ثقافة وفن

التناص في رواية موسَمِ الهِجْرةِ إلى الشّمَال … واقعة أسر محمود ود أحمد نموذجا (2)

عبد المنعم عجب الفَيا

وحتى قبل ظهور الرواية التاريخية، لو نظرنا إلى أدب الإغريق والرومان نجده لا يعدو أن يكون تناصصاً مع الأساطير والتاريخ في غير ما تقيّد بحرفية وقائع التاريخ وحبكة الأسطورة في الأصل. بل أن كتّاب المسرح الأوربي الكلاسيكي وعلى رأسهم شكسبير نجدهم لا يلزمون أنفسهم بحرفية وقائع التاريخ التي يستلهمونها ويتناصصون معها في مسرحياتهم بل يعيدون انتاجها ويعالجونها بالطريقة التي تخدم رؤاهم الأدبية والفنية.

ومع موجة ما بعد الحداثة برز اتجاه في كتابة الرواية يمتزج فيه التاريخ وينشبك بوقائع الحياة المعاشة وملابسات السيرة الذاتية وأفكار الكاتب حتى يعتذر التمييز بين وقائع التاريخ وحقائق الحياة اليومية ورؤى المؤلف. ومن ذلك مثلاً روايات الإيطالي امبرتكو إيكو: (اسم الوردة، وبندول فوكو) ورواية (شفرة دافنشي) للأمريكي دان بروان، ورواية (عزازيل) للمصري يوسف زيدان وغيرها كثير.

من هنا يستمد تصرف الطيب صالح في الحوار الذي دار بين كتشنر ومحمود ود وكتشنر مشروعيته فهو إنما فعل ذلك وفقاً لما تجيزه له المعايير النقدية للكتابة الابداعية وتوحي له به المقتضيات الفنية والبلاغية التي يمكن الكشف عنها وتبريرها نقدياً بمنطق عالم الرواية وشبكة علاقتها الداخلية على النحو الذي سوف يرد بيانه.

فالمؤلف لم ينظر الى تلك المواجهة ولم يتعامل معها بعين المؤرخ وانما بعين الروائي الفنان. فهو لم يكن يهدف الى إعطاء صورة واقعية حرفية للمواجهة بين كتشنر ومحمود ود أحمد كما وردت في المصادر التاريخية، بقدر ما كان يطمح الى رسم صورة لتلك المواجهة بحسه الروائي وبما يلائم رؤيته الفنية وغرضه البلاغي.

وأبعد ما يكون عن الحقيقة القول إنه أراد بذلك التقليل من الجسارة والصمود الذي واجه به الأمير ود أحمد صلف كتشنر عند استجوابه له على النحو الذي تحدثت عنه الروايات التاريخية.

فبيت القصيد في ذلك المشهد الميلودرامي الذي استهوى مخيلة الطيب صالح الروائية هو سؤال كتشنر عند استجوابه لمحمود ود احمد: “لماذا جئت بلدي تخرب وتنهب؟ الدخيل قال ذلك لصاحب الأرض!!!”

كتشنر هو الذي قال ذلك لمحمود ود أحمد. لقد قلبت هذه المفارقة الغليظة، حقائق الأشياء رأساً على عقب وأحالت المحتل الغازي الى مالك للأرض، وصاحب الأرض الى دخيل وغازي. وازاء هذه (الكوميديا السوداء) لا يملك صاحب الأرض إلا أن يلوذ بالصمت، لا ذلاً ولا صغاراً، وإنما سخرية وربما مسايرة لهذا الموقف التراجيوكوميدي!

فالصمت هنا، في تقدير الكاتب، أبلغ من الكلام. كمن يسالك سؤالا سخيفا أو يبدي لك ملاحظة متعجرفة فتكتفي في الرد عليه بالنظرة الهازئة أو الابتسامة الماكرة أو الصمت المتعالي المتغابي.

وأغلب الظن أن الطيب صالح اطلع على ذلك الحوار بكتاب The River War (حرب النهر) للجنرال ونستون تشرشل والذي شارك في الحملة ثم صار فيما بعد رئيساً لوزراء بريطانيا في أكثر من دورة وهو من قادة أوربا البارزين. يصف تشرشل الحوار الذي دار كما يلي:

سأل كتشنر، محمود ود أحمد: “ماذا أتى بك الى بلدي؟ فأنا أنفذ الأوامر”.

فيرد عليه محمود: “وأنا أيضاً مثلك أنفذ الأوامر”.

ثم يضيف محمود مخاطباً كتشنر ما معناه: “سوف تدفع الثمن عند المعركة الحاسمة بأم درمان”.

ويلاحظ القاريء أن إجابة الأمير محمود وفق المصادر التاريخية لم تتضمن الرد على افتراء وعنجهية كتشنر حينما خاطب محمود بقوله: “لماذا جئت إلى بلدي”! وهذا مربض الفرس كما يقولون.

وهو ما دفع في تقديري الطيب صالح إلى الاعراض عن الرد المنسوب لمحمود ود أحمد واستبداله بالصمت البليغ الساخر. ومن هنا تأتي القيمة الفنية لاستحضار ذلك المشهد التاريخي في الرواية. وهذا ما تكشف عنه قراءة المشهد في سياقه الروائي كاملا والذي يضيء لنا خلفية هذه الصورة وغرض المؤلف من توظيف قصة محمود ود أحمد مع كتشنر.

فقد ورد التناصص مع واقعة محمود ود أحمد وكتشنر على لسان مصطفى سعيد في سياق مونولوج تتقاطع وتتداخل صوره وتخيلاته وذلك أثناء جلوسه في قفص الاتهام بالمحكمة بلندن، أمامه القضاة والمحامين والمحلفين الذين يقول عنهم:

“كل واحد منهم في هذه المحكمة، سيسمو على نفسه لأول مرة في حياته. وأنا احس تجاههم بنوع من التفوق، فالاحتفال مقام أصلا بسببي، وأنا فوق كل شيء مستعمِر، إنني الدخيل الذي يجب أن يبت في أمره. حين جيء لكتشنر بمحمود ود أحمد وهو يرسف في الاغلال بعد أن هزمه في موقعة أتبرا، قال له: لماذا جئت بلدي تخرب وتنهب؟ الدخيل قال ذلك لصاحب الأرض، وصاحب الأارض طأطأ رأسه ولم يقل شيئا. فليكن أيضا ذلك شأني معهم”. ص 97

لقد أراد مصطفى سعيد أن يلعب دور كتشنر مع محمود ود احمد: “فليكن أيضا ذلك شأني معهم”. إنه يريد أن يقلب المعادلة هو الآخر ليحولهم هم أصحاب الأرض ومواطني النساء اللائي انتهك (شرفهن) وتسبب في انتحار بعضهن وقتل من تزوجها منهن، الى متهمين، مع أنه هو الذي جاءهم غازياً ليحاكمهم في بلدهم. قال لهم: “جئتكم غازياً في عقر داركم. قطرة من السم الذي حقنتم به شرايين التاريخ”؟

كأنما أراد أن ينتقم بطريقته “الملتوية” لمحمود ود أحمد ولالآف الضحايا الذين فقدوا أرواحهم في معركة اتبرا وكرري وغيرها من المعارك التي خاضها السودانيون مع الإنجليز.

لقد قلب مصطفى سعيد “الآية” وصار هو المستعمِر(بالكسر). وهنا تكمن المفارقة الجمالية، فهو الدخيل الذي يجب أن يبت في أمره على يد هؤلاء المحلفين الذين “كل واحد منهم في هذه المحكمة سيسمو على نفسه لأول مرة في حياته”، ليخلصه من حبل المشنقة. غير أنهم حرموه النهاية التي يريد “نهاية الغزاة الفاتحين” على حد تعبير الرواية، واكتفوا بالحكم عليه سبع سنوات سجنا. مثلما حرموا من قبل محمود ود أحمد من الشهادة التي كان يرتجيها وأرسلوه أسيرا الى مصر وظل في الأسر إلى أن توفي سنة 1906.

التناصص مع مسرحية شكسبير (عطيل)

ومن أمثلة التناص القائم على الحوار والمقابلة ثم التضاد والمفارقة، في الرواية، تناصص الكاتب مع مسرحية (أوتيلو) أو عطيل، لوليم شكسبير المعروفة، وذلك بغرض المناظرة والمفارقة بين سيرة عطيل وسيرة مصطفى سعيد في المجتمعات الأوربية. وهو ما وصفه الطيّب صالح بالصدام أو المجابهة بين شخصيّة من عصر وشخصيّة من عصر آخر.

ففي بداية الرواية يشبّه مصطفى سعيد نفسه بعطيل ويتماهى معه، ثمّ يعود في نهاية أحداث الرواية ليعلن أنّه ليس عطيلاً. عطيل كان أكذوبة. وما يلبث أن يعلن أنّه هو نفسه أكذوبة؟!!

فما دلالة مماهاة مصطفى سعيد مع “عطيل” في البداية، ثمّ التنكّر له، بل التنكّر لحقيقة وجوده التاريخي، وحقيقته هو نفسه (أي سعيد)؟

المعروف أن عطيل أو اوتيلوOthello  من أشهر مسرحيات وليم شكسبير التراجيديّة، ومن أكثر المسرحيات التي لا يزال يعاد إخراجها وتمثيلها لما تثيره من قضايا إنسانيّة تتعلّق بطبيعة النّفس البشريّة، في كلّ زمان ومكان، كالغيرة والخيانة والحب القاتل، واختلاف الثّقافة واللّون.

تدور أحداث المسرحيّة بفينيسيا (البندقية) بإيطاليا إبّان عصر النّهضة الأوروبية. وعطيل هذا ينحدر من سلالة سوداء من شمال أفريقيا، كانوا يعرفون في ذلك الوقت بالمورMoor  التي جاءت منهاMorocco أو مراكش (المغرب). وأصل اللفظ (مور) فينيقي وكان الإغريق والرومان يصفون به سكان شمال أفريقيا من بربر وسودانيين وأثيوبيين وغيرهم من الأفارقة وذلك قبل الفتح العربي للمغرب العربي وأسبانيا.

كان عطيل وسيمًا وذو مهارة فائقة في فنون القتال، فتدرج في الرتب العسكريّة حتى عُيّن قائدًا في الجيش. ولبسالته وتفوّقه في فنون القتال ووسامته، أحبّته ديدمونة، وهي من بنات إحدى الأسر الارستقراطيّة النبيلة في البندقية. أبوها سيناتور في مجلس أعيان فينيسيا. لم يكن أبوها راضياً بزواجها من عطيل؛ لكن ديدمونة استطاعت، بعنادها وحبّها الشديد لعطيل، أنّ تتزوجه، مفضلة إيّاه على بعض النّبلاء الذين تقدّموا لخطبتها.

بعد زواجهما يُعيِّن حاكم البندقية عطيل قائدًا لقوّةٍ من الجيش لدحر الأتراك عن قبرص. ينجح عطيل في دحر الأتراك، ولكنّ أحد ضباطه المقريين كان ناقمًا عليه لترقيته ضابطًا آخر إلى رتبة أعلى منه، فيدبّر له مكيدة للإيقاع بينه وبين ديدمونة واشيًا له أنّ ديدمونة تخونه مع أحد الضباط.

لم يصدِّق عطيل في البداية، ولكنّ ذلك الضابط يتمكّن من سرقة المنديل الذي أهداه عطيل لديدمونة علامةً لحبّه وإخلاصه لها، ويعطيه للضابط الذي زعم لعطيل أنّها تخونه معه. عندها يصدق عطيل الفرية، فيقرّر أن يقتل ديدمونة. وبعد قتلها يكتشف براءتها، وأنّ المنديل سُرق منها، فيندم ويقتل نفسه أسفًا عليها، ويُلحق بالضابط الذي دبّر المكيدة جراحًا بليغة، ويتركه يتعذّب حتى الموت.

وبالمقابل كان مصطفى سعيد في بدايات اندماجه في المجتمع الإنجليزي وتعيينه محاضرًا بجامعة أكسفورد وإحرازه القبول الاجتماعي بين أوساط الأرستقراطيين واليساريين وجماعات الكويكرز، مثل عطيل في المجتمع الإيطالي، ويشبّه حاله بالنّجاح الذي أصابه في إنجلترا القرن العشرين بالنجاح الذي أحرزه عطيل في البندقية في عصر النهضة الإيطاليّة. ففي أوّل لقاء لمصطفى سعيد مع ايزابيلا سيمور تسأله:

– “ما جنسك؟”

– “أنا مثل عطيل عربي أفريقي”.

– “هل تدري أنّ أمّي أسبانيّة؟”

فأجاب: “هذا إذن يفسّر كلّ شيء. يفسّر لقاءنا صدفة وتفاهمنا تلقائيًّا كأنّنا تعارفنا منذ قرون. لا بدّ أنّ جدّي كان جنديًّا في جيش طارق بن زياد، ولا بدّ أنّه قابل جدّتك وهي تجني العنب في بستان في إشبيلية، ولا بدّ أنّه أحبّها من أوّل نظرة، وهي أيضًا أحبّته وعاش معها فترة من الزمن، ثمّ تركها وذهب إلى أفريقيا. وهنالك تزوّج؛ وخرجت أنا من سلالته في أفريقيا، وأنت جئت من سلالته في أسبانيا.”

هكذا كان مصطفى سعيد، راضياً بأن يلعب دور عطيل في المجتمع الأوروبي. وحينما يصل الصراع ذروته مع المجتمع الإنجليزي وتقع المأساة، ويقتل زوجته جين موريس بتهمة الخيانة وإذلاله إذلالاً متعمّداً، ويقدّم للمحاكمة، عندها يتنكّر مصطفى سعيد لعطيل ويقول إنّه ليس عطيلاً، وأنّ عطيل كان أكذوبة.

فقد حاول أن يمثّل دور عطيل ولمّا لم ينجح اتّخذ من فشله ذريعة للتشكيك في وجود عطيل أصلاً. يقول: “نعم يا سادتي، إنّني جئتكم غازيًا في عقر داركم. قطرة من السمّ الذي حقنتم به شرايين التّاريخ. أنا لست عطيل. عطيل كان أكذوبة”.

عطيل كان أكذوبة، من وجهة نظر مصطفى سعيد، لان الأخير لم يعد يستوعب حكاية تقبّل المجتمع الأوروبي في عصر النّهضة لرجل أفريقي بهذه السهولة. لا يمكن أن تكون مأساة عطيل هي فقط في الغيرة على زوجته. لا بدّ أن يكون لاختلاف الثقافة والجنس واللون دورٌ في كلِّ ذلك. إنّ سعيد يريد بذلك أن يحوّل الصراع من صراع فردي إلى صراع حضاري ثقافي عرقي. مثلما حوّل بروفسور ماكسويل، محامي مصطفى سعيد واستاذه في إكسفورد، المحكمة إلى صراع بين عالمين، مصطفى سعيد أحد ضحاياه.

وهذه هي “وجهة نظري أنا في الموضوع” يقول الطيّب صالح. إذ يرى الطيب صالح أنّ “نقطة الضّعف في مسرحية مأساة عطيل هي أنّ عطيل، مهما كان أمره فلا يمكن أن يقبل بدوره بهذه السهولة، ويصبح الصراع حول ديدمونة فقط. وأعتقد أنّ بعض النقّاد يشير إلى ذلك”. عبقري الرواية العربية ص 132.

لقد رسم شكسبير عطيل، والحديث للطيب، “كشخص استقبل استقبالاً كاملاً من قبل المجتمع الأوروبي كما كان المجتمع أيامها. فينيسيا كانت قمّة الحضارة الأوروبية وقتها، وكان هو قائدًا للجيش، وتزوّج ديدمونة، ولم يكن الصراع بينه وبين ديدمونة عاطفيًّا، لقد خلق هو هذا الصراع”.

بعبارات أخرى يرى الطيب صالح، أنّ شكسبير، أسقط الفوارق الحضاريّة وحصر القضيّة في الجانب الشخصي فقط. ولمّا كان مصطفى سعيد لا يمثّل نفسه في الدور الذي يلعبه، وإنّما يمثّل اللاشعور الجمعي للشرق العربي والأفريقي ضدّ الغرب فإنّه لم يرضَ بالدور الذي رسمه شكسبير لعطيل. لذلك قال: “أنا لست عطيل. عطيل كان أكذوبة”. حوار الطيب صالح – عبقري الرواية العربية ص 132،133.

وفوق ذلك لم يكتفِ مصطفى سعيد بالتشكيك في وجود عطيل كما رسمه شكسبير، وإنّما شكّك في وجوده هو نفسه. فقد خطر له أن يقف ويصرخ في المحكمة: “أنا لست عطيلاً. أنا أكذوبة. لماذا لا تحكمون بشنقي وتقتلون الأكذوبة”.

وهو هنا لم يشكّك في وجوده كفرد، وإنما في وجوده كممثل للدور الحضاري الذي كان يلعبه. فهو قد جاء إلى أوروبا غازياً ليصفّى حساباته مع الغربيين، وليحرّر أفريقيا بفحولته. ولما تكشّف له وهم ما كان يقوم به وصف نفسه بأنّه هو أيضاً كان أكذوبة. إنّه الإحساس بالفشل، الفشل في الدور الذي حاول أن يلعبه.

مراجع وهوامش

1. الطيّب صالح، موسم الهجرة إلى الشمال، دار العودة، بيروت، ط 1987.

2. الطيب صالح، ملامح من سيرة ذاتية، إعداد طلحة جبريل، مركز الدراسات السودانية، القاهرة، الطبعة الأولى 1996

3. الخطيب القزويني، تلخيص المفتاح: في المعاني والبيان والبديع، المكتبة العصرية، لبنان، طبعة 2002

4- Shakespeare, Source of Othello, Signet Classic,1998, p.134

5. ونستون تشرشل، حرب النهر، ترجمه عز الدين محمود بعنوان: (تاريخ الثورة المهدية والاحتلال البريطاني للسودان) دار الشروق، القاهرة ط1، 2006 ص 225،226

6. عبقري الرواية العربية، حوار الطيّب صالح مع محي الدين صبحي وخلدون الشمعة، دار العودة ، بيروت ، ط1، 1981 ص 132،133.

7. عبد المنعم عجب الفيا، في عوالم الطيب صالح، دار الفكر، بيروت، 2010

8. عبد المنعم عجب الفيا، تي اس إليوت والأدب العربي – دراسة في التأثير والتأثر، نينوي للنشر، دمشق، 2011

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق