سياسة

قراءات

مناظرة تاريخية (7)

محمدالمنتصر حديد السراج

نواصل القراءة في المناظرة التاريخية بين الفيلسوف المؤرخ توينبي والسفير الإسرائيلي في كندا هرتزوج في ستينات القرن الماضي ونستصحب ذلك في قراءة الراهن من الأحداث حيث يتمدد الكيان الصهيوني اليهودي ويتسرب في خلايا ضعفنا وهواننا العربي والإسلامي في هذا الزمان.

يقول توينبي: لقد أثار السفير نقطة تتعلق بحق اليهود في فلسطين، العجيب في أمر اليهود هو أنهم لم تنطمس في ذاكرتهم قط ذكرى موطنهم. ولقد كانوا في هذا أمرا شاذا بين الشعوب التي انتزعت من أرضها ونقلت الى بلادهم على يد البابليين في القرنين الثامن والسادس قبل الميلاد. وبينما فقد يهود دولة إسرائيل القديمة وجودهم وكيانهم بعد السبي فإن دولة يهوذا ظلت طوال سني السبي وهي محتفظة بكيانها المستقل. وكما نعلم جميعا اندثرت الأسباط العشرة. ودولة إسرائيل القديمة تمثل اليوم ببضع مئات من السامريين بعضهم في الأردن وبعضهم الآخر في دولة إسرائيل الحالية. بينما الشعوب الأخرى التي كانت معاصرة لدولة يهوذا وإسرائيل القديمة اندثرت تماما في الوقت الذي ظل فيه اليهود محافظين على وجودهم المتميز. وقد تم هذا عن طريق تعلقهم بذكرى فلسطين.

لقد قلت منذ لحظات أني أعتقد أن يهود اليوم والغد سيكونون اللاجئين الفلسطينيين العرب ذلك أنهم يعانون نفس الحالة الذهنية التي عاناها اليهود بعد سبي نبوخذ نصر لهم مباشرة. إن لفلسطين سحر خاص يستهوي عقول الناس، إذا عاشوا فيها.

ولكن الآن ماذا عن هذا المطلب اليهودي؟ هناك شيء في القانون، بل أعتقد في كل أشكال القانون، يقول بسقوط الحق نتيجة التقادم، فإذا أخذنا مثلا عام 135 الميلادي باعتباره التاريخ الذي قام فيه الرومان بطرد الجانب الأكبر من سكان فلسطين اليهود…فإذا أخذنا هذا التاريخ وقلنا إن سقوط الحق لا ينطبق حتى على هؤلاء الذين غادروا البلاد في ذلك التاريخ، ماذا يحدث بالنسبة لمدينة كمونتريال؟ لقد كان هنود الالجونكوين يسكنونها منذ ثلاثمائة أو أربعمائة سنة على الأكثر. فهل يقال كذلك بضرورة عودة مونتريال إليهم؟ وبعودة انجلترا لأهل ويلز؟

السفير الإسرائيلي هرتزوج:

نعم.

توينبي: أحقا؟ إذن فعليك أن ترحل خمسين مليونا من الانجليز وتجعل منهم لاجئين.

والآن أحب أن أتحدث عن وعد بلفور. وأحب أن أؤكد أولا أني شخصيا أشد الناس تنديدا بوعد بلفور وقد كنت في شبابي خلال الحرب العالمية الأولى أعمل للحكومة البريطانية في الإمبراطورية التركية، وكانت هذه تشمل بالطبع فلسطين. وعلى ذلك فقد توفرت لي معرفة داخلية بما حدث في ذلك الوقت. وكما أندد بوعد بلفور فإني أندد تنديدا أشد بمسلك حكومة الانتداب البريطانية خلال الثلاثين سنة التالية على ذاك التصريح لأني أعتقد أننا لم نتفق على خط سياسي أو نعزم أمرنا على أمر سواء بالنسبة لهذا الجانب أو ذاك. وهو أمر أضر بالعرب واليهود على السواء. وعلى كل حال فتصريح بلفور يتصل اتصالا وثيقا بموضوع هذا الحق المدعى لليهود في فلسطين. والفقرة الأولى في التصريح تنص على أن بريطانيا تتعهد بتأييد أو إقامة أو شيء من هذا القبيل، وطن قومي لليهود في فلسطين. أما الفقرة الثانية فتنص على ألا يتخذ أي إجراء من شأنه المساس بمصالح سكان البلد الذين كان العرب يؤلفون منهم إذذاك… أي وقت صدور التصريح في 1917، 90 في المائة… وأنا أوجه اللوم الى تصريح بلفور لأن كلمة (وطن) قد أتت على نحو غامض. ولكن الأمر أوضح غاية الوضوح كما أعلم بصورة مباشرة من الاطلاع على الوثائق التي صدرت ذلك الحين باعتباري موظفا مؤقتا في وزارة الخارجية البريطانية. لقد أوضح غاية الوضوح، وبصورة قبلها دكتور وايزمان إذذاك، أن (وطن) لا تعني (دولة)، ذاك لإنه لو كان هذا كذلك…أي كان لفظ وطن يعني دولة …لكانت الفقرة الأولى من تصريح بلفور تناقض الفقرة الثانية منه. وهذه الفقرة الثانية التزام لا يقل إيجابا وحجية بالنسبة للحكومة البريطانية التي أصدرت التصريح وهو يفرض عليه ألا يقع أي حيف بحقوق ومصالح السكان الحاليين في البلاد. وأعتقد…كما أظن أن كل إنسان يشاركني هذا الاعتقاد…أن لليهود حق المطالبة بوطن قومي ولكني أعتقد كذلك أن الوطن القومي لا يمكن أن يصبح دولة دون المساس بحقوق السكان الأصليين للبلاد وهو مساس شاهدنا أثره في التسعمائة ألف لاجئ فلسطيني. ولعل الوطن القومي كان يمكن أن يأخذ صورة دولة فلسطينية تضم اليهود والعرب على قدم المساواة. وقد يقال إن هذه إمكانية نظرية وأنه في اللحظة التي فتحت فيها أبواب البلاد للهجرة اليهودية بشروط لم تكن صادرة عن سكان البلاد أنفسهم، ولكن صادرة عن الحكومة البريطانية، فقد كان لابد للأمور أن تخرج عن الطريق المرسوم لها.

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق