سياسة

البشرية… والحاجة المُلِحَّة لحكامة إيكولوجية تشكل قاطرة انطلاق «منظومة الاقتصاد الأخضر»

عبد العالي الطاهري

من بين أكبر الرهانات التي أصبحت موضوع تحدٍّ للبشرية جمعاء، وليس بالنسبة لأمة أو شعب أو منظومة إيكولوجية بعينها، هو الضرورة فوق المُلِحَّة للانتقال الفعلي والإجرائي نحو اقتصاد أخضر يحترم التوازنات البيئية وقادر على توفير فرص جديدة لإنتاج الثروات ومناصب الشغل المستدامة، وهو التنزيل الأمين و السليم للمقاربات الاستراتيجية الجديدة فيما يخص مفهوم التنمية المستدامة، التي تعتمدها بعض بلدان شمال إفريقيا، وفي مقدمتها المغرب.

 معلوم أن مفهوم التنمية المستدامة، من منظور الاقتصاد الأخضر، هو منهاج في اقتصاد جديد والتوجه نحو مجال اجتماعي يوفر الرفاهية والعيش الكريم للإنسان ويحافظ على بيئة الأجيال المقبلة، والمجال البيئي، حيث ظهر مصطلح “التنمية المستدامة” لأول مرة في منشور أصدره الاتحاد الدولي من أجل حماية البيئة سنة 1980، لكن تداوله على نطاق واسع لم يحصل إلا بعد أن أُعِيد استخدامه في تقرير “مستقبلنا المشترك” المعروف باسم “تقرير بورتلاند”، والذي صدر سنة 1987 عن اللجنة العالمية للبيئة والتنمية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، تحت إشراف رئيسة وزراء النرويج آنذاك غرو هارلم برونتلاند.

ومن جانب آخر، فالاقتصاد الأخضر حسب تعريف برنامج الأمم المتحدة للبيئة هو « الاقتصاد الذي ينتج عنه تحسن رفاهية الإنسان والمساواة الاجتماعية، في حين يقلل بصورة ملحوظة من المخاطر

البيئية ويخفض من معدلات ندرة الموارد الإيكولوجية »، خاصة في ظل الإكراهـات البيئيـة التي عاناها ولا يزال كوكب الأرض (مـن إجهـاد مائـي، وتدهـور للتربـة، والتبعيـة الطاقيـة الشـديدة، والهشاشـة إزاء تغيـر المنـاخ، وتعـدد أشـكال التلـوث)، بالإضافـة إلـى النتائـج المحـدودة للنمـو الاقتصـادي ولسياسـات التنميـة الاجتماعيـة فـي مجـال إحـداث فـرص الشـغل وتقليص الفـوارق الاجتماعيـة والجغرافيـة، ما فرضَ إعـادة توجيـه النمـوذج الاقتصـادي نحـو اقتصـاد أخضـر ومدمـج، يسـتند إلـى القطـاع الخـاص وقـادر علـى توفيـر فـرص الشـغل وتقليـص الفقـر وتسـوية اختـلالات التنميـة الترابيـة.

و في ما يتعلق بالحكامة الجيدة، ونتحدث هنا عن « الحكامة الإيكولوجية »، فهي حماية الموارد المالية والبشرية من طرف عموم المواطنين، مسؤولين أو مواطنين عاديين، من أجل خدمة الاقتصاد والمجتمع والمحيط من جهة، والوطن والمواطن من جهة أخرى،وذلك من خلال عقلنته وترشيده وتنميته وتطوير المحيط الذي يعمل فيه الجميع بدل هدره أو إتلافه أو تبذيره أو استنزافه، علاوةً على التفكير في حماية الأموال العمومية وحسن التسيير و البحث عن المزيد من جلب الاستثمارات ورؤوس الأموال، وهو التعريف الذي استُعمل لأول مرة من طرف البنك الدولي سنة 1989.

وفي هذا الإطار، فلا يمكن أن نتحدث عن التنمية المستدامة في غياب الشفافية أو النزاهة أو الديمقراطية أو المراقبة أو المسؤولية أو المحاسبة، وهي كلها مبادئ وأسس تندرج ضمن الحكامة الجيدة، ولا سيما أن هناك الكثير من الخطب الملكية والتقارير الدولية، كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أو الوطنية كالمجلس الأعلى للحسابات، التي تنص بشكل صريح في أكثر من مناسبة على إشكالية الحكامة في تدبير المشاريع التنموية وتنسيقها والتقائيتها، مما ينعكس سلبا على مستوى بلوغ النموذج التنموي الجديد ، وهذا ما يقتضي توفر مجموعة من الأسس والمبادئ التي تنبني عليها الحكامة الجيدة لبلورة تصور حقيقي وفعلي لتأسيس هذا النموذج المتوخى ، وهي حسن التدبير و إشراك القطاعات الحكومية والفاعلون على المستوى المحلي والجهوي والوطني، و كذا تشارك الهيئات السياسية والهيئات التمثيلية والمنظمات النقابية ومؤسسات المجتمع المدني، كالجمعيات والتعاونيات والاتحادات والأحزاب والمرتفقون والمواطنون، على مرجعية التوافق و الفعالية وجودة الخدمات والتواصل و الرؤية الإستراتيجية، فالنموذج التنموي الجديد، حقيقةً هو النموذج السياسي والاقتصادي والاجتماعي، الذي يقوم

على إنتاج الثروة وتوزيعها بشكل عادل ومنصف سواء على مستوى السياسة العمومية الحكومية أو القطاعية أو الترابية.

وتجدر الإشارة إلى أن الحكامة الجيدة، هي التي تقيس مدى تفاعل وتناغم وتجانس مجموعة من العناصر التي تدخل في منظومة التدبير و ترتكز على مجموعة من العناصر الأساسية، وهي وجود مخطط استراتيجي واضح وعملي، و وجود هياكل و منظومة إعلام وتواصل والتقويم المستمر للأخطار، خلافا للحكامة الرديئة التي تعترضها جملة من الصعوبات والإكراهات، وهي النقل غير التام للمسؤوليات والصلاحيات على مستوى الجهات وضعف الجسور التواصلية بين مختلف مكونات المنظومة، وكذا حكامة في حاجة إلى تطوير القدرات وآليات القيادة وعدم توفر نظام شامل وفعال للإعلام وضعف فعالية المؤسسات المعنية.

و من أهم أُسُس وأساسيات « الحكامة الجيدة »، كآلية وكمفهوم، أنه لا يمكن تصور بنـاء اقتصـاد أخضـر، دون إنشـاء شـراكات مُجـدِّدَة مـع القطـاع الخـاص والجماعـات الترابية والمجتمــع المدنــي، لأن الأمــر يتعلــق بعمليــة تشاركية ينبغــي إنجازهــا مــن القاعدة. ويتوقــع أن تســاعد هــذه الشـراكات علـى تعبئـة الاسـتثمارات وإيجـاد الحلـول التكنولوجيـة الضرورية، وتشـجيع الكفـاءات المحلية، وتعزيـز التـزام جميـع الفاعليـن، مـع تحقيـق التضامـن. وسـتكون الشـركات الصغيـرة والمتوسـطة المُجدِّدة فـي مجـال البيئـة المحـرك الحقيقـي للاقتصـاد الأخضـر. ولبلـوغ هـذا الهـدف، ينبغـي تحسـين القـدرات ومَدِّهـا بـأدوات التمويـل الأخضـر الجديـدة وتدابيـر المواكبـة الملائمـة، كمـا ينبغـي إيـلاء عنايـة خاصـة لإدمـاج القطـاع غيـر الرسـمي نظـراً لأهميتـه. وعلى مستوي القراءة التشاركية في بعدها الاقتصادي، يعتبـر مسـتوى التـزام الشـركات المغربيـة بالمسـؤولية الاجتماعيـة، وإن كان لا يـزال ضعيفـا، مـن بيـن مسـتويات الالتـزام الأكثـر تقدمـا فـي اإفريقيـا، والمغـرب العربـي والعالـم العربـي. كمـا ينبغـي تعزيـز دور القطـاع البنكـي فـي تمويـل الاقتصـاد الأخضـر؛ إذ تبقى الأبنـاك مدعـوة لتطويـر منتوجـات ماليـة موجهـة للاقتصـاد الأخضـر.

وبالعودة لفعالية ودور الحكامة الجيدة في تحقيق التنمية المستدامة، فإن المُشرِّع المغربي نص على مجموعة من الآليات، منها ما نظمها في إطار دستور 2011، ومنها ما أقرها في النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل وهي:

– الآليات القانونية: الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، ومجلس المنافسة، والهيئة العليا لحماية المال العام واللجنة الوطنية لمكافحة الفساد.

– آليات المراقبة والتفتيش : المفتشية العامة للإدارة الترابية ومفتشية المالية العامة، والمجلس الأعلى للحسابات.

– الآليات القضائية والمحاسبية: :استقلالية السلطة القضائية، المجلس الأعلى للحسابات والمحاكم المالية.

ونظراً لأهمية ودور الحكامة الجيدة في تحقيق التنمية المستدامة، عبر آلية الاقتصاد الأخضر، فإنه يجب على الحكومة المغربية اتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات، التي نوردها كالآتي :

– ضرورة الإسراع بوضع مخطط يشارك فيه الجميع، حكومةً وبرلماناً و كذا المجتمع المدني وجهاز المراقبة والمحاسبة والجهات القضائية، وفق قِيَم وضوابط المسؤولية والمحاسبة و تكريس الشفافية وثقافة المواطنة.

– خلق ميثاق المرافق العمومية.

– وضع ميثاق النزاهة، في أفق تخليق المؤسسات العامة ومعها الحياة الإدارية

– تقوية وإنعاش دينامية المفتشيات داخل الإدارات والوزارات.

– توظيف واستثمار النصوص القانونية في مجال حماية الأموال العمومية عن طريق التنزيل الدقيق والسليم لمفهوم « الحكامة الجيدة ».

– توظيف المكسب الدستوري القائم على استقلالية القضاء ونزاهته وشفافيته في اتجاه الحزم والضرب على أيدي المفسدين.

– وضع استراتيجية واضحة لاستثمار الأسلوب الجيد للحكامة في بعض الإدارات.

– تمكين الهيئة العليا لحماية المال العام من آليات التحقق والبحوث والتشخيص والفعل، بدل  التموقع في الصفة الاستشارية.

– اعتمادة الإدارة الإلكترونية.

– ضرورة التصريح بالممتلكات من قِبَل كبار المسؤولين والمنتخبين بجميع تصنيفاتهم.

– إخضاع الصفقات العمومية لمزيد من المراقبة في جميع مراحلها، وحماية المقاولات الصغرى و المتوسطة وتشجيع الاستثمارات .

– ضرورة تفعيل المقتضيات الدستورية المتعلقة بالتنمية المستدامة والحكامة الجيدة وترجمتها من خلال إخراج النموذج التنموي الجديد.

ترجمة وإعمال الإستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة 2030-2016  في صلب النموذج التنموي الجديد.

ويبقى المنتظر والمتوخى، أن تُغــذِّي وتُنمِّي الــدروس المســتخلصة مــن المبــادرات والبرامــج القطاعيــة الجــاري تنفيذهــا، التفكيـر، عبر تبنِّي حُسن انتقـاء الخيـارات فـي إطـار الإعـداد لاسـتراتيجية ضروريـة شـاملة، ترمي إلى هيـكلة الاقتصـاد الأخضـر، تتضمَّـن بالأساس تحويـلاً لا منـاص منـه للنسـيج الإنتاجـي عبر تغيير نمطه وطبيعته خدمةً للثقافة الإيكولوجية والبيئية، في أُفق خدمة البشرية على جميع الأصعدة، وإنعـاش سـوق الشـغل، والابتـكار والبعـد الترابـي وكذا ترسيخ قيم الديمقراطية التشاركية فعلياً و إجرائياً. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق