سياسة

البراغماتية عقيدة للحاكم والجمهور

عبد العزيز كوكاس

في مقال له بعنوان “الإمبراطورية اليهودية اللامرئية” كتب الصحافي والمحلل السياسي اللبناني نبيه البرجي بالكثير من الفراسة حول ما يحدث بيننا: “إذا كنا قد شهدنا، باحتفالية صاخبة، نهاية التاريخ، فعلينا الآن أن نعد لقداس جنائزي آخر: إن الجغرافيات تدنو من النهاية”..  إذا كان هذا هو رأي الباحث المستقبلي الأميركي هاري جونستون، فهو ليس بحال، رأي الباحث الشهير ألفن توفلر الذي يقول: “إن الإمبراطورية ستبقى رهينة تلك التضاريس الجغرافية الممتدة بل والغامضة في أرجاء المعمورة”..

وفي قلبها العالم العربي، الذي تحول إلى عوالم بالجمع تعددت ولاءاته وحساباته.. بعد حرب الخليج الثانية، كان الوضع العربي أشبه بخريطة ممزقة الأطراف، متناقضة المصالح، لقد تم إقبار الحلم القومي حيث كان صدام حسين آخر القوميين بشنقهم، أحست عموم الشعوب العربية بالإخصاء الرمزي، لم يعد هناك حتى الحق في الحلم.. أول من وعى هذا الوضع الكارثي، هم الفلسطينيون أنفسهم، ذهبوا إلى أوسلو بدون من يدفئ أكتافهم، تفاوضوا على أقل من ربع ما كانوا يطالبون به بواقعية كبرى، وحصلوا على أقل من ربع ما وقعوا عليه في شبه استسلام..

تغيرت الخريطة الجيو استراتيجية، بعد أحداث 11 شتنبر، ظهر الإسلاميون بكافة تلاوينهم المعتدلون والمتطرفون، وحتى السلطة الفلسطينية لم تعد واحدة، وتعددت الولاءات المتناقضة بين إيران وتركيا وقطر والسعودية.. فأصبحت هناك حماس وفتح، وفي لبنان ظهر حزب الله الذي أصبح أشبه بدولة داخل الدولة.. ولم تعد جامعة الدول العربية تصلح حتى كنادي للفرجة، والقمم العربية والإسلامية لم تعد تلتئم وسيزيد الربيع العربي من تمزيق الخريطة العربية التي وصلت إلى الحضيض.. في هذا السياق، برزت زعامات جديدة ذات منحى براغماتي، تبحث عن مصالح الدولة الوطنية أبعد ما يكون عما كان سائدا مع شعارات المد القومي والاشتراكي مع الأنظمة الانقلابية العسكراتية.. لقد انتهت مرحلة بكاملها.. وصلت أجيال جديدة إلى السلطة في المجتمعات العربية، بدأت ترسخ سلطتها داخل الرقعة الجغرافية لوطنها أو تبحث لنفسها عن امتداد إقليمي أو تأثير في الرقعة الجغرافية المنهكة أنظمتها السياسية.. رحل جيل من الزعماء كانوا في قلب الحسابات الجيوسياسية لمنطقة الشرق الأوسط: حافظ الأسد، صدام حسين، الملك حسين، حسني مبارك، الحسن الثاني، الهواري بومدين، الملك فهد بن عبد العزيز، معمر القذافي…

الجيل العربي الجديد ذاته أصبحت له تطلعات مغايرة في ظل ضعف الوسائط وتلاشيها، أولوياته أضحت هي الشغل والتعليم والصحة… وخدمات أكثر جودة والكرامة داخل وطنه، في المغرب تم رفع شعار “تازة أو كازا قبل غزة”، دليل على أولويات وطنية مستعجلة لتقوية النظام السياسي والاستجابة لمطالب كثافة سكانية عالية من الشباب غير المؤطر بالأشكال القديمة، لأنه رهينة مواقع التواصل الاجتماعي، ولم تعد المسيرات والوقفات الاحتجاجية للتضامن مع الشعب العراقي أو الفلسطيني لم تعد تستقطب شرائح واسعة.. إن طول نفس الصراع العربي الإسرائيلي أنهك الشعوب العربية، التي انتقلت من المقاومة والحرب إلى الاحتجاج والانتفاضة والتظاهر إلى ما يشبه الاستسلام..

وعت أمريكا أن الجغرافيا العربية تدنو من النهاية، فأبدعت صفقة القرن، من خلال اللعب على المصالح الوطنية لكل بلد، للمساومة وعقد صفقات مع بلدان متفردة.. كل على حدة.

سيغدو الاحتواء الدبلوماسي وأولوية المصالح الاقتصادية للأطراف الإقليمية هي البوابة للتصور الأمريكي لإنهاء الأزمة، حل اقتصادي بسياسة “خذ واعط”.. حتى إسرائيل نفسها أُنهكت، وظهرت أصوات من داخلها إما أكثر تطرفا من القادة، أو أكثر تطلعا للسلام.. فكل شيء اليوم أصبح مرتبطا بالمصالح الأميركية العليا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق