ثقافة وفن

متلازمة العروبة والإسلام عند ميشيل عفلق وحزب البعث (1)

محمد عابد الجابري

‎لعل أصدق وصف ينطبق أكثر من غيره على فكر الأستاذ الراحل ميشال عفلق هو أنه فكر شمولي، فما من قضية إلا ونجده ينظر إليها في ارتباطها مع غيرها من القضايا التي تتداخل معها نوعاً من التداخل، وهذه الشمولية في فكره ترجع في نظرنا إلى ثلاثة عوامل: او لنقل أنها كانت ذات ثلاثة أبعاد:

‎فالرجل كان، اولاً، مؤسس حزب وقائده، فكان عليه ان يتابع الواقع في تموجه وتنوعه، في جزئياته وكلياته، حتى تأتي مواقفه السياسية والأيديولوجية، متكاملة منسجمة مع بعضها خالية من التناقض، كما كان عليه ان يرد على الأحزاب الأخرى المنافسة، مهما اختلفت مشاربها وتباينت مواقفها، من منطلق واحد مبدئي، ومن رؤية واحدة شمولية. ولم يكن الواقع الذي كان يتعامل معه الرجل واقع قطر بمفرده، بل الواقع العربي بكل عناصر التنوع التي يزخر بها، واقع أقطار من بينها ما يضم اقليات دينية او إثنية، ومن بينها ما يهيمن فيها عنصر واحد او دين واحد ومذهب واحد، هذا علاوة على اختلاف سكان هذه الأقطار على مستوى الوعي والتطور والحداثة. لقد كان الرجل مؤسس حزب يعمل على ان يكون له وجود فعلي وفعال في الأقطار العربية كافة فكان لا بد إذاً من نظرة شمولية تستوعب تلوينات الواقع العربي وتموجاته، من الخليج الى المحيط، وتستدعي من الأجوبة للأسئلة المطروحة فيها ما لا يتناقض مع الخط العام والتصور المبدئي الذي يتمسك به. اذاً فالنظرة الشمولية هنا تفرضها طبيعة الموضوع ذاته.

‎وكان الرجل، ثانياً، رجل فكر في الاساس، ذا نظرة فلسفية الى الامور، وبالتالي فمواقفه كانت مبدئية واستراتيجية ولم تكن مجرد مواقف تكتيكية. فعلاً، كان تخصصه ايام الدراسة هو التاريخ، ولكن نظرته الى التاريخ، والتاريخ العربي بخاصة، كما عبر عنها او كما يمكن ان يستخلص من كتاباته، لم تكن نظرة المسجل للحوادث في تسلسلها، الغارق في فرادتها وزمنيتها، بل كانت نظرته نظرة فيلسوف، فكان اقرب الى فيلسوف التاريخ منه الى المؤرخ بالمعنى الاصطلاحي للكلمة. ومن هنا الجانب العمودي، او العمق التاريخي، في فكره الشمولي، العمق الذي يتكامل مع الامتداد الأفقي الذي ابرزناه من قبل. لقد نظر الى الواقع العربي من خلال مكوناته الراهنة، منفعلاً معها ومجيباً على أسئلتها، وفي الوقت نفسه كان يرى هذا الواقع الراهن من خلال ما تحقق في ماضيه من بطولات وأمجاد وما يجب ان يتحقق في مستقبله من نهوض وتقدم، فالمكان والزمان في نظرته الشمولية لا ينفصلان بل هما بعدان لرؤية واحدة تحرص على إمساك الأجزاء داخل الكل الذي يضمها.

‎وكان الرجل، ثالثاً، صاحب مذهب، بل صاحب رسالة. كان يؤمن بالوحدة العربية ويعمل لنشر الفكرة القومية، الفكرة التي ترى في العرب، من المحيط الى الخليج قوماً واحداً، أمة واحدة تكونت انطلاقاً من البعث المحمدي، من رسالة الإسلام التي كان يرى فيها رسالة العرب الى العالم اجمع، الرسالة التي أدوها في الماضي والتي عليهم الآن أن ينهضوا ليؤدوها من جديد. فـ «البعث» وهو الاسم الذي اختاره للحزب الذي أسسه، لا يعني مجرد انبعاث في الحاضر ومنه، مجرد النهوض، بل يعني أكثر من ذلك، بعث النموذج المحمدي الحامل رسالةَ العرب، وذلك باستلهام بطولات الرسول العربي وتضحياته والاقتداء بروحه النضالية وسلوكه المثالي. فـ «البعث» في نظره لم يكن مجرد بعث لحاضر من فراغ ولا مجرد إعادة لبعض ما مضى، على صعيد الذاكرة، بل انه إحياء ما مضى في الحاضر على صعيد الاستلهام والمعاناة من اجل صنع المستقبل الذي يتلاءم مع ذلك الماضي ويكون جديراً بأن يصبح امتداداً له. ذلك هو الخيط الموجه لتفكير الأستاذ ميشال في معالجته قضيةَ النهضة والتقدم، الخيط الذي يقود تفكيره في جميع القضايا التي عالجها وفي مقدمها قضية «العروبة والإسلام» موضوع حديثنا.

‎سيكون علينا اذاً ان نعمل على عرض رأيه في هذه القضية التي تشكل بحق احدى القضايا المركزية في تفكيره ان لم تكن القضية المركزية الاولى، سيكون علينا ان نعمل على عرض مجمل رأيه في هذه القضية داخل الشمولية التي يتميز بها تفكيره والتي تحددها الابعاد الثلاثة التي ذكرنا: بعد الواقع، وبعد الماضي، وبعد الرسالة التي تربط الحاضر بالماضي في اتجاه المستقبل. وقضيتنا هنا، قضية العلاقة بين العروبة والإسلام كما عالجها الأستاذ الراحل تتطلب منا الارتفاع الى شمولية فكره، اعني النظر إليها من خلال جميع القضايا الفرعية المتصلة بها والتي حرص الأستاذ الراحل على استحضارها وتقديم الجواب المناسب لها في إطار نظريته العامة.

‎ذلك ان مسألة «العروبة والإسلام» في فكر الأستاذ ميشال لم تكن مجرد ثنائية تتألف من زوجين قد يبدو لبعض الناس أنهما متنافران او متعارضان، بل انها، بالعكس من ذلك تماماً، مسألة العلاقة الصميمة الموحِّدة بين هذين الزوجين، العلاقة الموحِّدة التي تجد فيه الازواج الاخرى، المفصحة عن بعض مظاهرها، ما يزيل عنها كل تعارض او تنافر. وبعبارة اخرى ان فهم تصور الأستاذ ميشال العلاقة بين العروبة والإسلام يستلزم استحضار مواقفه من القضايا التي لها علاقة بالعروبة من جهة وبالإسلام من جهة ثانية، لأن هذه المواقف في جملتها هي التي تؤسس موقفه العام من العلاقة المذكورة.

‎وهكذا سيكون علينا ان نعرج على موقفه من الدين والإلحاد، من الرجعية الدينية ومن الشيوعية، بصورة عامة، ثم موقفه من الإسلام والتراث العربي الإسلامي خاصة، مع التركيز على فهمه البعث المحمدي ورسالته، الإسلام، بصورة اخص. ثم سيكون علينا بعد ذلك ان نعرض لفهمه لفكرة القومية ولتصور للعلاقة بين القومية والدين من جهة، والعلاقة بين القومية والعروبة من جهة اخرى، عارضين في نفس الوقت لموقفه من مسألة الأقليات، سواء بالنسبة للقومية العربية او بالنسبة لدين الغالبية الذي هو الإسلام، واخيراً، وليس آخراً، سيكون علينا ان نعرج على رأيه في العلاقة بين الدين والدولة مركزين على تصوره المتميز والأصيل لفكرة العلمانية ومدلولها الخاص في الدولة القومية العربية. ان الإلمام بمواقفه المتميزة من هذه القضايا امر ضروري لأن العلاقة بين العروبة والإسلام تقع بالضبط في قلب هذه القضايا جميعاً.

‎قلنا اننا سنعرض، ولم نقل «سنحلل»، لأن مواقف الأستاذ من هذه القضايا مواقف صريحة وواضحة لا تحتاج الى تأويل ولا الى تعليق. واذا كان الأستاذ لم يؤلف كتاباً ممنهجاً في الموضوع وانما شرح آراءه وتصوراته في مقالات وخطب وأحاديث وبيانات تمتد على مدى أزيد من خمسين سنة، فإن الباحث لا يجد في جميع هذه السنوات الخمسين، وفي كل ما كتب خلالها، ما يشوش على الموقف المبدئي ولا ما يمكن أن يعد تناقضاً او تراجعاً. إن مهمتنا هنا ستقتصر اذاً على بناء تصوره الشمولي للعلاقة بين العروبة والإسلام من خلال نصوصه نفسها. ان حسن عرض وشرح وتحليل للفكر الواضح الصريح هو تركه يعبر بنفسه ليخاطب القارئ بلغته. لنبدأ اذاً بعرض موقفه من القضايا التي تشكل مضمون موقفه العام من القضية المركزية التي تهمنا هنا، ولننطلق من موقفه من الدين عموماً ومن الإسلام خصوصاً.

‎كان موقف الأستاذ ميشال من الدين واضحاً ومتكاملاً، فهو ينطلق من مبدأ اساسي عبر عنه بقوله: «ان الروح هي الاصل في كل شيء، وان الدافع الروحي العميق لا يسيطر على المادة والوسائل فحسب وإنما يخلقها ايضاً» كما يؤكد أن «الدين كما يظهر لنا من استعراض تاريخ البشر منذ اقدم العصور الى اليوم هو شيء اساسي في حياة البشر». وانطلاقاً من هذا المبدأ يعلن بوضوح ان حزب البعث «يطرح جانباً ذلك الاستخفاف الرخيص بالدين الذي يظهر عند بعض الشبان السطحيين» مؤكداً ان «موضوع الدين هو موضوع جدي ولا يمكن ان نحله بكلمة او بحكم سطحي عابر، ولكن يجب ان يفرق بين الدين في حقيقته ومرماه وبين الدين كما يتجسد او يظهر في مفاهيم وتقاليد وعادات ومصالح، في ظرف ومكان معينين».

‎ولكن، كيف نحدد «الدين في حقيقته ومرماه»، كيف نميز بينه وبين المفاهيم والعادات التي تجسد مظهره السطحي؟ يجيب الأستاذ ميشال قائلاً، «لا دين مع الفساد والظلم والاستثمار (الاستغلال)، وان الدين الحقيقي هو دوماً مع المظلومين ومع الثائرين على الفساد». ان الدين في تصوره إنما وجد «ليشجع المحبة والإخاء، ليحمي الضعيف، ولكن اصبح بممثليه سياجاً لكل هذه المساوئ مساوئ الظلم والفساد والإلحاد.

‎ويحذر الأستاذ من «الفهم السطحي» للدين الذي يقوم على «ان نستنتج بسرعة، انه ما دام مظهر الدين في هذا الوقت وما دام ممثلو الدين الرسميون هم في صف الواقع الفاسد وليس في صف الثورة على الفساد، فإذاً: الدين من اساسه فاسد لا وجوب له ولا خير فيه، لذلك يجب التخلص من الدين لأنه سلاح بيد الظالمين والمفسدين»، يرفض الأستاذ هذا النوع من الفهم للدين قائلاً: «هذه هي النظرة السطحية والاستنتاج الخاطئ جداً، وهذه هي النظرة التي توقفت عندها الشيوعية» التي ترى: انه «ما دام الدين قد استخدم خلال التاريخ، وبصورة خاصة خلال التاريخ الحديث، حيث تفاقمت الفروق الطبقية والاستغلال الطبقي، ما دام قد استخدم لإبقاء الاستغلال واستمراره ودعمه… لذلك رأت الماركسية ان تنسفه نسفاً».

‎يرفض الأستاذ هذا الموقف رفضاً قاطعاً ثم يقول «نحن لا نقر هذا الدافع على ما فيه من واقعية، إذ ينبني على ضعف ثقة بالإنسان بأنه لا يتحمل هضم الحقيقة الكاملة»، لذلك «فعلى رغم معرفتنا الطريقة الرجعية التي استخدم الدين بها ليكون داعماً للظلم والتأخر والعبودية نثق على رغم ذلك بأن الإنسان يستطيع ان يثور على هذه الكيفية في استخدام الدين وعلى هذا النوع من التدين الكاذب والمشوه وان يعطي في نفس الوقت للدين الحقيقي الصادق حقه».

‎من هنا كان رفض موقف الشيوعية من الدين يستلزم ايضاً رفض موقف الرجعية الدينية، ذلك ان «الرجعية الدينية تؤلف مع الرجعية الاجتماعية معسكراً واحداً يدافع عن مصالح واحدة، وانها اكبر خطر على الدين»، ولذلك «فبمقاومتنا الرجعية الدينية من دون اعتدال ومن دون مسايرة وبمواقفنا الجريئة المؤمنة منها ننقذ مجتمعنا العربي من تشويه الإلحاد» ويقول: نحن «لم نتوقف عند هذه النظرة السطحية السلبية… لكننا تجاوزناها وقلنا: ليس قدراً على الدين ان يبقى متحجراً دوماً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق