سياسة

القمامة المستدامة

د. النور حمد

تفضل مواطن كريم، وهو يقود سيارته بحي المعمورة في الخرطوم، بتصوير فيديو للرصيف الذي يقسم الشارع إلى نصفين، حيث امتلأ ذلك الرصيف، على طول الشارع من أقصاه إلى أدناه، بالقمامة التي يضعها أصحاب البيوت والمحلات التجارية المحيطة بالشارع. تصوروا!! أن فكرة وضع القمامة على طول الشوارع الرئيسية فكرة تفتقت عنها عبقرية المحليات، بعد أن عجزت، بسبب النقص المريع الذي تعانيه في شاحنات نقل الأوساخ، وربما قلة الأيدي العاملة أيضا، واعتقدت أن ذلك حل مثالي. كانت المحليات قبل أعوام قد بدأت في تسيير سيارات الأوساخ داخل الأحياء في أيام محددة من الأسبوع، نظير تقاضيها رسوما من كل منزل ومحل تجاري نظير هذه الخدمة. لكن، بسبب حالة التراجع المستدامة في كل شؤون حياتنا، دون فرز، فقد عجزت المحليات عن تسيير العربات الناقلة للأوساخ داخل الأحياء. وقد سبق أن رأينا في وسائط التواصل الاجتماعي قبل فترة فيديو يصور رتلا من سيارات نقل الأوساخ وهي رابضة في حوش يخص إحدى المحليات بسبب الأعطال، التي لا ندري إن كانت حقيقية أو مصطنعة. الطريف أن بعض تلك العربات كانت واقفة وهي محملة بالأوساخ. تعجز المحليات، كعادتها، في إدارة الخدمات كما ينبغي، فتتفتق عبقريتها عن حلول كارثية.

نفس هذا المشهد الذي صوره الفيديو في حي المعمورة، ظل لفترة هو نفسه في شارع الثورة بالنص. فقد ظل الرصيف الذي يقسم الشارع إلى نصفين هو مكب الأوساخ بعد أن أعلنت المحلية أن عربات نقل الأوساخ لن تطوف بالمنازل كما كانت تفعل في السابق. ولذلك على سكان كل حي وضع أكياس الأوساخ على الشوارع الرئيسية. وهكذا نشأت ظاهرة الشارع الرئيس بوصفه مكبا للنفايات. ما فات على عباقرة المحليات أن هذا حل يتسم بضمور الخيال، بل بالغباء الفاضح. يحضر المواطنون أكياس الأوساخ مغلقة ويضعونها على طرف الشارع. لكن، تأتي الكلاب والقطط الضالة فتثقب الأكياس بحثا عن بقايا الطعام فينتثر محتواها في الشارع. أيضا يأتي بعض الصبية الذين يبعيون قوارير البلاستيك الفارغة فيفتحون الأكياس بحثا عن تلك القوارير وغيرها وينثرون محتوياتها خارج الأكياس. ثم تمر عرية الأوساخ فيأخذ العمال الكيس المغلق ويرفعون على العربة. أما المتناثر، وهو الغالب، فيتركونه في مكانه، لأنهم لا وقت لديهم لجمعه، خاصة أنه متناثر في الشارع من أقصاه إلى أدناه. هذه الفكرة الغبية التي تفتقت عنها عقول عباقرة المحليات هي التي حولت الشوارع الرئيسية التي ينبغي أن تزين وتجمل بالأشجار، بل وبأصائص الزهور إلى مكب للنفايات يمتد لكيلومترات.

هذا المنظر المقزز الدال على الفشل الفاضح للمحليات لا تراه في أي مدينة أخرى، اللهم إلا حينما يضرب عمال النظافة في بعض البلدان. لكن، ما أن يجري رفع الإضراب تعود المدينة نظيفة كما كانت. مشكلتنا أننا نصعد للمناصب القيادية أشخاص بلا كفاءة وبلا خيال وبلا حس جمالي. أشخاص لا يملكون قدرة على التخطيط السليم ولا على المتابعة اللصيقة التي تضمن التصحيح والتحسين المستمر للخدمات. فنحن لا ينبغي أن نعيد اختراع العجلة من جديد، وإنما علينا نتبع من سبقونا في هذا المضمار. فنقل النفايات علم يدرس، وهو فعل يقوم على منظومة متكاملة system. لذلك لا مجال فيه للحلول المرتجلة، ولا للفورات الوقتية المسماة “حملات النظافة”، التي ظللنا نراها تجري منذ عهد الرئيس نميري، ولم نر لها أثرا يذكر في نظافة مدننا. إن واحدة من أكبر آفاتنا انشغالنا بالسياسة وبالخطاب السياسي التجريدي الأجوف، الذي لا صلة له بقضايا الواقع، وانصرافنا عن رسم السياسات الإدارية وتنمية القدرات، وعجزنا المزمن عن وضع الشخص المناسب في المكان المناسب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق