سياسة

قراءات

عوامل تكوين إسرائيل (1)

محمدالمنتصر حديد السراج

هذه قراءة جديدة في هذه الدراسة بعنوان عوامل تكوين إسرائيل السياسية و العسكرية و الاقتصادية، بحث أجرته (انجلينا الحلو) ، و نشره مركز الأبحاث بمنظمة التحرير الفلسطينية في بيروت عام 1967 .

تبحث هذه الدراسة في إسرائيل كقوة وليس كدولة، لذلك تمثل إسرائيل في شكلها الحالي كدولة مرحلة تطور في سياق الحركة القومية الصهيونية. هكذا ينظر إليها، على الأقل، الزعماء الإسرائيليون والصهيونيون. وتبعا لذلك يصبح المطمع العقائدي الصهيوني هو الذي يقرر ديناميات المشروع القومي الذي يخططون له ويعملون.

وبناء على ما تقدم فقد جرى الالتفات الى العناصر التالية في بحث التفاعل بين العوامل السياسية والعسكرية والاقتصادية في تكوين إسرائيل:

1- كتاب هرتزل (الدولة اليهودية) وهو بمثابة الوثيقة القومية و النقطة التي تعين اتجاه الحركة الصهيونية.

2- (إعلان الاستقلال) ، وهو نقطة أخرى و حاسمة في سير الحركة.

3- الإنجازات العينية المادية التي تسد الثغرة بين النقطتين الحاسمتين في تاريخ حياة الحركة الصهيونية.

4- العوامل التي تفعل في تكوين إسرائيل كدولة و تؤثر في الوقت نفسه في تطورها كحركة:

* تطور دور العسكريين.

* بروز الهستدروت كطبقة.

* الأملاك العربية المتروكة… كعامل مشجع.

* المصادر الخارجية للأموال التي تساهم في القدرة على الصمود الاقتصادي.

و لقد تعذر أحيانا الحصول على معلومات و معطيات حديثة العهد. فكان لابد من اعتماد هذا البحث على المعلومات العائدة الى نهاية عام 1964. غير أنه يمكن القول باطمئنان بأنه لم تحصل أية تغييرات جذرية خلال عامي 1965 و1966 حتى تؤدي بدورها الى تحويل الاتجاه الذي تسير فيه إسرائيل. و ما تقدمه الصفحات التالية إن هو إلا طرازا من النمط القومي، أو بالأحرى مثالا على ( حركة قوة مندفعة ) يعتمد تركيبها و استمرارها بشكل أساسي على عوامل خارجية في أشكالها و صيغها المتنوعة .

تنظر هذه الدراسة الى إسرائيل كقوة مندفعة، و ليس الى إسرائيل كدولة، فتعتبرها بمثابة حركة ثورية تستمد اتجاهها الموحد من ظهور وثيقة ثيودور هرتزل السياسية كتاب الدولة اليهودية. ولا يزال تطور الحركة منذ ذلك الحين، كما يعترف زعماؤها و قادتها، على مسافة تاريخية يبعد عن الهدف الأخير لرسالتها.

هناك واقعتان مصيريتان تبرزان من بين الأحداث التي أدت الى قيام إسرائيل: تأليف كتاب الدولة اليهودية و إعلان الاستقلال الذي يمثل استحضارا روائيا للتاريخ اليهودي. تشكل كل منهما نقطة تحول في الحركة الثورية ككل، و لذا يستحق كل منهما أن يبحث بشيء من التفصيل .

اقترح هرتزل خطة منسقة لتدعيم وحدة الشعب اليهودي القومية. ويمكن تلخيص القوى و العوامل التي استخدمها لتنفيذ تلك الخطة على الشكل التالي:

1- الوحدة التاريخية لليهود: … يعلن مؤلف (الدولة اليهودية) بقوله : (نحن شعب … شعب واحد) . و تمثل الوحدانية التاريخية هنا ، أو على الأقل الإعتقاد بتلك الوحدانية ، عنصر قوة … أو عامل مادة خام … جرى وضعه تحت تصرف المخطط القومي .

2- مضمون الاضطهاد اليهودي: يقول هرتزل (إن كل شيء يعتمد على قوتنا الدافعة. و ما هي قوتنا الدافعة؟ بؤس اليهود). فالظروف السلبية التي أدت الى بروز هذه القوة أدت بالواقع و في الوقت نفسه الى نشوء روابط تعمل لصالح وحدة الشعب المضطهد (بفتح الهاء) و الى روح من التمرد جعلت ذلك الشعب شديد الاستجابة للتغير، والى نوع من الخضوع يتيح أمام الزعامة فرصة السيطرة بوجه مقاومة ضئيلة. هذه المحصلات تخدم بشكل فعال، كل منها بطريقته الخاصة، حركة سياسية مفصلة.

3- فعالية الفكرة: إذا أخذنا بعين الاعتبار معطيات الوحدة التاريخية اليهودية و تنوع عناصر القوة الطارئ عن اضطهاد الشعب ، وجدنا أن (فكرة) الدولة سوف تؤدي الى بروز ردود فعل تؤول بدورها الى التجمع سعيا وراء تحقيق تلك الفكرة. و يقول هرتزل: (لا يوجد إنسان يملك من الغنى أو القوة ما يكفي لنقل أمة من بيئة الى أخرى. الفكرة وحدها تستطيع إتمام ذلك، و فكرة الدولة هذه تملك القوة اللازمة للقيام بذلك) .

4- مصلحة الأمم المعادية للسامية: تفعل هذه المصلحة في طريقين. فهي تعبر عن نفسها عادة بواسطة موجات عسف اعتباطية، و تتنبأ بالمصلحة الاقتصادية الإيجابية التي تنجم عن إقامة الدولة اليهودية. و تعكس كل من الطريقين عناصر القوة، المباشرة و غير المباشرة منها، التي تدعم نجاح القضية القومية اليهودية. و يعترف هرتزل، فيما يتعلق برد الفعل الايجابي الوارد هنا، بأن (الحركة لن يجري تدشينها طبقا للقانون بصورة مطلقة فحسب، بل حتى لا يمكن تنفيذها دون التدخل الصديق من جانب الحكومات صاحبة المصالح و التي تعود عليها هذه الحركة بمنافع جمة).

5- الرسالة العالمية: و هي تعرف بمثابة قوة يهودية كامنة أو فطرية. لأن هناك زعما بأن مفهوم الشعب اليهودي يتضمن الاصطفاء لتأدية رسالة عالمية، مما يجعلها عنصر قوة طبيعية تعمل على تمجيد الباعث القومي. و ها هو هرتزل يعلن بأن (الدولة اليهودية ضرورية للعالم، لذلك سوف يتم خلقها).

يقدم هرتزل؛ بعد أن عدد العناصر الفعالة الكافية لصالحه، معادلة وصفية لتحقيق فكرة الدولة اليهودية. و يتصور المعالم البارزة في تركيب تلك المعادلة على الشكل التالي:

مساحة كافية من الأرض

البروليتاريا اليهودية المتوافرة

وكيل لليهود Gestor

شركة يهودية

و يسعى وكيل اليهود هذا لاستملاك الأرض بصورة قانونية و يعمل بالتعاون مع الشركة اليهودية على نقل اليهود الفائضين، البروليتاريا اليهودية، الى الأرض المستملكة و توطينهم فيها. هكذا يتم البدء بعملية إعادة بناء الأمة اليهودية من جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق