سياسة

التاسع عشر من ديسمبر … رؤية خارج الإطار

وليد دبلوك

   وليس هو نفسه الواقع.. فما قبل عامين من اليوم ليس من شئ في التماثل، إلا الازدياد في معدلات كل شيء بلا استثناء، الضغط والضيق والكرب وسعر الصرف ومعدل التضخم وجسم السلطة بشكل عام ومعدل الصرف والاحتقان السياسي، وايضا الوعي السياسي والمد الثوري، وهو الذي يبعث على الاطمئنان بان الثورة حية تتجدد وتتمدد برغم ما تعانيه من ازدياد عوامل الوهن والضعف المؤثر على المواطن والوطن..

  ولأنها ثورة في نظري تعد من أيقونات هذا العصر ومن أميز ما توشحت به الالفية الحالية ولا أجد غيرها من مميز كحدث عظيم، وحري بها ان تسطر في التاريخ خلودا وفي المحافل التعليمية تدريسا وفي النفس زهوا وفخرا، ولا يعيبها ما لازمها من اخفاقات سياسية واقتصادية وامنية ومجتمعية متى ما أيقنا ان ذلك القصور والإخفاق بيد عمرو لأبيد الثورة او الحال، لذا تبقى ثورة مكتملة الاركان كاملة الدسم.

  وتستمر في إدهاشنا انها تسير في تناسب وتوازي مدهش قوة ووعيا وتماسكا كلما ازداد النخر في عضدها والفت في جسدها والتثبيط من عزمها ، فتخرج من بعد ذلك اقوى عضدا واسلم جسدا وارفع عزما  … وذلك بفضل الوعي السياسي المتنامي والمد الثوري المضطرد ، مما جعلها ثورة تميزت عن أقرانها من ثورات السودان على مر حقبه العديدة بانها الاكثر مخاطبة للعقل السياسي الثوري بشكل متزن وواع لحد بعيد ، الامر الذي اجبر أيدولوجيات الثورات المضادة الى التخلي عن الايدلوجية النمطية والمدرسة التقليدية في وأد الثورات واجهاضها الى البحث عن أسس ونظريات مغايرة لما كان سائدا ما قبل هذه الثورة الفريدة شكلا ومضمونا .

   فلم يعد مجديا اللجوء الى نمط الانقلابات العسكرية المألوف بشكله العسكري الصرف او (المدني – عسكري) المزدوج في بعض الاحيان، وذلك في شكل اشبه بأخذ لقاح مضاد للانقلابات يحمي الجسد الداخلي فضلا عن عوامل دولية واقليمية تجعل من نجاح اي انقلاب هو فشل في المهد واستحالة تكاد تبلغ حد الإطلاق.. كما ان نظريات النسف من الداخل والتي افلحت في كثير من الحالات في نسف الثورات من الداخل في بعض الامثلة المحلية والعالمية على مر التاريخ ، ايضا لم تفلح مع الثورة السودانية الحالية مع بروز (لجان المقاومة) كأحد الاجسام المضادة تمثل احد إفرازات الثورة والتي اصبحت تشبه الى حد كبير عمل (كريات الدم البيضاء) في الجسم ، فتصدت بكل قوة وسرعة لكل محاولات الاختراق الداخلي والنسف الذاتي مفشلة بدرجة عالية كل المحاولات المتعددة والمتشكلة والمتلونة حينا بعد حين ومرة تلو اخرى على كل المستويات شعبية  مثلما يحدث من مكونات الحزب البائد ومن شايعهم ، او رسمية مثلما يحدث من بعض القوى السياسية الحالية عبر ما يقدمونه من مشروعات سياسية ظاهرها طيب وباطنها سيئ  والمجلس المزعوم مثالا …

كل تلك الموجات والامواج الارتدادية تتحطم الواحدة تلو الاخرى عند صخر الوعي السياسي والحس الثوري العالي ولولاه لكنا مثالا آخر لثورات الربيع العربي المجاورة والبعيدة..

   والمدهش ان كل هذا العنفوان الصامد يأتي في خضم ظرف اقتصادي خانق هو بمثابة فرس الرهان الذي يدفع به اعداء الثورة الى ساحة المعترك السياسي، فيعود إليهم وهو مروض مستأنس كسير ذليل.. ان ترويض البطون الخاوية أشد رهقا من ترويض العقول، وشعبا روض بطنه لن تروضه وتكسره من بعد ضائقة او نازلة لأنه ببساطة أصبح يجوع ويشبع بعقله بعدما وضع موازين التقييم وأدرك تمام الإدراك ان ثمة امور ينبغي الحرص عليها بجانب الطعام وهي الحرية وامتلاك زمام الامر والعيش الكريم المتساو رخاء كان ام ضيقا..

   وباستصحاب ما سبق يمكن القول بان ترجمة هذه الروح الثورية والنضج السياسي سيبدو للناظر من خلال مسيرات التاسع عشر من ديسمبر والتي اعتقد انها ستكون استفتاء شعبي وحقيقي يجسد الالتفاف حول الثورة مجسدة في شخص حكومتها المدنية على علاتها المصطنعة.. وستبدد الاطماع في النيل من الثورة من كل الطامعين الواضحين والمستترين، اللاعبون في العلن والخفاء.. ومما يعزز هذا المنحى هو جملة الاهداف التي تحققت في الفترة الأخيرة وأبرزها إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وما سيتلي ذلك على المدى المتوسط والبعيد من إيجابيات  ، والشروع في إقرار الحصانة السيادية للسودان مستقبلا من اي دعاوى تعويضية او مسؤولية وهو في تقديري حصافة دبلوماسية حازقة تحسب للجهاز التنفيذي ، في مقابل اهداف عكسية حققها المناؤون للثورة في مرماهم جعلهم يبدون في مظهر كان الاولى ان يبدوا بخلافه مما نقلهم من خانة السعي الى تقويض الثورة الى خانة السعي الى تجميل انفسهم للراي العام ، مع تزايد الضغط الدولي بصدور القانون الامريكي لمراقبة التحول الديمقراطي في السودان وما يتضمنه من بنود تشل القدرة وتكبح الجماح ..

   كل هذه العوامل الايجابية مع بروز شخص رئيس الوزراء في مظهر مختلف قليلا عن مظهره السابق والمتمثل في البقاء في خانة الظل وعدم السطوع والتعامل بلين مفرط مع الاحداث، الى مظهر فيه بعض الإطلال على القواعد الشعبية بكل شفافية ووضوح مع بروز بعض الشكيمة المحترمة والقوة الهادئة في الخطاب الاعلامي وتناوله لبعض الممنوع عنه بشكل أكثر وضوحا وصراحة، مما اضفى سمة اكسبت الرجل مساحة أكبر من التأييد وهو ما ظللنا ننادي به من قبل كثيرا.

    كما ان الخطاب العام المنادي بتكوين المجلس التشريعي وتعالي الاصوات الجادة لسرعة حسم هذا المطلب اضحى أكثر صدقا وجدية عما قبل، ولعل بروز الحاجة للمجلس التشريعي في هذا التوقيت مرده الى إنشاء مجلس شركاء الانتقالية الذي لم يجد القبول لدى العديد من الاوساط الشعبية والرسمية حتى يقطع الطريق امامه ليكون بديلا للمجلس التشريعي.. واعتقد ان مسالة تكوينه اضحت مسألة وقت أكثر من كونها مسالة مبدأ، وتلك صورة اخرى تعكس حقيقة نضج الفكر السياسي للواقع السوداني الحالي.

  ومثلما نشكل – كأقلام – شكل من اشكال الحرية التعبيرية في الطرح والتحليل من منظور شخصي فلا يستقيم الامر او يتوقف عند حدود الطرح للسالب والموجب في المشهد السياسي فحسب بل ينبغي ان يتعدى ذلك الى طرح الرؤى والحلول المنطقية حتى نقدم نموذج طيب في الطرح والتحليل قائم على صدق النوايا الوطنية والناشدة لوطن مستقر سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ، ولا مناص ولا سبيل للخروج من هذا النفق – والذي بدأت تلوح في الآفاق بعض آمال طيبة – إلا في إخلاص الدواخل وتغليب المصالح العليا للوطن عما سواها من مصالح ونبذ الاقصاء للغير لأجل الاجماع للوطن ، ومحاربة الفساد بشكل مستمر وبتر المفسدين ،  وتحفيز الحس الوطني ، وتثمين قيمة العمل والانتاج ، وإعلاء مبدأ العدالة والمحاسبة والتي تشكل معضلة لن نبلغ ما بعدها إلا بتحقيقها كاملة غير منقوصة ، مع إكمال هياكل الدولة المدنية الديمقراطية متمثلة في المجلس تشريعي والمحكمة الدستورية .

إن تحقيق التنمية وارتقاء سلم التطور لا يتم بين ليلة وضحاها ولكن الابتداء بالسعي يؤكد حتمية الوصول للغاية ، وقد بدأنا بالفعل ، واليوم بعد مضي عامين من الثورة فإن النتائج طيبة ، فقد حققنا بعض من مسيرة السلام وتبقى عنصرين لإكمال العملية ، وانفتحنا على العالم الخارجي ، وتم رفع اسم السودان من قائمة الارهاب  ولازالت الثورة في عامها الثاني تمضي في توليفة تعد نموذج في الانسجام المتنافر وتمضي برغم ذلك تعكس إصرار قوي على المضي ، ولازالت تحيط بها المتربصات من القوى المضادة ، ولكن يظل الوعي السياسي والمد الثوري كما اسلفنا يقظا ،، وهو الحارس الامين والضامن الاكبر .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق