مجتمع

المُكَوِّن اليهودي داخل المنظومة المجتمعية المغربية

السياق التاريخي وأُفق الاندماج على مرجعية التعايش الإنساني والثقافي

عبد العالي الطاهري

ارتباطاً بالسياق الكرونولوجي للتاريخ الإنساني المغربي، فقد شكَّلت المملكة المغربية وعلى مَرِّ العصور، نموذجاً حضارياً فريداً للتعايش الإنساني والحضاري وتقارب الحضارات والثقافات والأديان، حيث لطالما كانت ولاتزال دولة رائدة على مستوى قيم ومفاهيم التسامح الديني الذي هو جزء من الضمير الجماعي للمجتمع المغربي.

الوجود اليهودي في المغرب

يعود الوجود اليهودي بالمغرب الى آلاف السنين، عرفت خلاله علاقة اليهود بالمسلمين مداً وجزراً بين التعايش والنزاع، وأدى هذا العامل التاريخي الى إنشاء ثقافة يهودية مغربية ما زال تأثيرها بادياً على المجتمع المغربي.

وتتضارب الروايات التاريخية بشأن الحقبة الأولى للوجود اليهودي بالمغرب، بين ما تقول إنه يعود للعصر الروماني، في حين ترى بعض الروايات أنه يعود إلى ما قبل ذلك، ويقول المحلل السياسي الإسرائيلي يُؤاف شاحام: “يُدرك المؤرِّخون أنّ اليهود الأوائل وصلوا الساحل الجنوبي الغربي للبحر المتوسّط منذ عهد الإمبراطورية الرومانية، لكنّ التقاليد اليهوديّة تدّعي أنّ استقرار اليهود في المغرب يعود إلى ما قبل ذلك، إلى أزمنة الكتاب المقدّس”.

ويحمل المغرب تراثاً من تاريخ متعدد يجمع بين الثقافات والأعراق والمناطق واللغات والأديان. تراث له جذوره وامتداداته في إفريقيا جنوب الصحراء كما في أوروبا الأندلس.

ويعتبر هذا الموروث الإنساني الحضاري المشترك الأول والأساسي بين المغاربة، بل هو أحد أهم مظاهر وتجليَّات فخر الأمة المغربية، بمختلف شرائحها ومكوناتها المجتمعية، ومصدر قوة لمستقبل المغرب: أن تكون دولة على مفترق الطرق بين الشرق وإفريقيا وأوروبا جغرافياً، ونقطة الالتقاء والتكامل بين هذه المكونات الثلاثة إنسانياً.

هذا النموذج الراقي في التفاعل والعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين واليهود على التراب المغربي، ساعد المغرب في الحفاظ على أصوله المتعددة الثقافات، كل هذه الروافد المتنوعة والمعترف بها في الوثيقة الدستورية، مَكَّن المملكة من تعزيز تنوعها ووحدتها وهويتها وتعددها.

وقد ورد في دستور المملكة المغربية لسنة 2011: «تنوي المملكة المغربية أن تحافظ، في كمالها وتنوعها، على هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية – الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية». 

فمن خلال نموذجها الفريد، تجعل المملكة المغربية الدين عامل سلام، وتضمن بذلك عيش اليهود والمسيحيين والمسلمين في سلام واحترام لقيم التعايش. وتستند الركيزة الأساسية لهذه المقاربة، والتي تم تعزيزها في دستور 2011، على مؤسسة أمير المؤمنين «حقل إمارة المؤمنين»، مُجَسَّدة في جلالة الملك محمد السادس، الذي يدير وينظم التوجهات والاستراتيجيات، وهو ضامن الوحدة الوطنية. وفي ظلِّ حكم الملوك العلويين، سادت روح الانفتاح والأخوة والتسامح والسلام بشكل دائم وجد مثمر وبنَّاء.

وللتاريخ الإنساني، يجب التذكير بالجهود التي بذلها جلالة الملك الراحل الحسن الثاني خدمةً لملف السلام في الشرق الأوسط والحوار بين الأديان السماوية، وقبله جلالة السلطان محمد الخامس، طيَّبَ الله ثراه، الذي رفض التوقيع على مراسيم فرض ارتداء النجمة اليهودية إبان نظام فيشي. موقف مبدئي مستمر مع جلالة الملك محمد السادس، مما جعل المملكة المغربية تُمثل الاستثناء النموذجي في العالم العربي، حيث يعتبر المكون العبري أحد الروافد المكونة للهوية المغربية وجزء لا يتجزأ من الأمة. وبالتالي، فإن اليهودية ليست غريبة على المغرب، فهي عنصر أساسي في الهوية التي تم تشكيلها على مدى ألفي عام، والتي تعطي كل معانيها ومحتواها لما يمكن أن نطلق عليه التعددية الوحدوية.

في المغرب، يقدم اليهود المغاربة والجالية اليهودية بالمملكة، وِجهات نظر أصيلة وأصلية لتفسير الحياة اليهودية في أرض الإسلام، على عكس البلدان المغاربية الأخرى ودول الشرق الأوسط.

في حين تثير اليهودية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا صور العداء بشكل دائم، يقدم المغرب نفسه كاستثناء فريد نظرا للرغبة المؤسسية في إبراز المكون اليهودي لتاريخ المملكة واعتباره جزءاً محورياً داخل المنظومة المجتمعية المغربية.

و لطالما لعب المكون اليهودي وظائف في أعلى مستويات الدولة. في الواقع، اعتاد الملوك العلويون إحاطة أنفسهم بشخصيات يهودية بارزة، كما هو الحال بالنسبة للسيد أندريه أزولاي، مستشار جلالة الملك محمد السادس والذي كان أيضا مستشارا للملك الراحل الحسن الثاني، أو السيد سيرج بيردوغو، الأمين العام لمجلس الجالية اليهودية في المغرب، ووزير السياحة السابق.

أسماء أخرى، أقل شهرة لدى عامة الناس، كانوا في خدمة المؤسسة الملكية المغربية، مثل السيد ديفيد عمار، المستشار المالي والاقتصادي للمغفور له الحسن الثاني، وليون بنزاكن، وزير البريد السابق والاتصالات السلكية واللاسلكية (PTT) والطبيب الخاص للملك الراحل محمد الخامس. 

ويبلغ عدد اليهود بالمغرب حوالي 4000 شخص، معظمهم مقيم بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، حيث لا يزالون يتمتعون بجميع الحقوق المدنية والدستورية، وبجميع الخدمات الضرورية، مع توفير جميع الشروط اللازمة والكفيلة بممارسة شعائرهم الدينية (محاكم، قانون مدني، معابد يهودية، مسالخ لحم كوشير، إلخ). كما تتوفر الجالية اليهودية على محكمة حاخامية مكونة من حاخامات قضاة، وموظفو دولة يحكمون ويبُثُّون في مسائل الأحوال الشخصية (ختان، زواج، وفاة، الميراث)، ويطبقون شريعة “الهالاخاه” باسم جلالة الملك.

كل هذا، علاوةً على أن نقل التقاليد والتعاليم الدينية وكذلك الحق في التجمع في المراكز الثقافية محفوظة. 

ومن بين التقاليد التي تميز يهود المغرب هي تبجيل الأولياء والحج إلى مزاراتهم وحمايتها. على الرغم من أن العدد ليس محددا، فقد أحصى الباحثون ما يقرب من 652 ولياً مع مزاراتهم، والتي يتركز الجزء المهم منها حول جبال الأطلس.

إذا كان لكل مجتمع يهودي الولي الراعي الخاص به، فإن بعض أضرحة الأولياء تجذب أتباعاً من دول مختلفة من العالم، مثل تلك الخاصة بالحاخام داود موشيه، بالقرب من أكويم في الأطلس الكبير الغربي، وضريح الحاخام عمرام بن ديوان، قرب وزان، وضريح مولاي أرحي، وضريح الحاخام دانيال هشومير أشكناز، وضريح الحاخام ديفيد هاليفي درا، بالقرب من دمنات.

ويتضح من السالف عرضه، انصهار الثقافة اليهودية المغربية في تاريخ وهوية البلاد، من خلال لحظات تاريخية مفصلية مهمة من التلاقح بين الأديان والطوائف والعادات الإنسانية والثقافات، وعلى وجه الخصوص من خلال عطلة يهودية مغربية، المسماة تحديداً: الميمونة. هذا الحدث الثقافي والاحتفالي الذي يحتفل به اليهود في جميع البلدان التي يتواجدون بها، بالإضافة إلى الاحتفالات، تقام التجمعات اليهودية السنوية في جميع أنحاء البلاد ويزور الحجاج اليهود المواقع المقدسة بانتظام.

كل عام، يزور ما بين 50 و70 ألف يهودي من أصل مغربي يقيمون في إسرائيل المغرب من أجل السياحة، ولكن بشكل خاص للحج والأعياد الدينية. وفي هذا السياق تشتهر مدينة الصويرة بشكل خاص بهيلولة الحاخام حاييم بينتو، الشخصية اليهودية المغربية المؤثرة التي ميزت تاريخ المدينة، والتي تجذب كل عام ما بين 2000 و3000  شخص. واحتلت مدينة الصويرة دائما مكانة خاصة لدى اليهود المغاربة، كما تستضيف مهرجان “أندلسيات أطلسية” برئاسة المستشار الملكي أندريه أزولاي، وهو موعد لا يُفَوَّت وتكريم للريبرتوار الموسيقي اليهودي المغربي الذي يُعَد نِتَاج عدة قرون من الاندماج والتلاقح الفني والثقافي بروح وعبق الإنسانية، هذا علاوة على المهرجان العالمي لموسيقى گناوة.

لعدة سنوات وبمبادرة من جلالة الملك محمد السادس، تم إطلاق عملية واسعة النطاق من أجل تجديد وصيانة التراث اليهودي وأماكن العبادة بالمغرب. حيث جرى إدراج كنيس “صلاة الفاسيين” في فاس كموقع للتراث العالمي من قبل اليونسكو.

و يبقى المغرب هو البلد العربي الوحيد الذي قام بترميم المعابد والمزارات والمقابر اليهودية. وتحتضن الدار البيضاء، في هذا الإطار، متحف «اليهودية المغربية»، وهو المتحف اليهودي الوحيد الذي تديره محافظة مسلمة تأكيداً لمزيد من تجليات التعايش الإنساني في بعده الوطني.

وانخراطاً في هذه المقاربة الوطنية الإنسانية بامتداداتها الكونية، تمَّ في عام 2017 تجديد وإعادة تسمية الحي اليهودي في مراكش ب”الملاح”، حيث باتت شوارعها مرة أخرى تحمل لوحات باللغة العبرية للترحيب بالسياح الذين يأتي معظمهم من إسرائيل. وقد استفادت المقابر اليهودية في جميع أنحاء المغرب، دائما بتعليمات ملكية سامية، من برنامج إعادة تأهيل شاملة، مثل المقبرة اليهودية بالجديدة التي يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر، والتي تحتضن ضريح يحيى حاييم أسولين.

وفي أبريل 2019، أطلق جلالة الملك محمد السادس مشروع بناء متحف للثقافة اليهودية، في إطار البرنامج التكميلي لتعزيز مدينة فاس. وينضاف هذا المتحف الجديد إلى المتحف اليهودي الوحيد بالعالم العربي الإسلامي، والموجود بالدارالبيضاء، والذي يضم مجموعات تعكس ألفي سنة من الحياة اليهودية في المغرب. ويعرف هذا المتحف كذلك تنظيم العديد من المعارض للترويج للثقافة اليهودية المغربية أمام الجمهور العريض بمختلف توجهاته الفكرية وعقائده الدينية، إذ تستمد هذه المتاحف فرادتها من كونها لا مثيل لها في العالم العربي. 

كما يتم تكريم الذاكرة اليهودية المغربية في مدينة الصويرة القديمة وبالتحديد، «بيت الذاكرة» الذي تم ترميمه عام 2019، وزاره جلالة الملك محمد السادس بمعية شخصيات يهودية من المغرب والخارج. هذا الفضاء الإنساني المُجَسِّد لمعاني التعايش الديني والثقافي والحضاري، الذي يشهد على العلاقات الاستثنائية بين الإسلام واليهودية في هذه المدينة، يُعَدُّ مساحة روحية وتراثية لحفظ وتعزيز الذاكرة اليهودية المغربية قَلَّ نظيرها في جنوب البحر الأبيض المتوسط.

وتجدر الإشارة إلى أن ما يقرب من مليون يهودي من أصل مغربي، استقروا في إسرائيل لكنهم ظلوا مرتبطين بأرض أجدادهم، وهو ما تؤكده مظاهر الفرح التي عمت شوارع إسرائيل عقب إعلان إعادة العلاقات مع المغرب.

ويتم تمثيل هذه الجالية من اليهود من أصل مغربي، لأول مرة، داخل الحكومة الإسرائيلية، من قبل 10 وزراء من إجمالي 54 وزيراً، خاصة وزراء الداخلية، الاقتصاد والصناعة والنقل.

ومن المُفيد والأهمية بمكان التأكيد على أن المغرب هو البلد الأول في منطقة شمال إفريقيا، الذي قام بدمج التاريخ والثقافة اليهودية في المناهج المدرسية، وذلك في إطار مبادرة تهدف إلى إبراز تنوع الهوية المغربية وتأكيد قيم التعايش والتسامح في ظل وحدة الأمة المغربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق