سياسة

قراءات

مناظرة تاريخية (5)

محمدالمنتصر حديدالسراج

في الحلقة الرابعة الأسبوع قبل الماضي وفي معرض نشرنا للمناظرة التاريخية بين السفير الإسرائيلي في كندا هرتزوج والفيلسوف والمؤرخ البريطاني توينبي في الستينيات في كندا وهي تحمل معلومات مفيدة في قراءة واقع الأحداث اليوم على الصعيد الإقليمي والعالمي خاصة فيما يخص الصراع العربي الإسرائيلي الذي هو واجهة للصراع الإسلامي اليهودي أصلا، وما شهدته الساحة السياسية من جري وراء التطبيع مع الكيان الصهيوني بزعامة الرئيس الأميركي(الراحل) ترامب.

هرتزوج في مداخلته مع توينبي عن المذابح اليهودية يقول: وقد جاء في (استعراض الدراسات الدولية) الذي كتبه الدكتور كير وهو محرر مؤلفاتكم ما نصه أن قائد الأرجون في ذلك الوقت قال له أن جنوده تعرضوا لضحايا كبيرة. وأن المسؤولين عن ذلك العمل قالوا إن السكان العرب في القرية حذروا من قبل بضرورة مغادرة ديارهم وأن هذه المأساة كانت نتيجة قتال بين الجانبين اشتبكا فيه بالأيدي. بل ان قائد هذه العملية قتل. وأحب أن أضيف الى هذا أنه مهما حدث فقد نددت الوكالة اليهودية بهذا الأمر تنديدا عنيفا. وأرسلت للملك عبد الله رسالة تعرب فيها عن أسفها للحادث. ولم نستمع لمثل هذا التعبير عن الأسف للمجازر التي اقترفها العرب وقاموا بها في نطاق الدفاع المسلح ضدنا.

ومن ثم فمجمل القول إن هناك خيطا يربط بين جميع أعمال الفظائع التي اقترفها الجنود في البلاد المختلفة وخلال العصور كلها. وعلى هذا فالقول بأثر النازية يجب أن توصم به البلاد جميعا بما في ذلك العرب وما فعلوه لنا وخاصة أنهم بدأوا الهجوم وأننا هاجمناهم دفاعا عن النفس.

بروفسور توينبي:

لا شك أن العرب يستطيعون الرد على أعمال الإرهاب بأعمال الإرهاب.

هرتزوج:

هل تسمحون لي بمقاطعتكم يا سيدي. في نهاية الأسبوع الأول بعد قرار 29 نوفمبر قتل 105 يهوديا وجرح آخرون في أسبوع واحد وذلك بعد قرار التقسيم مباشرة و هذا أمر مسجل.

توينبي:

ولكن هناك أمور من الجانبين. والآن بالنسبة لبلادي كما تقولون قد ذكرت في الأجزاء التي نشرتها بين الحربين أمورا من هذا القبيل. و إذا أنا لم أقم بنشر هذا الجزء قبل العدوان على مصر ببضع سنوات لكنت ذكرت دون شك عدوان بلادي في هذا الإطار ولكني لم أفعل لأن الجزء نشر في عام 1954 و العدوان وقع عام 1956 .

هناك أمر يطلق عليه الهنود(كارما) وهو سلسلة الإثم الأخلاقي. وهو تعميم لما حاولت أن أذكره من قبل، من أن هناك شيئا في الطبيعة البشرية يحملنا على أن ننقل للآخرين الشر الذي أنزل بنا. وإني أتفق مع السفير في أن هذا أمر عام وبالغ البشاعة في الطبيعة البشرية وأعتقد كذلك، كما أحس البوذا حينما أكد سلسلة (الكارما) هذه، أن هذا ليس عذرا يتذرع به الإنسان إذ لا يمكننا أن نكتفي بالقول إن هذا جزء من طبيعة الإنسان، وأن جميع الناس فعلوا هذا ويفعلونه وبذلك يعمل كل منا على الصفح عما يعمله الآخر. بل إن علينا أن نكسر هذه الحلقة.

والآن أعود الى موضوع إسرائيل. إني أعلم حق العلم أن ثمة كثيرين، منهم أغلبية من في هذه القاعة، يحسون بالفزع إزاء المذابح التي اقترفتها القوات الإسرائيلية المسلحة. والإسرائيليون هم أقلية صغيرة من بين أولئك الذين ينتمون للدين اليهودي في العالم، و إني على يقين أن أغلبية اليهود في العالم…بقدر ما يعلمون عن هذا الأمر، قد استبد بهم الفزع و أحسوا بالمسؤولية…فكل منا يشعر بقدر من المسؤولية إزاء ما يقترفه إخوانه في الدين.

فأنا مثلا أحس بقدر من المسؤولية عما يقترفه المسيحيون البروتستانت من الجنس الأوربي الذين هم من ديني في جنوب أفريقيا، وأحس بقدر أكبر من المسؤولية تجاه ما يقترفه الإنجليز من بني ديني في روديسيا وكينيا. بيد أن هذه درجات محدودة من المسؤولية. ولكني أقول إن إسرائيل تحمل مسؤولية هروب بعض اللاجئين نتيجة طردهم وذبح الفلسطينيين العرب، لأن الإسرائيليين استولوا على ممتلكات هي حق مشروع لا جدال فيه للعرب الفلسطينيين. وإني أقول الآن في صراحة أن هذا العمل سرقة وأنه عبء ثقيل على الضمير اليهودي. وعلى اليهود جميعا…وخاصة الإسرائيليين…أن يعملوا على إزالة آثار هذا العمل. فهذا أمر لابد أن يصفى بواسطة اليهود أنفسهم والإسرائيليين خاصة ولكن نخص أيضا الطوائف اليهودية في العالم كله لأن هذه الطوائف هي التي مكنت لقيام إسرائيل بالمساعدات المالية والتأييد السياسي وخاصة مواطني كندا والولايات المتحدة الذين ينتمون للدين اليهودي والذين لهم أعظم سلطة مالية وأشد أثر سياسي في هذا الأمر.

وهكذا تجدنا نواجه مشكلة لا تزال مستمرة هي مشكلة كيف نكسر سلسلة (الكارما) وكيف نحول دون أن يلد هذا الإثم الذي أنزل بالناس…والذي جاء نتيجة إثم سابق عليه…من أن يلد آثاما جديدة. لقد كنت في معسكرات اللاجئين في قطاع غزة واستمعت الى أغاني الأطفال التي ينشدونها في المدارس. وإذا أردتم أن تروا كيف كان اليهود أثناء ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة بعد نفي نبوخذ نصر لليهود، فاذهبوا الى قطاع غزة وستلمسون روح العرب هناك وحالتهم الفكرية. إنهم يقولون نفس الأشياء التي كان يقولها اليهود إذذاك والتي ظلوا يقولونها فيما بعد: (هذه هي بلادنا. وإنا لعائدون).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق