غير مصنف

خارج المتاهة

مجلس الشركاء، تراكم الأخطاء

محمد عتيق

هل يستحق الدكتور حمدوك ويستحق مجلس الوزراء وتستحق السيدة الفاضلة عائشة موسي عضو المجلس السيادي، جميعهم، هل يستحقون التقدير والإشادة على مواقفهم فيما يخص “مجلس شركاء الفترة الانتقالية”؟  أم أنها كانت امتصاصاً للغضب وابراءاً للذمة؟ ، وهي عموماً مواقف جاءت محصورةً في الاعتراض على غموض بعض بنود الصلاحيات وعلى صفة حمدوك فيه وخلو التكوين من بعض الفئات (مع بعض التوسع في حالة الأستاذة عشة موسى) .. أي أن أحداً – لا منهم لا من غيرهم – لم يرتق في موقفه إلى درجة:

* الموقف من تكوين المجلس نفسه .

* الموقف من إضافة المادة ٨٠ في الوثيقة الدستورية والتي نصت على تكوين هذا المجلس ولا المادة ٧٩ التي جعلت اتفاقية السلام أعلى وأسمى منها (من الوثيقة الدستورية) .

* من شرعية المجلس المركزي ل قحت بعد انسحاب أغلب الأعضاء منها والاتفاق على عقد مؤتمر لإصلاحها .

* والموقف من تغول المكون العسكري أصلاً على المشهد السياسي كله وبالتالي على مفاوضات السلام وغيرها من أعمال الحكومة المدنية ..

إنه الاحتجاج على النتائج إذن،  نتائج الأخطاء التي رافقت مسيرة الثورة منذ وقت واشتدت عندما لاحت علامات النصر .. هل هي مجرد أخطاء أم مؤامرات؟  الله أعلم .. خلفياتها الواضحة تقول أن التوازن قد فرض نفسه بين العسكريين (لجنة البشير الأمنية)، الذين هبطوا ساحة الثورة بحجة “الانحياز للشعب” وبين قوى الحرية والتغيير “قحت” ؛ مع الأولى كل أسلحة ومليشيات النظام الساقط الباطشة، والثانية معها قوة الشارع، عنفوان ثورته، وشبابه الجبار .. ولكن صوت العقل كان في القبول بشراكة تحقن الدماء من جانب وتحقق أهداف الثورة – ولو ببطء – في التحول الديمقراطي واستعادة الوطن من براثن النظام الساقط ودولته الموازية من جانب آخر.. فكان التفاوض وكانت الوثيقة الدستورية التي نتجت عنه لتنظم الفترة الانتقالية وتحدد مؤسساتها تكويناً وصلاحيات … الخ .. في ختام التفاوض والتوقيع اختفت تلك الوثيقة الدستورية في ظروف جد غريبة، ومع ذلك إرتضى الناس الوثيقة/البديلة (المضروبة)، وهي السارية حتى الآن وتنص بوضوح على أن المجلس السيادي هو الرئيس الشرفي للبلاد كما هو الحال في الديمقراطيات البرلمانية – ملكيةً كانت أم جمهورية -، غير أن سعادة الفريق البرهان (رئيس المجلس السيادي للدورة الأولى، الحالية) انطلق منذ اليوم الأول رئيساً للجمهورية على طريقة البشير وكل الدكتاتوريين، واتخذ من “حميدتي” نائباً أول له ورئيساً للجنة الاقتصادية، والفريق الكباشي مسئولاً سياسياً ومباشراً لشئون السلام مع حميدتي، والفريق ياسر العطا لرئاسة اللجنة العليا لتفكيك نظام الثلاثين من يونيو ١٩٨٩، بل وصل درجة أن يرفض إجراءات وتعيينات يقوم بها رئيس الوزراء بإسم الثورة كما حدث عندما قرر تعيين مولانا عبد القادر محمد أحمد رئيساً للقضاء ..

من جانب آخر، كانت دول الإقليم ذات المصالح السياسية والاقتصادية المتشابكة مع سودان النظام الساقط، كانت جاهزةً على الخط لاستدامة ورعاية تلك المصالح في ظل الوضع الجديد (القادم، قيد التحقق) .. صحيح أنه من حق الدولة وواجبها السعي لتبادل المصالح والفوائد مع الدول الأخرى، غير أن وسائلها لذلك السعي تعكس طبيعتها وطبيعة المصالح التي تسعى لها، والأطراف من الخندق المقابل التي تتعامل مع تلك الوسائل أيضاً تكشف عن طبيعتها .. دول الجوار الإقليمي، ذات الطبيعة السلطوية، عسكرية أو عائلية، تفضل رعاية مصالحها عبر نظام مركزي قابض .. ولكن بين قيادات الحركات الثورية أيضاً من يترجل في مرحلة ما مقدماً المصالح الضيقة على مصالح الوطن والشعب العريضة .. هي في مجملها عناصر لا تستقيم مع الديمقراطية ومناهجها .. نسجت وسائلها مواطئ أقدام مع بعض الرأسمالية المحلية وأطراف من قوى الثورة الشعبية والمسلحة، جعلت من تلك المصالح مصالح ..

والجبهة الثورية (فصائل كفاح مسلح) عضو مؤسس في كتلة “نداء السودان” وفي “قوى الحرية والتغيير”، وكان الطبيعي -كما قيل كثيراً- أن تأتي قياداتها إلى داخل البلاد وتقيم حواراً وطنياً جاداً مع رفاقها في قحت حول أنجع الوسائل لتحقيق سلام مستدام طريقاً للتنمية المستدامة والديمقراطية المستدامة، وتأسيس مفوضية السلام المعنية بتنفيذ ذلك كما جاء في الوثيقة الدستورية، فهم جميعاً قحت، أهل الثورة وقيادتها، .. بينما ذهب المكون العسكري – الذي انتزع دور الرئاسة الدكتاتورية – في تغوله على الوثيقة الدستورية وعلى مهام الحكومة المدنية ويعلن مجلساً للسلام تحت إشرافه واقتحم أبواب “الجبهة الثورية” باسم (مفاوضات السلام)، فالتقت أهواء الطرفين – العسكري وشبه العسكري – في منبر جوبا تحت إشراف الإخوة هناك وتمويل خارجي !..

الوثيقة الدستورية قررت للديمقراطية الانتقالية نفس المؤسسات: مجلس سيادي مع سلطة تنفيذية هي الحكومة المعنية بتأسيس منظومة عدلية بمثابة السلطة القضائية، ومجلس نيابي كسلطة تشريعية ثلثي أعضاءها من قحت والثلث من بقية قوى الثورة التي لم توقع على وثيقة “إعلان الحرية والتغيير” .. فهل يجوز مع ذلك أن ننفق الوقت والجهد في مسميات وكيانات لا معنى لها (مجلس شركاء الفترة الانتقالية):  من هم الشركاء وشركاء لمن؟  وبين من ومن سيكون (فض النزاع وتقريب وجهات النظر)؟  من منكم الأقرب للآخر؟ ؟..

أحسنت الثورة النوايا تجاه المكون العسكري، ولكنه أصر على أن يستمر “لجنةً أمنيةً” تحرس مصالح الطبقات الفاسدة والطفيلية التي سادت ثلاثين عاماً، فهل يجوز لنا الاستمرار في بث النوايا الحسنة؟ 

أمامنا:

١/ تأسيس مجلس تشريعي بالمواصفات الواردة في الوثيقة الدستورية مع استيعاب آراء ورغبات لجان المقاومة ..

٢/ تأسيس منظومة عدلية وجهاز قضائي بالاعتماد على الخبرات القانونية التي تذخر بها البلاد والمنحازة للثورة قلباً وقالباً ..

٣/ اعتماد برامج واقتراحات اللجنة الاقتصادية لقحت مع إخضاع موارد البلاد كلها وشركات الاستثمار والاتجار التابعة للقوات الأمنية والنظامية لولاية الحكومة ووزارة المالية..

٤/ إعادة القوات النظامية والأمنية تحت إشراف وسيطرة الحكومة ورئيسها مع إعادة تأهيلها أو تأسيسها وفق عقيدة وطنية ومهنية مستقيمة، ودمج كافة الجيوش الأخرى فيها، وذلك بإشراف الخبراء العسكريين والأمنيين الوطنيين الذين تذخر بهم مقاعد المعاش والصالح العام …

٥/ وقبل كل ذلك، عقد مؤتمر قحت لإصلاحها وإعادة ترتيبها فهي القوى (الشعبية والحركات المسلحة) المنوط بها المهام أعلاه وغيرها، وهي الأقرب لبعضها البعض وتضمها قوارب الثورة …

العودة إلى مقاصد الثورة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق