير العارمة التي تلتف كما الأفعى على المدن والسواحل التي أذنت بإرساء أشرعة سفن العار الآتية من الضفة المقابلة للمحيط، أشرعة آلام وأحزان بلا حدود. تثور تلك الأعاصير بنفس السواحل والمدن كل عام وكأنها تجدد بيعتها لمن قضى نحبه وأنها لن تدفن الأحداث تحت الرمال أو بقيعان البحار دون مساءلة، واعدة بأنها سوف تجلب لهم عدالة السماء عاجلًا أم آجلًا، وستضرب بلا رحمة بسياطها المدوية عرض الحوائط والسواحل والبواخر، تعاقب أولئك النخاسة ذوي الجنس اللابشريّ، على ما فعلوه في حق أمّة بأثرها، قارة برمتها، وها هي ذا أصداء السياط والكرابيج وانتهاكات العروض تتهادي مكتومة الأنفس، مخنوقة موءودة وقاتمة كما قتامة القبور، يدندن غضبها، يجلل ويزلزل الأرض زلزالها، وهي لا زالت تتردد بانتظام وأمانة على الأماكن تلك، رغم عمق الأخدود الزمنيّ بين الكان والآن، بين الفات والآت، بين الكائن والآين؛ ينعكس في كل مرّة صداها وتتكاثف مرارتها من خلال جملة واحدة، مزلزلة ومعاصرة على حد سواء، صارت مألوفة وحاضرة في بديهة كل إنسان، نطق بها جورج فلويد يومئذ بينما كان أحد رجالات الشرطة يضع كل ثقله على عنقه ، مما أجبره أن يردد بعد لأي هذه الجملة المؤلمة: “لا أستطيع أن أتنفس”. حقيقة يا سادتي إن هذه الجملة غيرت مسار جيل جديد ومشرق تؤلفه – كما ذكر أوباما في إحدى لقاءته – محبة واحترام، وانتصبت هذه الجملة التي تبناها كل الشباب دون تمييز يذكر بينهم، صامدة وصارخة في وجه كل أشكال الاستبداد والاضطهاد العرقي والإثني ضد الأقليات أينما حلّت أو كانت، ولهذه الجملة الفضل في أنها أثرت بسميائيتها العميقة معاجم الإنسانية قاطبة وانبجس عن ماء صخرتها صرخة مدويّة كما ذاك الإعصار الضارب على المدن والسواحل الغارقة في العار، عبّرت عما يجوش بأعماق الكثيرين، خرجت وكأنها تُلفظُ من أنفاسهم، نعم، كل أولئك الذين يعيشون هذا الاضطهاد واقعًا ملموسا في كل خطوة وكل لحظة ينادون: “لا أستطيع أن أتنفس” أو ” بربك دعني أتنفس”!. لقد ساهمت هذه الجملة أيضًا على فتح أعين القادة وقلوب بعض الساسة وأبواب أرباب السياسة العالمية عموما ومحافل السياسة في أمريكيا خصوصا تجاه كل المطالب الحتمية التي نادت بحقوق مشروعة ومهضومة، كما ونادت بالمساواة والعدالة لكل فرد، واتسعت رقعة هذه المطالب خاصة في غضون حملة الانتخابات التي انتهت بفوز الرئيس المنتخب بايدن واكتسحت نظريات المؤامرة قبل أن تخمد نيرانها تمامًا لتنتصب رغمًا عنها أيقونة أخرى على كرسي نائب الرئيس، تجسد الحلم الذي من أجله عاشت توني وأفنت جلّ حياتها أن يتحقق، منادية بحق تاريخيّ مهضوم، ثائرة لكل أمّ فقدت فلذة أكبادها تحت سياط وبنادق التطرف وعمى النفوس. ولو كانت توني موريسون على قيد الحياة لكانت أطلقت صرخة أخيرة، أو ربما فرحة أو تنهيدة عميقة لتقول: لقد بدأ الحلم يتحقق! فسلوتنا فيما كتبت وتركته لنا من أثر حميد تقتفى خطاه البشرية حتى يقودها بخطى ثابتة إلى أرض الميعاد وأرض تحقيق الأحلام في سبيل سلامة البشرية جمعاً.

توني موريسون بين السياسة والعنصرية:

توني موريسون روائية أمريكية من أصول إفريقية، بزغ نجم مولدها في مقاطعة أوهايو في عام 1931 وتعتبر الكاتبة الأمريكية السوداء الوحيدة التي حازت على جائزة نوبل في الأدب، ذلك في سنة 1993 عن مُجمل أعمالها كما وحصلت على جائزة بوليتزر المرموقة عن روايتها “محبوبة” التي تُعد في نظر الكثيرين من النقاد أعظم أعمالها الروائية على الإطلاق. ووصفت بأنها أهم روائية أفريقية في أمريكا كما تعد أول سوداء تحصل على كرسي تدريس في جامعة برينستون، والذي كان حتى بدايتها فيه، محصورًا على الرجال من ذوي البشرة البيضاء. لقد قامت بإصدارات عديدة تزيد على الإحدى عشرة عملًا بين الرواية والقصة من بينها “أكثر العيون زرقة” التي عرّت فيه نظام العبودية وعواقبه الاقتصادية والنفسية الوخيمة في القرن التاسع عشر وما بعده؛ إضافة إلى روايات نشيد سليمان، صولا، وطفل القطران. عملت في جامعة تكساس ثم في جامعة هاوارد، ثم انتقلت إلى نيويورك للعمل كمحررة في دار نشر “راندوم هاوس” وتوفيت موريسون في 5 أغسطس 2019 على إثر مرض لم تعلن عنه، وقد بلغت لحظئذ ثمانية وثمانين ربيعًا. لقد أثرت موريسون المكتبة العالمية بأعمالها القيمة أيما أثراء فتُرجمت أعمالها إلى مختلف لغات العالم ومن بينها العربية. ودخلت منذ تسعينيات القرن المنصرم قصر الكلاسيكية الأدبية من أوسع أبوابه.

العنصرية ونظريات المؤامرة:

لقد واكبت توني موريسون التغيرات السياسية المتعددة قبل وفاتها لا سيما ارتفاع ثقل اليمين المتطرف خصوصًا في حقبة الرئيس رقم ٤٥ كما وعاشت من قبله أيضًا الحلم الأمريكي الذي طال انتظار الأمريكان ذوو الأصول الأفريقية له والذي مكّن المرشح الديموقراطي براك أوباما من تولي كرسي الرئاسة بالبيت الأبيض كأول رئيس من أصول أفريقية. من جهة أخرى وقف العالم بأسره على مناورات الرئيس رقم ٤٥ الخاسرة والتي رمت إلى تمديد نفوذه بكل السبل، مشروعة أو غيرها، من أجل البقاء في البيت الأبيض لولاية ثانية ربما خوفًا من الدعاوى التي انهالت عليه في الفترة الأخيرة من كل صوب وحدب لا سيما قضايا الانتهاكات الجنسية والتي تنتظر رفع الحصانة عنه ليمثل أمام العدالة حسب ما جاء في الإعلام العالمي. لقد تبين لكل فرد مع مرور الأيام لعبته المحببة إلى نفسه ألا وهي بث ونشر وتسويق نظريات المؤامرة على الملأ، جاهدًا لترويج الإشاعات التي تؤيد موقفه وتضعف موقف من خالفوه الرأي، يدأب عبر مئات بل آلاف التغريدات آملا الوصول إلى فئة معينة من المواطنين الأمريكان والتي وصل عددها وبكل أسف إلى حوالي سبعين مليون شخص، يا للمصيبة! وقد قاد ذلك إلى خلق فلسفته التي تحمل اسمه، والتي تعتبر من الآن فصاعدًا نهجًا سياسيًا، ينهل منه كل من يؤمن بنظريات المؤامرة وبالحقائق البديلة، وسوف يستمر الحال للأسف على هذا المنوال حتى بعد خروجه من أعتاب البيت الأبيض وفي نظري ستغير هذه الفلسفة المستجدة، من جهة طريقة توليد الحقائق، ومن جهة أخرى عملية استيعابنا وهضمنا للمضامين والرسائل السياسية، حتما ستتوغل إلى دواخلنا لتشكك في كل إيمان راسخ وحقيقة ثابتة مروجة بذلك للإشاعات في كل صغيرة أو كبيرة، لتفرض نفوذ الفئة المخالفة للوتيرة العامة.

ومن الإشاعات التي أثارت حفيظة الأمريكان من أصول أفريقية أن رقم ٤٥ في سنة ٢٠١١ وحتى قبل أن يدخل حقل السياسة وقبل أن يرشح نفسه للرئاسة بسنوات، قام بتأييد اليمين المتطرف ليسانده في نظرية المؤامرة المتعلقة بعدم أحقيّة الرئيس أوباما في الرئاسة والتي جاءت أثناء الحملات الانتخابية للجمهوريين. لقد عمل معهم جاهدًا يشكك في أصل وفصل الرئيس المنتخب وفي شرعية أن يكون رئيسًا للولايات المتحدة زاعمًا أن أوباما لم يولد في أمريكا بل في أحراش أفريقيا وأنه حسب المصادر المعروفة لديه أفريقي صرف، من أصول أفريقية قحّة وليس له أيّة علاقة بأمريكا، لا من قريب أو بعيد. وفي لقاء للتلفزيون الألماني مع الرئيس أوباما بالأمس شاهدت تعليقه على هذه الإشاعات التي أطلقها عليه المخلوع والتي أججت نيران الشكوك لدى اليمين المتطرف الأمريكي، في وقت كانت فيه الحرب مشتعلة في أفغانستان لا سيما فيما يتعلق بمحاربة الداعشية والبحث عن قائد نظام القاعدة أسامة بن لادن. ذكر أوباما لقاءئذ بنبرة يشوبها الأسف، أنه ما كان له أن يجاري رقم ٤٥ فيما جاء به من مزاعم وتصافق في حقّه؛ ورغم ذلك لم يترك أوباما الفرصة تضيع من بين يديه وأن يمثّل برقم ٤٥ شرّ تمثيل على مسمع ومرأي من الناس في حفل عام وفيه قام بعرض فيلم هوليوود المعروف ملك الغابة والذي تدور أحداثه في أفريقيا، ثم معلقًا بتهكم تجاهه “نعم من هنا أتيت”. وضحك الملأ وكانت تلك وصمة في جبينه، وقد أصرّ وقرر رقم ٤٥ في نفس اللحظة، حسب المحللين السياسيين، أن يرشح نفسه للانتخابات بعد فترة أوباما وأن يرد له الصاع صاعين وهذا فعلًا ما حدث. لقد بلغ انتقام رقم ٤٥ وانتهاكاته لحقوق الأقليات ذات الأصول الأفريقية، الآسيوية حدود اللامعقول، فهل كل ذلك سببه أوباما وما جاء به ضدّه في ذاك الحفل، أم أنها عنصريته الدفينة على كل الأعراق الأمريكية الأخرى التي ذكرها بايدن في اللقاءات التلفزيونية التي دارت بينهما،

على كل هذا أيضًا من الموضوعات والثيمات التي أثرت حياة الكاتبة توني موريسون لذلك عمدت أن أجعل في سياق هذا المقال من أحداث الحاضر مرآة للماضي الذي عاشته هذا السيدة في غضون سنيّ العنصرية والعبودية في الولايات المتحدة، حيث عاشت هي وأسرتها هذه المآسي واقعًا ملموسًا حتى وافتها المنية في عهد الرئيس رقم ٤٥. فيما يتعلق بالحملة التشكيكية التي أطلقها رقم ٤٥ واليمين المتطرف على أوباما والمسماة بحملة “بيرثر” (مكان الولادة) فقد ساهمت هذه الأخيرة في ترسيخ نظرية المؤامرة وبثّ ادعاءات خادعة ومضللة بشأن مسقط رأس الرئيس أوباما، وأحقية منحه الجنسية الأميركية. والجدير بالذكر أنه على الرغم من أن أوباما قد نشر شهادة ميلاده بعد كلّ ما أثير من ضوضاء حولها لتقويض مصداقية رئاسة أول أميركي من أصول أفريقية للبلاد، فلا يزال ملايين الأميركيين يصدقون أضاليل المخلوع، بناء على ما يسمى بنظرية “الحقائق البديلة” و”كذب وسائل الإعلام” اللتان صارتا من واقع السياسة في كل أنحاء العالم.

شخصي الأسود وهويتي كامرأة وأدب البوست كلونياليزم!

“إن شخصي الأسود وهويتي كامرأة جعلا قلبي يجيش بمشاعر لا ينعم بها أحد دون ذلك، فلم ينكمش الإطار العالمي لأنني كاتبة سوداء وامرأة، بل على النقيض اتسعت آفاقه”.

هذه الجملة هي إحدى العبارات التي تلخص شخصية الكاتبة الأمريكية موريسون والتي لازمتها حتى خمد آخر نبض في جسدها، كامرأة وهبت نفسها للعلم، العدالة الاجتماعية والسلام المجتمعي، وكان ذلك في عام ٢٠١٩، للأسف في فترة أحد عناصر الاضطراب السياسي في العالم، جاء بعد أن عاشت موريسون أول فرحة للحلم الأمريكي عندما نصب براك أوباما كأول رئيس من أصول أفريقية، حيث دعاها وكرمها بوسام الحرية وكم كانت تلك لحظة فريدة في حياتها. ويذكر أنها، حين فاز الرئيس الأمريكي باراك أوباما بمقعده الرئاسي عام 2009، تلقت التهاني على شاشات التلفزيون وعلى صفحات الجرائد التي رأت في فوزه تحقيقا لأمنية طالما نادت بها في رسائلها للإنسانية.

إن الدخول إلى عالم موريسون الفني يحتم على كل منّا أن يقرأ على دفّة الباب جملة “مفتاح” وهي الجملة الآتية: “النضال بالقلم” ويمكن أن نعيد قرأتها هكذا “الرّد بالكتابة”. فالقلم دون أدنى شك أنجع من البندقية والكلمة يمكن أن يصل صداها إلى أبعد بقعة في العالم على عكس الرصاصة محدودة المدى والتأثير، لذلك فالدفاع بالحكمة وبنور العلم هما أنجع منهاجين للزود عن الحقوق المسلوبة بكل سلمية وهذا حقيقة ما فعله نيلسون مانديلا عندما قبع في السجن قرابة الثلاثة عقود ومن بعد أثناء حياته السياسية، وتلك كانت أيضًا استراتيجية المهاتما غاندي وغيرهما من كواكب وأيقونات الكفاح السلمي في العالم كمارتن لوثر كينج وغيرهم.

تعتبر موريسون إحدى الرائدات القلائل من أصول أفريقية، آسيوية أو غيرها، اللائي عشن، ولدن وترعرعن في مجتمعات غربية (بيضاء)، وكن قد عانين وذقنَ مختلف أنواع الاضطهاد، التفرقة العنصرية والتهميش، فجاءت حينئذ كتاباتهنّ وإبداعاتهنّ باللغات المستعارة أو لنقل المكتسبة- إن صح التعبير – كمرافعات جليلة تقاوم كل ألوان التهميش والعنصرة لترد عليها عبر فكر رصين، جزل، مبدع، وحكمة تستنبط جَلَدِها وقواها من ماضٍ مؤلم اتخذته هذه الأقلام كقاعدة وحجر أساس لتحيكه في ثوب جُدِل بخيوط البلاغة وبصبغة الصناعة وبحرير الحكمة في كلام يجيئ بألوان الطّيف المتباينة، متحدية بذلك هنا وهناك كل المعايير والطرق والمناهج السائدة التي رسمها “الأسياد” بالقوة – إن صح التعبير – لِتَلِد وتفجر فنونا جديدة بأثواب باهية لم تعرفها تلك الآداب من قبل ولتكوّن من تلك اللحظة فصاعدًا معاييرًا معصرنة جديدة لفن وأدب جديد يشع نوره في بلاغة الرسائل المستندة على الإبداع والخلق الثقافيّ. ولقد عرفت هذه الكتابات تحت سقف (بوست كولنياليزم) يعني كتابات ما بعد الاستعمار التي اتسعت رقعتها في شتى بلدان العالم، في استراليا، جزر الكاريبي، أفريقيا وكندا.

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق